Wednesday, July 14, 2010

الفصل الثاني عشر

حُسنة معها بعض الحق، فقد تغير طعم السمك.
وراوية معها بعضه الآخر، فقد تغيرت حُسنة…
لم تعد ترضى أن تستضيفني في بيتها، أو أن أجلس معها في صالونها المذهب، وعندما يأتي ذكري أمامها تقول وهي تضم ابنها البكر:
– بعد الشر.
هل صرت شرا وغريبا تطردني من حجرتها؟
لم أدرك عمق رغبتها في عدم رؤيتي إلا عندما رأيت دموعها، ورأيتني في بؤبؤها المتلألئ بالدمع طائرا أسود وجناحيه ظلام.
تهمس ودموعها معلقة على رموشها الطويلة:
– بعد جوازي ما أقدرش أستضيف غريب.
لا تدرك أن الأسوار لا تُبعد الموت، لكنها تجعل زيارتي لها محدودة ومحددة، الأسوار تُنَظِّم دخول الأشياء وخروجها، لكنها لا تمنع شيئا. لو أنها تأملت قليلا لرأت أن أحدا لا يمكنه أن يهرب مني.
سأخرج من بيتها غاضبا، لكني سأجثو على ركبتي أمام دموعها، وأنا أبرئ ساحتي من غياب ابنها “منير”، ولم يكن ذلك هو الوقت المناسب كي أذكرها بنظرتها القديمة للموت: الإنسان في هذه الحياة له مهمة معينة، وبعد أن يؤديها، على المحيطين به أن يتركوه يذهب إلى هناك، إلى الضفة الأخرى، ويرعى شئونه بعيدا عما يجب واللازم والمفروض، وعن أثقال الرموش المشرعة له دوما.
بالقطع لا يمكن لأم ثكلى أن تتذكر هذا الكلام.
خاصة وأنها تغيرت كثيرا ..فلم تعد تمشي معي كما كنا، اكتفت بمشاهدة التلفزيون. عندما بدأ إرسال التلفزيون كان “فؤاد الكاتب” من أوائل الأثرياء الذين اقتنوا هذا الجهاز، ولو كانت “حُسنة” كما كانت لامتلأ الدور الأرضي بأولاد يتراصون في صفوف منتظمة، الأقصر فالأطول، وفي يد كل واحد منهم قرطاس لب مستقيم، أو قرطاس فول سوداني منبعج في بعض جوانبه بما يتناسب مع حجم حبة الفول. وتأمرهم “حُسنة”
- كل واحد بمحاذاة الصف.
كما كانت تفعل في “كُتَّاب” سيدنا الشيخ، والذي كان يمتدح مهارتها في ضبط “الكُتَّاب”، ولا يجعلها ترأس البنات فقط بل و الصبيان، مما يسبب لها مضايقات منهم بعد انتهاء الدرس، وبنفس المهارة كانت تصدهم، وإن استدعى الأمر في بعض الأحيان الشكوى لآبائهم.
كان ذكاؤها يوجهها لشكوى الولد الذي يضايقها إلى أبيه وليس لأمه، فالأمهات كن يجدن أنه من العادي أن يضرب ابنها أية بنت، فهذه علامة رجولة مبكرة، وتكتفي بتطييب خاطرها والوعد بكسر رقبته، عندما تراه، يا حبيبتي أنت الغالية بنت الغالية، أو تمد يدها بنصف رغيف “رحالي” وفوقه قطعة جبن قريش.
هذا الكلام لم يكن ليرضي “حُسنة”، فتقف قرب انتهاء صلاة العصر أو المغرب في الشارع المؤدي إلى المسجد وتوقف الأب
- يرضيك يا عم حسن إن ابنك يضربني بعد الكُتَّاب؟
يفاجأ الأب بشجاعتها، يأخذها من يدها إلى بيته، ولا يهدأ حتى يرن ابنه العلقة المحترمة، يا كلب لا تقدر إلا على البنت الغلبانة، عامل نفسك راجل؟ بس أنت بطل تعملها على نفسك، وتهد حيل أمك، وكل يوم تنشر المرتبة في الشمس.
فمن يمكنه أن يحب بنتا كانت رئيسة عليه؟ وهي كيف لها أن تحب ولدا كان أبوه يناديه أمامها:
– يا أبو شخه.
كانت هذه أيام ومضت، وفيما بعد، فإن أحدا من البلد لم يعرف أن الصندوق الذي دخل البيت الكبير وعليه علامة شركة “فيليبس” هو جهاز تلفزيون، لكن الخبر تسرب من ألسنة البنات اللاتي كن يساعدن في تنظيف السرايا، ويلمحن الست حسنة وهي جالسة تبحلق في الصندوق الذي يقبل فيه الأزواج زوجاتهم، وفي يدها طبق بسيمة، وبجانب كرسيها تجلس “فاطمة” التي تؤثرها بمعاملة خاصة، ويمكن لها أن تتساهل مع باقي الشغالين، وتسمح لهم بمتابعة المسلسل اليومي وهم واقفين أمام الطرقة المؤدية إلى المطبخ، دون أن تعكر مزاجهم بطلب فنجان قهوة مضبوطة.
وأحيانا تتساهل أكثر فتغض بصرها عن تصنتهم على جلساتها الأسبوعية مع بنات الأعيان وزوجاتهم..في معظم الجلسات، تطلعهن سنية هانم الألفي على صورها، وهي في كلية البنات الثانوية، وبطقوس احتفالية خاصة تعرض عليهن صورة التخرج:
- دي مس آنجيل، وده مسيو ميشيل، أنا، ودي الزعيمة، تصورت معانا علشان بنات خالها حواء وحورية إدريس
ظلت حُسنة لفترة طويلة لا تعرف من هي الزعيمة حتى قرأت في مجلة حواء مقالا عن تحرير المرأة المصرية، ورأت صورة السيدة التي تحيط وجهها بطرحة سوداء، وعرفت أنها هدى هانم شعراوي.
وفي يوم آخر أحضرت زوجة المأمور جريدة بها مقال، عنوانه: المفكر الفلسطيني الكبير ادوارد سعيد يكتب ذكرياته عن تحية كاريوكا، وفي وسط المقال صورة للراقصة الأشهر بطرحتها البيضاء وجسدها المحملي الذي فقد رشاقته، لكن ليونته تراوغ الملابس الفضفاضة وتشي بما كان.
تتنهد منيرة هانم وهي تنظر إلي الصورة وتقول:
- كان جارنا في الزمالك، كان خجول جدا زي البنات، ويحمر وجهه لو حد غريب كلمه، ولا يخرجشي إلا مع إخواته الكبار، فجأة هاجر لأمريكا مع أهله.
ولم تصمت حُسنة طويلا:
- في يوم النحاس باشا زعيم الأمة كان في زيارة للمنصورة، وكان هيتغدى عند محمد بيه الشناوي، والمنصورة كلها بقت فرحانة، فراشة، وأنوار وميكرفونات وأعلام، الحكمدار كان ضد الوفد، فأصدر أوامره لرجال البوليس بإزالة كل مظاهر الاحتفال والعساكر انتشروا يهدموا الزينات، وفتحوا جميع الكباري لمنع الناس من الترحيب بالباشا، لكن والدي الحاج حسين صمم على رؤيته، العسكر كانوا شايلين بنادق فيها سكاكين ، ولما ظهر الموكب ووالدي فيه، حاول عسكري قتل النحاس باشا لكن الطعنة جت في سينوت حنا بيه، والدي شاف اللي حصل، جري ورا العسكري ومسكه، لكن العسكري طعنه في رقبته.
- وبعدين؟
- النحاس باشا عجبته شجاعة والدي وقال له: يا حج حسين إنت من الوطنيين.
- واتصور معاه؟
- طبعا اتصور، لكن الصورة مابتفارقش محفظته، وإن كان على الصور مفيش أكتر منها.
وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال، ومستعدة له بحكاية جديدة، ففتحت مجلة “المصور” وأشارت:
- السفينة سعد كانت ملك لجدي وفي يوم اصطدمت مع السفينة الباسل عند رأس البر وغرق جدي ومعاه كل تجارة العيلة من الحرير.
تماهت حُسنة مع الجلسات الأسبوعية، وشيئا فشيء أصبحت أهم أركان هذه الجلسة، وموطن استشارة السيدات المتباهيات بجدودهن، وأراضيهن الشاسعة، بل وبمرور الوقت أصبح لها جلستها الأسبوعية الخاصة في سرايتها، التي لم تمتنع عن إقامتها إلا شهري فبراير ومارس بعد وفاة أم كلثوم.
وكل هذا لا يعني إلا أن حسنة تغيرت كثيرا كثيرا
عند منتصف الليل، تشعر بوقع أقدام رهيفة خفيفة، وبحركة في غرفة المكتب التي كان “فؤاد” يقضي فيها معظم وقته، وفي أحيان أخرى تلتقط أذناها موسيقى ناعمة وحركات راقصة. بل ولاحظت عندما تنهض لصلاة الفجر، أن ورود وأزهار الستائر المنقوشة تختفي، ويبقى لونها السادة بدون نقوش، لكنها وللمفاجأة تجدها مكومة تحت صورة “فؤاد” في غرفة المكتب. فأصبح عليها أن تجمع هذه الزهور الهاربة، وتعيدها إلى مكانها، إلى قماش الستائر. وبالقطع لم تكن تعيدها بنفس الدقة القديمة، الاختلافات الطفيفة بين توزيعات زهور القرنفل والجهنمية والورود، ووضعية كل زهرة على الستائر غيرت كثيرا من شكل الستائر الأصلي. بما جعلها عرضة للقيل والقال، وللمز في مدى حزنها على زوجها الراحل الذي لم يمر أربعون يوما على وفاته، وإذا بها تفاجئ الجميع بصفو بالها، وتغيير الستائر وتعليق أخرى بألوان وأزهار زاهية.
لاحظت “فاطمة” وهي تقدم القهوة السادة للمعزيات هذه اللمزات، ولكن شدة حزنها على سيدها لم يجعلها تطرح على نفسها سؤالا بديهيا: متى خرجت سيدتها لشراء الستائر؟ متى تم تعليقها؟ وتركيبها؟ ولم تلاحظ أن البياضات مازالت تغطي أطقم الصالون والأنتريه في الصالة الكبيرة. وعندما حكت ما تسمع من لوم المعزيات لزوجها، كانت هذه هي الفرصة التي انتظرها “مسعود” الجنايني ليحلق ذقنه، ويستحم، ويسبسب شعره بالفازلين، يعطر نفسه بكولونيا “خمس خمسات” التي اشتراها من “شربين” بعشرة قروش. وكلها مقدمات تحفظها فاطمة، وأثناءها تستعد نفسيا لكنها لا تبدي فهما إلا بعد أن يبتسم وهو يفرك يديه ويقول لها كلمة السر:
- ليليتنا فل إن شاء الله.
فتبعد يده عن كتفها بدلال، بينما تخلع جلبابها الأسود وهي تقول:
– يا راجل ما يصحش، البيه مكملش أربعين يوم.
وبينما هما يتناوشان في البدروم، كانت حسنة تعيش في عالمها الجديد.. تهيم في الحدائق والمزارع، تجذبها رائحة الشيح البلدي.
تردد: البابونج يطرد الحيات والأرواح الشريرة.
تحذر: لا تتركوا المنخل فارغا.
وبحسرة تتذكر: هذا البيت لا يسلف ولا يستلف.
وعلي طريقتها الخاصة التي لا ترضي “راوية” أو غيرها، تحج كل عام.. قبل خمسة أيام من نهاية شهر ذي القعدة، تجهز عدتها، تدخل المكتبة وبمساعدة “نور” تفرز الكتب التي تحتاجها:
سنة لابن كثير..
سنة لرياض الصالحين..
سنة للجغرافيا..
سنة للتاريخ..
وهذه السنة وقبل موعد الموسم، دخلت غرفة حبيبة، وجمعت كل المجلدات التي تضم رسوما لكبار الفنانين التشكيليين وعندما قالت لها نور
- يا عمتي الكتب دي بالإنجليزية وإنت ..
نظرت لها بضيق: هشوف اللوحات اللي رسموها، أحس ألوانها، أفهمها.
هاتفت أخاها يحيي
– عايزاك تشتري لي كل الكتب اللي تتكلم عن الرسامين وتكون باللغة العربية. متتأخرش. آه متنساش فيلم زوربا اليوناني.
وفي موعدها تودع أهل البيت، وترتدي ثوبها الأبيض، وخاتمها ذا الفص العقيق وهي تردد قول الرسول “من تختم بالعقيق لم يزل في بركة”.
تنسق شرائط الشيخ “عبد الصمد”، و”الحصري”، و” النقشبندي”، تملأ ثلاجتها بالفاكهة، وتطلب من فاطمة تشغيل المروحة
- يا ست التكييف شغال.
- لما أشوف ريش المروحة بيتحرك يبرد الجو، أما التكييف ده إزاي أثق فيه؟
تغلق الباب على نفسها وتبدأ مناسكها.
وبعد صلاة العيد، تخرج وتوزع أنصبة الأضاحي، وفي المساء تحضر زفاف البنات اللاتي تكفلت هذا العام بتجهيزهن، وقبل أن تبدأ الراقصات في تقديم فقراتهن تتسلل إلى حجرتهن تمعن النظر في وجوهن، تسألها واحدة:
– بتشبهي؟
– اسمك إيه؟
– سهام.
– وإنت؟
– أميره.
– يا خساره..
– تحبي يبقى اسمي إيه؟
– مش فاكره..
وتخرج تشيعها ضحكات ترطب قلبها، وتستدعي في روحها رائحة كيزان الذرة المشوي، وصورة بنتين إحداهما شعرها قصير، والأخرى يملأ وجهها نمش، تتلصصان من قماش الخيمة على الراقصة.
وبعد كل حجة كانت هناك عبارات جديدة تلتصق بلسانها.
بعد حجتها الأخيرة أمكنها أن تصيغ هذه العبارة:
– أحلامي مثل أحلام سيلفادور دالي..
أو تخرج بالمظلة في الشمس الحارقة، والسماء الزرقاء تتوزع بها قليل من السحب البيضاء حافية القدمين. ثم تعود لتقول:
– كان على مونيه أن يراني قبل أن يرسم السيدة والمظلة، فظلي على شجيرات اللانتانا كمارا سيكون أوضح.
وتسأل بصوت عال هل وصلت حبيبة؟
تغيرت حُسنة كثيرا كثيرا كثيرا.
لكنها ليست وحدها التي تغيرت: الزمن نفسه تغير ومضت الأيام التي كنت فيها إلها مهيبا، يمكن لي أن أصيح في وجه كبير الآلهة مهددا:
“… الآن وقد قتلت لوتان
الآن وقد سحقت رأس التنين
الآن وقد قضيت على الحية الملتوية
الحية الملعونة ذات الرؤوس السبعة
الآن وقد اكتنفتك السماء بهالة من المجد
تذكر أيها الظافر البعل أني إله الموت
أبقيت عليك لم أدخلك شدقي
لم أبتلعك كجدي
لم أنزلك إلى حفرتي…”
هذا زمن مضى. ما أنا الآن إلا موظف يؤدي مهمته.
من كان يظن أن شجرة المعرفة وثمرتها المحرمة التي اختارها الإنسان، وأخرجته مؤقتا من النعيم إلى الموت والفناء ستؤدي به إلي الخلود، و لو كان خلودا مؤقتا يجدد خلاياه، يبطئ عقارب زمنه، يزيد في عمره.
وحده الإنسان القادر على استخدام أسرار العلوم التي علمتها له الآلهة في منازعتها الخلد، وكشف السر والوصول إلى المنبع حيث تجلس الحية حامية للسر الأبدي في جلدها المتجدد كل عام، تنسلخ عنها أيامها لتعيد دورة حياتها، الدورة والدائرة الشكل الأكثر انسيابية وحركة وإحداثا للحيرة، الدائرة رباط القيد الكامل، تنقلب كلها وتنغلق على نفسها، ولا أول لها ولا آخر ولا مقدمة لها ولا مؤخرة، تتحرك في آن واحد في هذا الاتجاه وفي الاتجاه المضاد.
الدائرة وحدها تستطيع قلب الخطيئة إلى نعيم إلى ثواب النعيم لمن تمرد، لمن اختار وتحمل تبعة الاختيار.
ألم أقل لكم في البداية إن الإنسان يحيرني كثيرا، ويتضح لي في النهاية أن الرب يكافئ البشر على تجاربهم وخطاياهم، وأن حل لغز الحياة في عيشها ونسيان الموت؟!
علي حُسنة ألا تستعجل ابنتها وأن تطمئن لزيارتي، فموتي يقترب مني، وستنهي فنجانا آخر من الشاي، قبل أن يُسمح لي بلمس فنجان الشاي الذي تعده راوية، حفيدتها لم تظهر بعد لكن خطواتها على الطريق قريبة.. وموتي يقترب مني.. يقترب.. كيف يمكن لي أن أعتذر لها؟ وهي لا تدري سر اضطرابي، تحاول أن تبدي تفهمها لمهمتي التي تعتقد أني أتيت من أجلها.
- عارفه ده عملك، كل ميسر لما خلق له.
لكني لم أخلق لموتها، موت آخر أكثر شبابا سيتولى مسألتها، فأنا أنسحب، أنمحي.. ربما يمكن لموت آخر أن يستطيع التعامل معها، وهي يمكنها أن تستمر في تغيرها وتتآلف مع موت آخر، بل وتضمه إلى صفها حتى أنه حين يأتي موعده سيخجل من جلسته أمامها مترددا، حائرا، يروي لها عنها وعن الذين أحبت، يحكي ويحكي ومن بعيد يرى موته يقترب منه، يقترب.. يقترب.. يقت.. أنا أزول.. أزو.. لكن ذلك لن يمنعني “كجنتلموت” أن أمد يدي وأرقص Slow مع السيدة التي عرفتها عمرا طويلا.. بينما حفيدتها تنزل من سيارتها وعلى ذراعها مولودة جديدة، وبالذراع الأخرى تدفع بوابة السرايا الكبيرة.

::. صفاء النجار


تمت الرواية ....... نقلاً عن موقع دروب


No comments: