Wednesday, July 14, 2010

الفصل السابع

أشياء كثيرة يمكن أن تشتهيها، وتكون الأيام كفيلة بتحقيقها لك، ولكن ما أكثر الأشياء التي لا يستطيع حتى القدر تحقيقها.. أن تكون لك قدرة طائر على فرد جناحيه والمرور أمام قرص الشمس لحظة غروب، أن تكون نقيا كالبلور.. وكما النجوم البعيدة، التي تعلم أنك مهما حاولت أن تفعل فلن تصل إلى مكانها، أو يكون لك وميضها كانت “حياة الكاتب”.
تقف السيارة أمام السرايا ينزل “عبده” السائق مسرعا يفتح الباب، تنزل بزهو طاووس، وكبرياء حصان. وباعتياد وأريحية تمد يدها لتستند على يد ابن عمها فؤاد بك. هادئة، واثقة، لا تبالي بالعيون التي ترمقها من بعيد. عشرات البنات المجتمعات أسفل الجسر يغسلن ملابسهن، وتتكدس أمانيهن على باب السماء، ولما طال الانتظار أدركن أن السماء لديها من المشاغل ما هو أهم بكثير من أمنياتهن المستحيلة.
كذلك أدركت البنت التي أعرفها أن القدر سيكون عاجزا حتى عن تحقيق هذه الأمنية لأية منا، فاكتفت فقط أن تكون لها ابنة تعلمها كيف تبتسم دون أن تكشف عن أسنانها، وأن تتحرك بمثل هذه الرقة، وهذا السحر، ويكون مرورها رهيفا كفراشة، شفافا كطيف.
أي روائح كانت تحملها “حياة الكاتب”؟! فتسكر البنات بالأحلام والرغبة، فيجتمعن مع أول فجر لمجيئها، تدق الواحدة على حائط الأخرى. في المقابل، تكون هناك حركة أخرى، موازية، خفية، لكنها معروفة لكل الشباب. ولا يخلو الأمر من عجوز متصابي، ضعف بصره فلا يراهن، لكن الحماسة والإثارة تستدعي الأطياف التي تملأ ذاكرته، وتساعده حركة الماء، ووشوشات البنات على استحلاب ذكرياته، واسترداد بعضا من الدفء إلى عظامه اليابسة.
ومن فوق الدور القريبة من البحر ومن خلف الشيش تكون الفرصة ليتأكد من يريد خطبة أية فتاة من تقسيمات جسدها الذي تلفه الجلابية الكستور دائما.
مع الليفة والصابونة يطول وقت الاستحمام، تتحسس كل واحدة أعضاءها. عادة ما أبدأ بثديًيً أكورهما فيفيضان عن كفي، أضغطهما، أدور حولهما بالليفة، يتغطيان بفقاقيع الصابون، وتبرز حلمتهما القادرتان على اختراق السائل الحليبي، أنزل إلى بطني، بحركات متوازية أدعكه، تستدير الحركات عند منطقة السوة.
الماء لديه قدرة على تكبير الأشياء.. تتسابق البنات، لكن واحدة كانت تنأى عن الحلبة فهي الأجمل دائما بين البنات، وهي مقياس الجمال، فهذه صدرها أصغر من “صفية”، وتلك مربربة، لكن فخدها ليس مدورا كما “صفية”. لم تكن “صفية” تخجل من جسدها ويبدو أنه كان الأقرب إليها. تنزلق قطرات الماء على جلدها كحبات العنب غنية وبلورية تغري اللسان بلحسها، ورغم دخول الماء إلى بيتها كانت تصر على حمامها النهري.
- ما يصحش، بناتك كبرت وعندك حمام في بيتك.
- النهر حنين، بيفهمني ويحن علىَّ. مية الحنفيات عطنة، ما أتحملهاش.

