Monday, January 29, 2007

أولاد حارتنا ..محاولة للإنصاف !!!








أولاد حارتنا ..محاولة للإنصاف !!!

الحدث الذي شهدته القاهرة منذ أيام كان تتويجا لمشهد طالت فصوله ..فلأول مرة تقوم دار نشر مصرية (دار الشروق) بنشر أول طبعة مصرية لرواية أولاد حارتنا بعد ما يقرب من خمسين عاما على نشر الرواية في جريدة الأهرام مسلسلة عام 1959 . والأهم أن المقدمة كانت لمفكرين إسلاميين من حجم كمال أبو المجد ومحمد عمارة ..
مشكلة هذه الرواية أنها لم تعد رواية بل اكتسبت كيانا معنويا خاصا بها يخيف ويرهق كل من يحاول الاقتراب منها ..وانقسم الناس إلى معسكرين ، فريق يدافع عن حرية التعبير مهما كانت ماسة بالعقائد وفريق يمارس سلطة التفتيش على الضمائر ورمي أحكام الكفر دون احتراز..أبيض أو أسود وكأن باقي الألوان غير موجودة ،وكأنك يجب أن تنحاز إلى أحد المعسكرين .
والمؤسف أن أغلب من يدلون بدلوهم لم يقرءوا الرواية كاملة وإنما استفزهم تشابه أحداث الرواية مع تاريخ الرسل الكرام فلم يفطنوا لأهم ما فيها – والسبب الحقيقي لكتابتها - وهو التغيرات التي حدثت لشخصية عرفة بعد موت الجبلاوي ..لذلك سأحاول في السطور التالية تلخيص الرواية ثم التعقيب عليها بعد ذلك مع ملاحظة أن ما بين الأقواس هو تفسيري لشخصيات الرواية .
.............
الجبلاوي هو أصل الحارة وصاحب الشروط ( الوصايا ) العشر.. لسبب لا نعلمه يفضل أدهم (آدم ) على إدريس ( إبليس ) فيتمرد إدريس ويطرده الجبلاوي من كرامته ..ولكنه يستطيع إغواء أدهم بإثارة شوقه للمعرفة ( الثمرة المحرمة ) بتحريض من زوجته فيطردهما الجبلاوي باكيين نادمين ، وينجبا قدري ( قابيل ) الذي يقتل فيما بعد أخاه همام ( هابيل ) ..ويحتجب الجبلاوي في قصره تاركا الحارة دون تدخل منه ليتم اضطهاد بني حمدان ( بني إسرائيل ) على يد ناظر الوقف ( فرعون ) الذي تبنت زوجته جبل ( موسى ) الذي يرجع أصله إلى بني حمدان ..لكن جبل يتمرد على الناظر ويلحق بقومه ولكنه يقتل – بدون قصد - أحد أعوان الناظر بعد مشادة مع واحد من بني حمدان فيهاجر خارج الحي ليسقي الماء لفتاتين لا تستطيعان مزاحمة الرجال ويكافئه أبوهما بتزويجه من أحدهما ..ويعلمه التعامل مع الثعابين ، وفجأة يظهر له الجبلاوي في خلاء الجبل فيقول له : لا تخف أنا جدك الجبلاوي، ويحاول أن يراه فيقول له لن تستطيع رؤيتي ما دام الظلام ، ويأمره باسترجاع حق بني حمدان فيذهب جبل إلى الناظر ويستخلص حق قومه بعد أحداث طويلة..
ثم يأتي رفاعة ( عيسى ) جميلا وديعا متسامحا يرفض معاقبة ياسمينة الخاطئة ( المجدلية ) ويحاول أن ينشر دعوة الحب بين بني حمدان المتحجرين فيخلصهم من العفاريت ويهبهم الصحة والسعادة لوجه الله ، وحينما لم يستجب له أحد من بني حمدان ذهب لبقية أهل الحارة وأصطفى البعض ( الحواريين ) لينشروا دعوته ، ورفض مواجهة الاعتداء بالاعتداء فهو كما قال صديق المساكين . يقتل ويرفع الجبلاوي جثته ليدفنها في حديقة القصر .
قاسم ( محمد صلى الله عليه وسلم ) يولد يتيما فيكفله عمه زكريا ( أبو طالب ) الذي لم تتغير معاملته له بعد إنجاب حسن ( علي ).. يرعي الغنم ومن ضمنه عنزة قمر ( خديجة ) الأرملة الأربعينية التي تحبه وتعجب به بعد حل معضلة كادت تؤدي إلى نشوب القتال بين أحياء الحارة ( وضع الحجر الأسود عند بناء الكعبة ) فترسل له خادمتها لتشجيعه على الزواج بها ..يفرح له جدا صديقه الحميم صادق ( أبو بكر الصديق ) ..ويتعرف على يحيى ( ورقة بن نوفل ) الذي يحبه ويرعاه روحيا ..ويتميز بالصدق والأمانة وحسن الخلق ..ثم تتغير حياته كلية بعد ظهور قنديل ( جبريل ) خادم الجبلاوي الذي يخبره بأنه مكلف بالعدل مع كل أهل الحارة بلا استثناء ( عالمية الرسالة) .تهدئ قمر من روعه ويؤمن بدعوته صديق وحسن ..ويبدأ في بث دعوته سرا بشريعة القوة عند الضرورة ( عكس رفاعة ) والحب في كل الأحوال ..يتعرض لإيذاء وتكذيب وتموت قمر وسط حزنه البالغ فيقرر الخروج من الحي ( الهجرة ) وهناك يتكون مجتمع جديد ( المدينة ) ويتزوج بدرية ( عائشة ) الصغيرة أخت صادق ..ويبلي حسن بلاء حسنا في كل المعارك التي تنشب بين فتوات الحارة وبين المجتمع الجديد حتى يدخل قاسم الحارة منتصرا ليقيم العدل رغم مكائد آل جبل ( اليهود ) ..يتوسع قاسم في الزواج وينهر بدرية بعنف حينما تذم زوجته السابقة قمر . وحينما يتوفى قاسم يخلفه صديق رغم أن أقواما ( الشيعة ) رأوا أن حسن أحق منه لقرابته وقوته . ثم رحل صادق عن الدنيا وأسفرت الرغبات المكبوتة عن وجهها واستيقظت النبابيت وعمت الفتنة وأفلت الزمام وذهب السلام وعاد عهد الفتوات وانقلبت الأحياء إلى عصبيتها القديمة وعاد السؤال الحائر الذي ما فتئ يتكرر منذ عهد أدهم ( آدم ) : لماذا يترك الجبلاوي – الذي عاش كل هذه العصور !!- كل هذه المظالم دون أن يضع لها حدا وحلا ؟ .
تظهر شخصية عرفة الذي يشتغل بالسحر ( العلم ) وهو مجهول الأب ( في إشارة لعالمية العلم ) يؤمن بالمنزلة العالية التي يتمتع بها السحر ..يملك الأعاجيب والقوة ويقوم بأعمال حاسمة في الوقت الذي يصيح فيه كل مغلوب على أمره : يا جبلاوي الذي لم يره أحد . لذلك يقرر عرفه دخول البيت الكبير واكتشاف السر.. يحاول أخوه حنش - الذي يعاونه في السحر - إثناءه لكنه يصر ويتسلل إلى مخدع الجبلاوي حيث يقتل خادمه ويهرب . في الصباح يأتي الخبر بموت الجبلاوي تأثرا بمقتل خادمه الأمين . يتملك عرفه الندم على تلك الجريمة الشنعاء التي لم يقصدها ويدرك – وقتها - قيمة الجبلاوي الكبرى ويتمنى أن يبلغ من السحر الحد الذي يمكنه من إعادته للحياة ..كان وجوده مهما جدا – هكذا أكتشف - لأن كلمة منه كانت قادرة على دفع الطيبين من أحفاده إلى العمل حتى الموت ..يتمكن من اختراع زجاجة ( قنبلة ) مدمرة واستخدمها في مقاومة الظالمين ..لكن ناظر الوقف ( السلطة ) يكتشف علاقته بمصرع الجبلاوي ويهدده بفضح أمره ما لم يعمل في خدمته ..ويضطر للاستجابة له ويصنع له ما يشاء من الزجاجات الحارقة التي يستخدمها في إنهاء عصر الفتوات لتوفير نفقتهم واستعباد أهل الحارة تماما ..يتقطع قلب عرفه لإحساسه بأنه قد أساء استخدام السحر في خدمة الظلم ..وتخبره خادمة الجبلاوي بما يزلزله وهو أن الجبلاوي مات وهو راض عنه ..ولذلك يصمم على قطع علاقته بالناظر والهروب بالكراسة التي دون فيها رموز سحره لكن أعوان الناظر يقتلونه بعد أن ألقى الكراسة بعيدا ليعيد أخوه حنش التقاطها ليبدأ تكوين مجتمع جديد يؤمن بالسحر استعداد ليوم الخلاص المعهود من ظلم الناظر وأعوانه . انتهت الرواية .
......................
وفي نقاط محددة أود التأكيد على ما يلي :
- قاد الهجوم على هذه الرواية – وقت نشرها بالأهرام عام 1959- أهم عمامتين أزهريتين في القرن العشرين (الشيخ الغزالي والشيخ سيد سابق مؤلف فقه السنة )..ولعل ما أفزعهما هي تلك السابقة في تشابه بعض أحداث الراوية مع التاريخ المعروف للرسل الكرام.. وبرغم ما أدى إليه هذا الهجوم من ذيوع الرواية وشهرتها فإنه منع الآخرين من الكتابة على نفس المنوال في أعمال أدبية أخرى . وقد التزم نجيب محفوظ طيلة حياته بالوعد الذي أعطاه لحسن صبري الخولي الممثل الشخصي لعبد الناصر بعدم نشر هذه الرواية في مصر ..وحينما نشرتها جريدة الأهالي دون موافقته - بعد محاولة اغتياله الفاشلة - لم يتردد في إبلاغ السلطات . وظل موقفه واضحا وهو عدم نشر تلك الرواية إلا بعد موافقة الأزهر (رغم ما سبب موقفه هذا من غضب المثقفين منه الذين كانوا يشعرون بحساسية بالغة من فكرة رقابة سلطة دينية على عمل فكري ).
- الرواية من الناحية الفنية ليست من أفضل ما كتب محفوظ لمباشرتها الرمزية ، كما أن طرحه الفلسفي بوجود تناقض بين عرفة ( العلم ) والجبلاوي ( الدين ) بحيث يؤدي نجاح الأول إلى موت الثاني غير مقنع ، ووسيلته في التعبير عن هذا الطرح كانت ساذجة ومتهافتة ..فيما بعد تعلم أن يحتاط وأعاد نفس الطرح في رواياته التالية بصورة أكثر فنية وأقل مباشرة .
- فيما بعد تنصل محفوظ من المعاني الرديئة في الرواية بقوله " إن كتاباتي كلها – القديم منها والجديد – تتمسك بمحورين : الإسلام الذي هو منبع قيم الخير في أمتنا والعلم الذي هو أداة التقدم والنهضة في حاضرنا ومستقبلنا وحتى رواية أولاد حارتنا لم تخرج عن هذه الرؤية ، ولقد كان المغزى الكبير الذي توجت به أحداثها أن الناس حين تخلوا عن الدين ( ممثلا في الجبلاوي ) وتصوروا أنهم يستطيعون بالعلم وحده ( ممثلا في عرفه ) أن يديروا حياتهم على أرضهم – التي هي حارتنا – اكتشفوا أن العلم بغير الدين قد تحول إلى أداة شر . وأنه قد أسلمهم إلى استبداد الحاكم وسلبهم حريتهم فعادوا من جديد يبحثون عن الجبلاوي.. مشكلة أولاد حارتنا أنني كتبتها (رواية )وقرأها بعض الناس ( كتابا ) ..والرواية تركيب أدبي فيه الحقيقة وفيه الرمز وفيه الواقع وفيه الخيال ..ولا يجوز أن تحاكم ( الرواية ) إلى حقائق التاريخ ".
- نجيب محفوظ كاتب أسطوري تشرفت به جائزة نوبل أكثر مما تشرف هو بها فقد نالها قبله - وبعده - أدباء لا يرقون لمنزلته ، ونظرية عداوته للإسلام من أجل رضا الغرب عنه لا تصمد لأي تدقيق ..فالرجل كتب هذه الرواية في نهاية الخمسينات أيام المد الثوري المعادي للغرب ..كما أنه عاشق لمصر لم يغادرها حتى لاستلام جائزة نوبل . يجب ألا ننسى مواقفه الشجاعة في انتقاد ممارسات الثورة أثناء حياة عبد الناصر في السمان والخريف وميرامار بشكل يثير دهشتنا حينما نقرؤها الآن . إن من يتهم نجيب محفوظ بتعمد السخرية من الأنبياء أو ذي الجلال والإكرام عز وجل لهو رجل لا يعرف أي شيء عن شخصيته التي اتسمت بالوداعة والتواضع واحترام معتقدات الآخرين ..يجب التأكيد على ذلك فالمرء لا يمكن أن يكون مسلما وغير عادل في الوقت نفسه والقرآن الكريم يأمرنا بالعدل حتى مع من صدونا عن المسجد الحرام .
- لا يمكن فهم هذه الرواية إلا حين وضعها في سياقها الطبيعي من أعمال نجيب محفوظ ..ليس سرا أنه لم يكف عن الإيمان بالخالق عز وجل ولكنه تعرض لفتنة عقائدية مزلزلة أثناء دراسته للفلسفة بسبب الفارق بين العلم ( بحياده وإمكانية تكراره ) وبين الدين .. في رواية " قلب الليل " يقول بطل الرواية (جعفر الراوي ) : لقد اكتشفت عالم العقل ففتنت به .. مأساتي الخاصة نشأت من الصراع بين عقلي وإيماني الراسخ بالله ..تزعزعت ثقتي في الإيمان الخالص كما تزعزعت في لغة القلب ..أردت علاقة حميمة واقتناعا لا مفر منه مثل 1+1=2 ..نفس منطق (عامر وجدي) في رواية " ميرامار " : لقد تجلى الله لأنبيائه ونحن أحوج منهم إلى ذات التجلي " .
- معضلة الشر كانت لازمة متكررة في أغلب أعماله ..وكما تساءل سكان الحارة لماذا يسكت الجبلاوي عن تلك المظالم التي تحدث ولا يقيم العدل بنفسه ؟ ، فقد تساءل (عمر الحمزاوي) في رواية الشحاذ : إن كنت تريدني حقا فلم هجرتني ؟ ، وتساءل أيضا (صابر ) الذي يبحث عن أبيه الغائب" سيد الرحيمي " في رواية الطريق عن سر لا مبالاته به؟ ..والواضح أن الدين عند نجيب محفوظ كان مشكلة أبطاله الدائمة....لكن المؤكد أنه لم يسترح إطلاقا لنبذ الدين أو هدم العقيدة خصوصا أن عقليته المنظمة كانت تمنعه أن يترك ثغرة في حجم الدين وأهمية الاعتقاد .. هل كان هذا بتأثير من المبادئ الدينية التي غرستها أمه في طفولته أم لفطرته السليمة التي كانت تقوده إلى الخالق عز وجل ؟ قال جعفر الراوي وهو يتأمل مئذنة الحسين : أنا عاجز عن الكفر بالله . فطرته السليمة جعلت عودته الحميمة للدين مسألة وقت ..بالضبط نفس مشاعر الرحالة في رواية " رحلات بن فطومة " حينما عاد لديار الإسلام بعد غربة طويلة في بلاد الكفر وفرحته الطاغية بسماع نداء الصلاة " الآذان " واحتضانه للإمام في لهفة وتقبيل رأسه .
- لذلك أقول أن رواية أولاد حارتنا لم تقصد إهانة رموز الدين ولكنها كانت أشبه بصرخة تعبر عن معاناة مرحلة امتنع عن الكتابة فيها لعدة سنوات من فرط الشقاء..وهي معاناة تدفعنا للتعاطف معه لا كراهيته .. أعتقد أن نجيب محفوظ - وقت كتابتها - غلبه العذاب وتخلى عنه صبره وأراد أن يري الآخرين كم يتألم ..ولكننا نعرف كيف تطورت الأمور بعد عشرات السنين من لغة الحوار إلى لغة المطاوي . ولعل الله قد غفر له بما أصابه من اعتداء لم يتصور وقوعه من أبناء بلده ..لقد عاش حياته متصلا بالشعب المصري ورفض أي ترتيبات خاصة بعد جائزة نوبل تعوقه عن ذلك الاتصال ولذلك كانت محاولة اغتياله موتا معنويا أشد عليه من القتل وهزته في الصميم .

وهنا كتب مسعد خيري الإبـداع المحظور

2 comments:

zhliunan said...

This is very nice blog. do you konw Mozilla Firefox web browser?I really loved it,I hope you may want to download and try. thank you.

whyme said...

مكدبش عليك ان ملحقتش اقرا البوست كله
بس ليا عوده تانى بعد ما اقراه
بس انا حبيت احييك انك اهتميت بالروايه ديه لانها بجد تستحق الاهتمام

تحياتى
و اكيد هاجى تانى لانى من زمان عايز اعرف حكايه اولاد حارتنا