“صفية” قطعة سكر، زاد تركيزها فلم يتذوقها أحد إلا وشهق من حلاوتها، أحلى مما يمكن لأهالينا أن يقدروا، وهم الذين لا يرون للشيء فائدة إذا لم تكن له وظيفة، والمهمة الوحيدة لجمال “صفية” أن تتزوج رجلا غنيا أو على الأقل مستورا، لكن جمالها كان في الوقت نفسه نقمتها وذنبها، يخبرها “رزق”:
- عمرك ما حبتيني في يوم يا صفية.
- وليه ما طلقتنيش ؟
- مقدرتش. تصدقي بالله. أهل البلد بيحسدوني عليك، وعينيهم بتقول إنهم عارفين.

و”حياة الكاتب” ؟ دائما تراوغين عند ذكرها..
أراوغ! بل هي التي تراوغني..
ما إن ينتصف الليل حتى يصل إلى سمعي صوت موسيقي ناعم، هادئ، منتظم، كأنه تنهيدات لأصوات مكتومة، النور مقطوع أو مُطفأ، أحمل شمعدانا في يدي، من الدور العلوي المطل على الصالة أرى شبحا يرقص في الظلام دون أن تزل قدمه أو تتعثر في قطعة من الأثاث.. يدور حول نفسه.. يلف.. حركاته لولوبية، متماوجة، مذبوحة، تتحرر روحه من جسد منهك، معذب، يخنقها وتضيق به. هذا الأداء لا يمكن أن يكون لرجل، الرجال لا يعرفون رفرفات الطير الذبيح.
كانت كل حركات جسدها تتماوج مع اللحن، تنثني معه، تستدير، وهي تكاد تذوب. أخذني رقصها، وعندما انتبهت لنفسي، خمنت أنها ليست “راوية”.. “راوية” أطول وأعرض من الشابة التي ترقص أمامي الآن، ولا تكاد قدماها تلامس الأرض. ابنتي شعرها متوسط الطول ولا تنزل الصالة الكبيرة دون أن تغطيه بإيشارب، والتي أمامي شعرها مقصوص “آلاجرسون”.
الأهم ابنتي لا تملك خفة الروح التي تمتلكها من ترقص الآن، وتدور حولها كل أزهار الستائر وتتبعها أينما تمايلت، وترسم حولها هالة من الزهور كعصفور صغير يفرد جناحيه للمرة الأولى فتتجاوب معه كل المخلوقات المحبة للوجود. وبالخفة نفسها تفتح غرفة المكتب وتدلف إليها، فتتكوم الأزهار حول قدميها وهي تنظر إلى صورة “فِؤاد”. وقفت خلفها تماما، رأيت دموعها في وجه “فؤاد”، عكسها زجاج الصورة المجللة بشريط أسود، على الزجاج نفسه انعكست صورتي والشمعة في يدي، التفتت إلىَّ والتقت عينانا.

سنوات طويلة ظلت هناك، فهل ملت وحدتها؟ خرجت الفراشة من الشرنقة، رشيقة، قوية، جائعة للحياة.. تعزف لحنها الخاص وتسمعني قصائدها
يجتمع على صوتها الرقيق كل ساكني السرايا. هي موهوبة جدا. يصفقون، أمد لها يدي بورقة من جريدة.. إلى هواة التأليف القصصي يمكنك الاشتراك في مسابقة القصة التي تنظمها المؤسسة المصرية للطبع والنشر لطبع قصتك على نفقتها، اطلب الشروط من دار المؤسسة 21 ش الألفي، عمارة الطويل، ت 915150.

هل يمكن أن تكتب عني قصة؟
ينتظر ساكنو البيت قصتها لكنها تعود وفي يدها عدة سطور. اجتاز الليل حد المنتصف ولازلت أمسك بقلمي، أحاول أن أكتب شيئا، ولكن القلم ساكن سكون الموت، والحق أن له العذر فيما أصابه، فرأسي بيضاء خالية من أية فكرة يمكن أن تكتب، تبخرت الأفكار منها كما تتبخر المياه في الصحراء، وقد بدأت أشعر بالقلق، فالوقت يمر وأخشى أن تضيع الليلة هباء، كما ضاعت سابقتها، لذلك أنظر إلى قلمي أستعطفه أن يتحرك من مكانه، وكأنه المسئول عن هذا الجمود لا أنا.
الليالي لدينا طويلة ماذا نمتلك غيرها؟ لكن الليلة لا تمر دون مفاجأة، تفتح ألبومها، أقلب صفحاته المليئة بصور زفاف المشاهير، أجدها في كل الصور مرسومه بالقلم الأحمر، وجهها مبتسم ويدها ترفع باقة زهور، أمام الأميرة “فوزية” والأمير “محمد رضا بهلوي”، وبجوار “هدى عبد الناصر” و”حاتم صادق” في صورة الزفاف الرسمية، حيث تقف العروس أمام العريس، وفي يدها باقة زهور، والعريس خلفها ينظر للكاميرا مباشرة، بينما العروس تخطف نظرة للجهة اليمنى من الكادر…
بحركة مباغتة أغلقت الألبوم قبل أن ترينا الصورة الأخيرة، ألححنا عليها، كانت صورة زفاف”جيهان” الابنة الصغرى للسادات، لكن الصورة كانت ممتلئة، الجيهانتان تحاصران الرئيس المؤمن، وتكتمل الصورة بالعريس وأمه وأبيه “عثمان أحمد عثمان”، فلا مكان لحياة أو لزهورها، فقط بعض البقع التي تكونت من تساقط دموعها .
نواسيها …
تنحني وتبدأ في رقصتها التالية، تدور على الكراسي بحثا عن من يشاركها، تقترب مني، على قدمي تجلس “حبيبة”، تمد يدها لها، تنجذب الطفلة الصغيرة لسحرها، تنزل “حياة” على ركبتيها، يصبح وجهها مواجها لحبيبة، بيدها الصغيرة تبعد البنت شعرها الناعم عن جبهتها، تطويه خلف أذنها، تقبلها، ترقصان معا، تستمر في تعليم الصغيرة كيف تكون الخطوات منتظمة ورشيقة.. يبتعد الضوء عنهما قليلا، يتركز على الحائط المواجه لحجرة المكتب، ومن خلف الستارة تخرج بنت أخرى وهي تغني وترقص..” بحلق لي، بحلق لي، وبص لي”..لا تفارقها عيناي، ويدي تضغط على يد “فؤاد” واليد الأخرى تتحسس بطني الذي يحمل زرعه الأول، تغمرني كل نقطة ضوء تتسرب منها، تغلفني، أمتصها، تظل مخزونه في رحمي إلى ساعة لست أعرف ميقاتها.
جميعنا يتمني البنات، البنت دافئة، حانية، يمكنك أن تعيد معها طفولتك.
أفهم لماذا حرصت “حبيبة” على أن يكون جنينها طفلة.
لكنك تقولين أنه لم يكن لديك اختيار الاستنساخ يعني ولداً من الرجل وبنتاً من المرأة …البنت يتم تدليلها، شرائط، ألوان زاهية، لعب..
سأشتري لابنتك كل اللعب التي أقرأ إعلاناتها مع ملاحق الجرائد الصباحية.. عروسة بيبي وورلد، تاتو، تسريحة، طاقم سفرة، طاقم مطبخ، منزل العائلة السعيدة.. هل كنا عائلة سعيدة..؟ منير.. اشرب اللبن، انزل من على الشجرة، لماذا تأخرت ؟
عاطف.. لا تذاكر بصوت عال، اخفض صوت التلفزيون، لماذا لا ترتدي البلوفر؟
راوية.. ابعدي القطة عن طبقك، نظمي سريرك، لماذا لا تلعبين مع نور وشمس؟
ستكون ابنتك موسيقية، لا يوجد في العائلة موسيقي، البيانو في السرايا لا يفتحه أحد، أقصى ما علمته أن أصابعه البيضاء عددها 52 والسوداء عددها 36. توجد في الإعلانات ألعاب موسيقية على شكل قطة، كلب، حيوانات تكون فرقة موسيقية. جيتار موسيقي، طاقم قطار موسيقي. لعب كثيرة ظهرت لم تكن على أيامك، ولعبك مازلت أحتفظ بها كلها في حجرتك التي كانت حجرة أمك من قبل.
عندما ولدت “راوية” أصرت “الداية” على الحضور رغم وجود طبيب، وضعت يدها الصغيرة في طحين دافئ قادم للتو من ماكينة الطحين حتى لا تنمو أظافرها، ودهنت جسمها بدم وطواط، واهتمت كثيرا بتحت الإبطين وبين الفخذيين. لكني لم أسأل راوية إن كان تحت إبطها أو على عانتها شعر أم لا.
تواصل “حياة” الرقص، ترتفع جيبتها الواسعة عن ساقين متماسكتين، ليس فيهما أثر السنين التي حبست نفسها في الدور العلوي، بما يخفف مخاوفها التي كتبتها بخط يدها: يتبدى لي، أحيانا، أني وثيقة الصلة بأهل الكهف، الفرق، أنهم لم يختاروا نومتهم في الكهف، وأنا اخترت نومتي في هذا السرير. خمسة وعشرون عاما وستة شهور وسبعة أيام، تركت علاماتها في جسدي وروحي. ما الذي خسرته؟ أيامي. عمري. شبابي. لقد أتاحت لي هذه الرقدة أن أراقب العالم من بعيد، وحافظت لي على محبة المحيطين بي، رغم التجاهل، لكني كنت مثل الأزهار التي نتذكرها في المناسبات.
تعودت على الكرسي، حتى نسيت أنا الأخرى، أني لست مشلولة لكني حزينة ومحبطة. كيف يكون شكل جسدي الآن؟ هل مازلت أحتفظ برشاقة سباحة في النادي الأهلي أم تضخم فخذاي، كآن الزمن لم يمض، وهذا هو المايوه، المقاس نفسه، رائحته عتيقة، لكن شيئا لم يحدث، فقط أصبحت أكثر حرية، هم تغيروا وأنا لم أتغير.

لكن الزمن تغير كثيرا، و”حبيبة” أصبحت أطول منها.
حاولت أن تخرجك من أحزانك لكنك كنت مقيمة فيها، تخرجين منها وتعودين إليها. توددت إليك كثيرا، تسألك متى ولدت حبيبة؟ يقولون: من يولد في الصباح يكون ناجحا في أموره عظيم الشأن، ومن يولد بالضحى يكون رزقه بالتعب والمشقة والضنك. ففي أي وقت أنجبت منير وعاطف وراوية؟ أحاول أن أتذكر، ربما ولدتهم عند العشاء.
“حياة” هي الأقدر على مساعدة “حبيبة”، تحتفظ بكل رسائل العشاق والمحبين التي تنشر في صفحات القلوب الحائرة، ترصها بعناية في صندوق وترد على كثير من المشاكل. يمكنها أن تفهم السبب الذي من أجله تتمنى النساء إنجاب البنات، وفي الوقت نفسه يشكرن الله عندما يرزقهن بالولد. حنونة وطيبة، همست لي ذات صباح ونحن في الحديقة تحيط بنا أشجار النخيل المحملة بالبلح الأحمر والأصفر:
- نفسي أركب الحصان.
وعندما ركبت حصانها وجرت به على الطريق اعترضها ميكروباص، جفل الحصان، أو ربما هي التي خافت، حرن الحصان، جرح حافره، وسقطت في أرض مزروعة بالأرز.
عندما عادت قلت لها: احمدي ربنا إنك لم تصابي.
فنظرت إلى بدلتها التي لوثتها لطخ الطين ولم ترد، فقط دخلت غرفتها ولم تغادرها .
وبدأ الحصان يعاني من الجرح الذي أصاب حافره ولم تنتبهي له، فتصلبت عضلاته وفكاه، انتصبت أذناه وصار حساسا لأي صوت، حتى خطواتك الوجلة المقتربة منه، ذعر منها، في كفك حبات شعير لا يراها وقد غطي جفنه الثاني مقلتيه، يريد أن يستنشق، تتسع طاقتا أنفه لكن عضلات قفصه الصدري لا تسعفه.لا يتحرك، لا يأكل، لا يتنفس، هل تتركينه يعاني أم تتركينهم يطلقون رصاصة الرحمة على رأسه التي طالما اهتزت غرته لمرآك؟
مذكراتها في يدي.
“سعادة الإنسان غير كاملة بل هي سعادة يشوبها شيء من الشقاء”
“علي أن أقِّدر بالضبط مقدار الحزن الذي أظهره وألا أنازع الآخرين أحزانهم حتى لا أخرج تماما من الدائرة”.
“كنت أحتاج إلي من يأخذ بيدي، أحتاج محبة الآخرين كي أسترد محبتي لنفسي مثلما كنت البنت النابهة في مادة الحساب.

لكن ما بال خطوطنا متشابهة بهذا الشكل، ما بالنا كلما مرت الأيام وجدت أن ما نتنازع عليه قليل، وأن ما يربطنا ببعض كثير، أكثر مما تخيلت. فهل يمكن لها أن تكتب قصتي؟ أين هي الآن؟ بالطبع في الدور العلوي مع دادة وهيبة، هل أنت واثقة؟ لا.
لعلها تكون البنت التي ظللت أنتظر أن تدق بابي قبل الفجر، وأحيانا أفتح الباب الكبير في الصباح الباكر، أفتش في الحديقة، وعلى الطريق، علها تطلب حمايتي.
لكنها تنقذني من كوابيسي، فتأتيني مرتدية ملابس بيضاء، ترفرف بجناحيها الملائكيين، وحولها أطفال خضر منشرحين، وهي تبتسم لي راضية..
لو أني أتذكر من هي؟ لكن الأيام والشخوص تتداخل..
ماذا أفعل غير الانتظار؟
“حبيبة” تأخرت..و”راوية” تصر على إغلاق التلفزيون؟! أقف لها بالمرصاد، ماذا أفعل بدونه؟ كيف أضبط إيقاع البيت ومتابعة الخدم وإنجازهم لأعمالهم؟ أعمال البيت يجب أن تنتهي قبل موعد نشرة الثانية عشر ظهرا، والإفطار يوضع قبل أن تظهر عبارة الحلقة السادسة من مسلسل الظهيرة، والعشاء يكون مع مسلسل السابعة، أما الغداء فموعده ثابت لا يتغير في الخامسة. تتغير خريطة التلفزيون، وتتعدد القنوات، لكني لا أفطر أو أتعشى إلا عند عرض المسلسل.
- يا ماما لازم تفطري علشان تاخدي الدواء.
- لا. هصوم النهاردة.
- طول عمرك عنيده.

أنا؟ أي شخص أنا؟
سؤال متأخر.
حكى لي الموت في مسامراتنا الطويلة عن رحلاته مع العجائز والمسنين:
هناك “المسن القنوع”: الذي يرضى عن حياته، ويقتنع بما حقق ولا يخاف الموت، وعلي أقل تقدير لا يسبب له اقتراب الموت أزمة نفسية.
و”المسن الجلد”: الذي يعتقد أن الموت شيء لا يخيفه، إنما هو عدو يجب أن يقابله بجرأة وإقدام، فيعتمد على نفسه ويواجه مصاعبه النفسية والبدنية وكأنها تحدي شخصي له.
“المسن الغاضب”: هو العاجز عن تخطي المتاعب التي يواجهها، ويواجه هذه المشقات بالحديث الغاضب، والصراخ الدائم مع من حوله ومع نفسه.
“المسن البائس”: هو الذي لا يرى أملا في حياته، ويتمنى الموت حتى لا يكون عبئا على من حوله، ويفضل عدم البوح بآلامه وأحاسيسه خشية مضايقة الغير.
حتى عندما يحكي الموت عن العجائز تظل موقنا أنه يتكلم عن أحد غيرك. لكنك تصبح عجوزا حقا…
حين تدخل عليك واحدة رأيتها من قبل وتحدثك حول حاجة ابنك الثاني إلى نقود للسفر وتأسيس منزله كملحق دبلوماسي في لندن، تصغي إليها وسؤال يطن في أذنك، ما هي علاقة فاطمة الشغالة بعاطف ابني؟ تصب جامات غضبك على ابنك الذي يوسط الشغالة مهما كانت متانة علاقتك بها للتحدث عن حاجة له، وبينما السؤال يدور في مداراته اللانهائية، يخطف بصرك بياض ولمعة أسنان الجالسة أمامك، تستحلب أمومتك بتودد، تبرزه غمازتان في الخدين الممتلئين، وكما الوحي أو الإلهام وقبل أن تخطئ، أو يكتشف الآخرون حالك، واستقرار الوجوه في بحر النسيان، وضياع مخزونك، وغرقه في بحر الضباب، إذ بعود ثقاب يضيء الحقيقة ويعيد إليك ذاكرتك التي لم تشك في ضياعها.
وبدربة الذين اعتادوا المتاهات والخروج منها، أربت على كتفها:
- محلولة يا عيني.
تخرج من الباب وتدخل من البوابة الكبيرة، وهي في يد “عاطف”، والفرحة ترقق حديثه، وطبعه المحافظ الكتوم لمشاعره، وتجعله يتخلى عن حياده ودبلوماسيته لينحاز إليها، ويعلن رأيه واضحا صريحا مصادرا أية محاولة للتأثير على قراره، وناقلا لي عدوى حماسه وهو يقدمها:
- ماما “سناء” زميلتي في الكلية ووالدها كان سفيرنا في باريس. دلوقتي ترك العمل الدبلوماسي وفتح مكتب استيراد وتصدير.
- أهلا يا روحي نورتينا.
وبعد أسبوعين كنا في فيلتهم بالمهندسين نطلب يدها وبعد أقل من شهرين تسلم “عاطف” وظيفته وعروسه معا.
وبسفر “عاطف” خلا البيت إلا من “راوية” و”حبيبة” وصور “فؤاد” و”منير”.
لكنهم يحضرون فجأة.. يقطعون دروسهم، والأولاد يتندرون ويسب كل منهم الأخر: أنت يميني رجعي، وأنت يساري متهور. جاءا معا وظلا يتقاذفان بالمخدات ولم تفلح محاولاتي في الفض بينهما، لكنهما بقيا ينامان في نفس الحجرة التي كوناها معا.
الحجرة مغلقة. رحل صاحباها بعد انتظام الدراسة، وثبات نظام الحكم، وبقي على الجدران “تشي جيفارا”، “عمر الشريف”، وتراب ناعم يراوغ الخادمات، يتسرب من الشيش والزجاج، السريران المتوازيان، طوابع البريد، أعلام الدول، شرائط “الشيخ إمام”. أول سِنََّة سقطت من أسنان “عاطف”، انخلعت بالليل، فغسلتها ولففتها في منديل لأرميها في عين الشمس..” يا شمس يا شموسة خدي سِنَّة الجاموسة وهاتي لي سِنه جديده آكل بيها البسبوسه”، لكن شمس اليوم التالي عندما أشرقت كانت المساحة التي تطل فيها على أراضينا قد تقلصت، ونسيت سِنة “عاطف”.
أين “فؤاد” الآن؟ وأين “يحيى” و”صفية”؟

No comments: