Tuesday, August 26, 2008

أثـر الفــراشــة ... لا يـزول !


أثر الفراشة» لمحمود درويش ... يوميات أخيرة

دمشق - إبراهيم حاج عبدي ــ الحياة - 26/08/08//

في نص بعنوان «بقيَّةُ حياة»؛ مدرج ضمن كتاب «أثر الفراشة» (دار رياض الريس)، وهو الأخير الذي صدر للشاعر الراحل محمود درويش، نقرأ: «إذا قيل لي ستموتُ هنا في المساء/ فماذا ستفعل في ما تبقَّى من الوقت؟/ ـ أَنظُرُ في ساعة اليدِ/ أشربُ كأس عصيرٍ/ وأَقْضُمُ تفاحةً/ وأُطيلُ التأمُّلَ في نَمْلَةٍ وَجَدَتْ رِزْقها...»، إلى أن يصل إلى المقطع الأخير: «أُمَشِّطُ شَعْري/ وأرمي القصيدةَ: هذي القصيدة/ في سلَّة المهملات/ وأَلبسُ أحدث قمصان إيطاليا/ وأُشيَّعُ نفسي بحاشيةٍ من كمنجات إسبانيا/ ثُمَّ/ أمشي/ إلى المقبرة»!

ولئن مشى درويش إلى المقبرة، كما كتب، غير أن القصيدة التي زعم أنه رماها في سلة المهملات وجدت مكاناً آخر استقرت فيه، إذ سكنت ذاكرة وقلوب الملايين التي ودعت شاعرها، في حين بقيت قصيدته، منذ «أوراق الزيتون» ديوانه الأول، وحتى «أثر الفراشة»؛ كتابه الأخير، نغمة سحرية خالدة ترمز الى شاعر استثنائي. درويش من الشعراء المعاصرين القلائل الذين استطاعوا الارتقاء بمنزلة الشاعر إلى مرتبة «النجومية». ففي الوقت الذي عزف الجمهور عن ارتياد الأمسيات الشعرية، كان درويش قادراً على جذب الآلاف لحضور أمسيته، حتى أن منظمي أمسياته، في دمشق على الأقل، كانوا يستنجدون بالصالات الرياضية الواسعة كي تستوعب الجمهور الذي يرغب الإصغاء إلى كلمات شاعره الفاتنة.

يدون درويش في هذه النصوص يومياته خلال السنتين الأخيرتين، وهي نصوص تنوس بين الشعر في إيقاعه واختزاله ورقّته ودعته... وبين النثر في رحابته ومرونته وسلاسته. وليس هذا المزج بين الشعر والنثر غريباً على قلم درويش الذي سعى، في جانب عريض من تجربته، إلى تطبيق مقولة جده أبي حيان التوحيدي: «أحسن الكلام ما قامت صورته بين نَظْمٍ كأنه نثر، ونثرٍ كأنه نظم».

بهذه اللغة الطيعة المتأرجحة بين الشعر والنثر والتي عرف درويش كيف يقطف ثمارها الشهية، يؤلف دفتر يومياته من دون إسراف أو ضجيج، وكأنه يخشى على اللغة من النضوب، وعلى الوصف من الابتذال. كل حدث عابر، مهما بدا بسيطاً، هو مشروع نص أو قصيدة، بيد أن الوصول إلى تلك القصيدة لا يكون سهل المنال، فـ «الطريق إلى المعنى، مهما تشعب وطال، هو رحلة الشاعر. كُلَّما ضللته الظلال اهتدى»! ويجهل درويش، على رغم ذلك، أي معنى، أو تعريف محدد للشعر، إذ يقول: «الشعر... ما هو؟ هو الكلام الذي نقول حين نسمعه أو نقرأه: هذا شعر! ولا نحتاج إلى برهان».

يظهر درويش في هذا الكتاب كشيخ وقور، خبر مسالك الأيام الوعرة والقاسية وذاق طعم الألم والحرمان والمنافي وصادف الفرح خلسة. يتأمل تفاصيل الحياة الصغيرة من حوله، يلامسها برفق ليترك وراءه أثراً خفيفاً، كـ «أثر الفراشة» على الزهر، ثم يستشف رحيقها على شكل نص غارق في العبق. يسرد ذكريات في هذه المدينة أو تلك، فيتحدث عن مدريد وقرطبة وباريس وبيروت وعن غابة سكوغوس في ضواحي استوكهولم حيث زار صديقه الشاعر والروائي الكردي السوري سليم بركات الذي لا يفارق تلك الغابة مذ صار جزءاً من المشهد، «محاطاً بطيور الشمال: العقعق والغراب والزرياب والسمان... صادقها ريشاً ومنقاراً وهجرة، ومنحها صفات كردية من مشتقات القلق، لا ليكسر العزلة، بل ليؤثث شروط الإقامة في البعيد». وفي الرباط يكتب درويش: «من تحية إلى تحية، يمشي الشاعر على الشارع، كأنه يمشي في قصيدة غير مرئية، يفتتحها شيخ مغربي ينحني على كسرة خبز... ينفض عنها التراب، ويقبِّلها ويَدَّخرها رزقاً للطيور في ثغرة جدار». وعن حيفا يقول: «حيفا! يحق للغرباء أن يحبُّوكِ، وأن ينافسوني على ما فيك، وأن ينسوا بلادهم في نواحيك، من فرط ما أنت حمامة تبني عشها على أنف غزال!».

ويتوقف الشاعر بالقرب من صبار نبت على أطلال قريته «البروة»: «الصَّبَّار الذي يسيَّج مداخل القرى كان حارساً مخلصاً للعلامات. حين كنا أولاداً، قبل دقائق، أرشدنا الصبّار إلى المسالك... هنالك، خلف الصبّار منازل موءودة وممالك، ممالك من ذكرى، وحياة تنتظر شاعراً لا يحب الوقوف على الأطلال، إلا إذا اقتضت القصيدة ذلك!».

ويتساءل: «كيف اكتُُشِفَت حبة القمح الأولى في سنبلة خضراء مجدولة كضفيرة. وكيف راقبها شخص ما إلى أن نضجت واصفَرَّت؟ وكيف خطر على باله أن يطحنها ويعجنها ويخبزها حتى وصل إلى هذه المعجزة؟»، وهو يهجو الخطيب، والخطابة التي طغت على يومياتنا، فيقول إن «الخطابة فن ابتذال المهارة. طبل يناجي طبلاً في ساحة كلما اتسعت، وجد الصوت متسعاً لامتلاء الصدى بضجيج الفراغ. الخطابة هي الكفاءة العالية في رفع الكذب إلى مرتبة الطرب. وفي الخطابة يكون (الصدق زلة لسان)»!

وفي حديثه عن الكتابة وشؤونها لا يقدم درويش رؤى واضحة، بل يلجأ إلى التأويل والبلاغة والكناية... إذ يقول «رياح الخريف تكنس الشارع، وتعلمني مهارة الحذف. الحذف كتابة»، وكذلك يقول: «الأوراق الذابلة، النازلة من شجر يتعرى، كلمات تبحث عن شاعر ماهر يعيدها إلى الأغصان»! ويقول كذلك: «الشيء الناقص في القصيدة، ولا أعرف ما هو، هو سرّها المُشِعّ. وهو، ذلك الناقص، ما أُسمِّيه (بيت القصيد)». وفي نص بعنوان «اغتيال» يصف الشاعر، في استعارات محببة، موقف النقاد من شعره، فيكتب» «يغتالني النقاد أحياناً:/ يريدون القصيدة ذاتها/ والاستعارة ذاتها.../ فإذا مشيت على طريق جانبي شارداً/ قالوا: لقد خان الطريق/ وإنْ عثرت على بلاغة عشبة/ قالوا: تخلى عن عناد السنديان/ وإن رأيت الورد أصفر في الربيع/ تساءلوا: أين الدم الوطني في أوراقه؟».

ولا ينسى الشاعر وسط هذا الاحتفاء بالعادي والعابر تلك الجراح العميقة من فلسطين حيث روتين القتل اليومي، إلى العراق حيث يتوقف في نص مهدى إلى الشاعر العراقي سعدي يوسف «... وليل العراق طويل. ولا يبزغ الفجر إلا لقتلى يصلُّون نصف صلاة/ ولا يكملون السلام على أحد... فالمغول/ يجيئون من باب قصر الخليفة في كتف النهر،/ والنهر يجري جنوباً جنوباً، ويحمل أمواتنا/ الساهرين إلى أقرباء النخيل». لطالما عرف درويش بنزعته الإنسانية التي سعت إلى رفع البسطاء والمهمشين والمضطهدين من هامش الحياة، ووضعهم في متن القصيدة: «لو كنت صياداً/ لأعطيت الغزالة فرصة أولى/ وثانية/ وثالثة/ وعاشرة،/ لتغفو.../ واكتفيت بحصتي منها:/ سلام النفس تحت نعاسها.../ لو كنت صياداً/ لآخيت الغزالة.../ «لا تخافي البندقية/ يا شقيقتي الشقية»/ واستمعنا، آمِنَيْن، إلى/ عواء الذئب في حقل بعيد! والى جانب هذه النزعة الأخلاقية النبيلة، كان درويش شخصاً خجولاً، وهو، هنا، يعترف بذلك، إذ يقول في نص «بحياء»: «بحياء أحيا، كما لو كنت ضيفاً على غجري يتأهب للرحيل».

126 نصاً تبوح بالهموم والانكسارات الصغيرة والكبيرة. تروي حكاية شاعر تغنى بشدو الكناري وبهشاشة زهر اللوز مثلما انتصر لقضية وطن وشعب. وبهذه النصوص المكتوبة بمداد اللوعة، والحنين حيناً وبحبر المرح والخفة أحياناً أسدل درويش الستار على تاريخ شعري حافل وغني بدأ منذ ستينات القرن الماضي وحتى لحظة الرحيل الحزين... ليعود في كل مرة بهدية ثمينة لقارئ حصيف تحتم عليه، منذ الآن، أن يعود إلى سيرة «عاشق من فلسطين» ليعزي نفسه بقصائد الغائب.

Friday, June 13, 2008

مـغـامير .. لو فاكرين !




فاكرين ؟؟؟
اللذيـــذ إن التحقيق ده كان قريب، بس فيه صور لناس مش مغامير، منهم مثلاً صديقي أسامة، اللي كان أول مـرة يحضر، مما أذكره إن الصحفية اللي عملت التحقيق ذكرت إننا محسوبين ف المعـارضة،
وأنا قلت لها إن الأديب الحقيقي مـعارض بطبعه
اضغطوا ع الصور لقراءة التفاصيــــل

Wednesday, March 19, 2008

مكتـــوبٌ ..على الحـــافة .. وليد خطاب

مكتوب على الحافة

حين مر النصل على العنق الملكية كان اللون الأحمر هو آخر ما أتوقع .....

(من أوراقه)

كانت الفوضى قبل أن يأتي ذو الدم الأزرق ليحكم باذن الرب ، نزع الأمر من يد كل صاحب نظر قاصر في أمر نفسه ، ليسود العدل والخير بيننا نحن ذوي الدماء الحمراء ، فما كان لأحد منا الا أن يقيم أمر نفسه ، أما غيره؟! فلا يقوم الماء بالماء ...

- ومن أين أتى بالعدل ؟ ..

كاد لساني يلقي بما يراد مني ولكن عيني خانتني بنظرة الى ملامح وجهه المختلفة عن بقية أسرته ، فأخذت نفسا عميقا محبا للحياة بقدر ابيضاض شعر لحيتي وأجبته .. العدل من عند الله يا ولدي ، قدره وأمركم باقامته فينا ..........

( آخر أوراق مربي ولي العهد )

اقتربت من عينيه اللتين خلبني بريقهما ذات يوم قبل أن ينطفىء .. أنت تريده وضيعا مثلك ، لم أحرمك من مرافقته حين جعلتك مربيا له ، ولكني أخبرتك أني أريده ملكا مقطوع الأسباب بالهمجية التي تسري في عروقه من دمائك ..........

(من أوراقها)

مفتونا بصفوف الجنود المترامية أقف إلى جوارها ، أنظر إلى أعلى فيعجز بصري عن الإحاطة بكل ملامح وجهها فأهبط بنظرتي تائها بين نقوش ردائها الملكي حتى تنتزعني دقات الطبول المدوية من عالمي .. صفوف من الجنود المنكسرة كانت جيش فأصبحت بقاياه .. تحت وطأة السلاسل الضخمة التي تكبلهم يسيرون بانحناء جباه نزع عنهم صفة المحاربين .. عندما يعم الصمت أعلم أنهم ينتظرون منها كلمة .. كثيرا ما تختزلها هي إلى إشارة ملكية متغطرسة يعملون بعدها السيف في أعناق بقايا محاربين ، لا أعدم في أحدهم نظرة نبيلة تشذ عن نظرات مجاوريه .. أتراجع خطوتين إلى الخلف فرقا من صمت أعلم أن صراخ دموي يمزق عيني يعقبه ، فتهبط بنظرتها قليلا إلي مدركة لرعبي .. تأمرني بإعطاء إشارة البدء للجنود .....

( من أوراقه)

يقترب بنزق سنوات عشرين لم تثقلها خطوب ، حتى تؤول خطواته إلى الثبات منتظرا مني أن أنهض من جلستي كما عودوه .. يكاد المعلم بداخلي يخنع خشية من بطش ، فيتمرد الأب على قدمي فتخضعا ..

- لا أحتاج إلى علمك .. احمله للعامة .. علهم يجدون به نفعا ..

- بل تحتاجه .. ذات يوم ستحكم .. ولكي تحكمهم .. لابد أن تأمر بصوابهم وتنهى عن خطأهم لهم الأرض ولك الحكم .

أستبشر بانصهار الجمود والصلف من فوق ملامح وجهه الحجرية المحببة وحلول الحيرة ممزوجة بالنفور محلهما :

- أستطيع أن آمر بطردك من هنا .. أو .. أو حتى بفصل لسانك المتغطرس هذا عن جسدك ..

- ولم لا تفعل ؟!

يأخذه الذهول للحظات قبل أن يتمتم : لا أدري .

- هذا ما ستدعوه بعد ذلك التوقير ..

أقولها قبل أن أنهض وأغادر ........

(من أوراق مربي ولي العهد)

- لماذا ؟! .. يخرجها من بين طيات حيرته الساكنة بعينيه السمراوين فتستنكرها أذني للحظات قبل أن أدرك .. أقبل أن أكون ملكة في جميع الأوقات .. إلا على الفراش ...

- سأرحل ..

- دون إذن؟ .. يحتوي وجهي بعينيه للحظات قبل أن يميل بها من جلستنا على الفراش إلى ردائي المعلق هناك ينطق بما لا ينطق به جسدي العاري فأتمتم : وأنا ؟......

( من أوراقها )

مكتوب على الحافة ..

أن الظلمة أصل ساكن في الكون ..

أن العدل طريد أبدي ..

أن الخوف سراب ممتد يتحدى بوجوده أي سكينة محتواة في قلب ..

أن الأمن جبان يهوي من أول بادرة للبطش ..

(من أوراق تم تجاهل مصدرها(

-الله طريد .. يخسر ما استعمر منا .. أرضا تلو يوم ..

- بل نحن وأرضنا وأيامنا طريدي رحمته ما لم نخضع ..

يقولها وقد رسم على وجهه تعبيرات تذكرني بالشفقة أصبحت أمتعض منها كلما بادرت من نفسي موضعا ...

- فلترحل .. ابحث عن أرض ما زال أهلها يتقبلون التنازل عما يخصهم لله ......

( آخر ما دون ( هو ) من أوراق)

أتأمل ملامح وجهه الرقيقة الغائمة ، عاجز عقلي عن تركيب الكلمات بعض الوقت لتصبح ذات معنى مكتمل : العدل من عن الله ؟! .. من علمك هذا ؟!.. نحن تركناهم يعتقدوا فيه ، ليجدوا من يتقاسموا معه آلامهم وأحزانهم وضعف حيلتهم أمام سيف قدرنا .. أما أنت .. فلا يلزمك الا أن توقن أن العدل ما أقررت .. وأن الرحمة ما تجاوزت .. وأن كل ما يجاوز مشيئتك أو يمنع لك استقرار أمورك هو ما نهى عنه إلههم .. أما أنت .. فاله نفسك .

....................................................................................................................................................................................................................

- أمي .. لم يكره أبي ملامحي ؟

أمسح بكفي على شعره الأسود المنسدل حتى أعلى كتفيه وأتمتم : لأنه لا يجد نفسه فيها .

....................................................................................................................................................................................................................

- أمي .. أين الله ؟

غارقة كلماته في الشوق واللهفة والفضول ، تلمع عينيه في انتظار أي إجابة لتساؤله فأمسك بكتفيه وأدفعه أمامي حتى أقف به أمام المرآة الضخمة .. أهبط حتى تصبح شفتي لصيقة

بأذنه وأتمتم : انظر .. تجده أمامك .

(آخر ما دونت (هي) من أوراق)

وليد خطاب



حد بيكره تغريدة البجعة

سألته الدكتورة هنا إبنة مضيفنا الطبيب الرائع والمثقف الكبير محمد أبو الغار، هل تغريدة البجعة سيرة ذاتية، فرد كعادته بالتواء ولؤم فقال ما معناه لا بالطبع وإن كان فيها قليل من أشياء وأحداث كنت جزء منها، ثم عرج إلى تفاصيل تبعده عن الحقيقة، فالتقفت دورى فى الكلام، وقلت لا، كذب والله وأراد التملص من الحق، من فرط كونها سيرة ذاتية صار كل من يعرفه يقرأ الرواية لا بغرض التمتع بعمل فذ، بل لكى يفتش عن نفسه فى العمل، هل تراه هذا الروائى قد خبانى هنا فى شخصية مصطفى، أم أننى عصام، أم ربما كنت مارشا فى نذالتها وخستها ونزقها، وألبسها رداء أنثويا، أو لعله زركش بذكرى مشتركة شخصية حلمى المثقول بشرفه المتصارع مع تاريخه العابث أو زينب بشهوانيتها وجراأتها وتوقها للخلاص، كل كان لسانه حاله يقول الروائى يدلس على باسماء مختلفة ويضللنى بتفريقى بين عدة شخصيات كى يعمى الأمر عنى، لعله مزقنى بين أحمد وخليل، كى يفرج علي خلقه، هكذا رأيت أثر الرواية على الوجوه من حولى وأدركت وأنا أرمقهم وهم يهنأونه ويكادون يقولون عملتها يابن الـ...، كم كان خائنا ولا يؤتمن على سقطة أو ممارسة لشر او نفاق خادع... رأيتهم تكاد عيونهم تفتك به وهو فى صمته يضحك ويهزأ من العالم، التغريدة ليست روايته، بل هى جريمته وأمامكم يمارى كى يتبرأ منها بيمين غموس، وكلام ملتبس تسمعونه أنتم البعيدون المارون بالصدفه أمام عالمنا

التغريدة، الرواية المومس، الغانية الخبيرة المتمرسة التى أراد الجميع فض بكارتها وكتبوا عنها كأنما هى البكر الحيية، تلك الرواية الملعونة، ليست كما كتبوا، ليست مثيرة ولطيفة وخيال جيد، إنها سيرة تصويرية ورصد قاسى لعالم الواقع، كاشفة معرية فضاحة صادقة، هذه الرواية هى رغم كل ما فيها من جماليات حاولوا رصدها والتغنى بها هى خيانة لعالمنا البعيد، لعالمنا المختار الذى هربنا إليه بعد أن ضاقت بنا دنيا لم تعد تناسبنا، عالم كان أجمل ما فيه أنه بعيد متخفى فى حوارى جانبية، وشوارع مهملة، وسط خليط بشرى عجيب ونسيج متكعبل لا يمكن فضه، يقع على هامش مجتمع مأزوم، يوازيه ويعكس صورة مكثفة له، بنفاق وخداع أخلاقى صار هو الأصل وتشظي هو كل ما بقى من الحلم، وفساد ينخر تحت بصر الجميع فيما بقى من جذوع النهضة والتقدم والإبداع والحرية والحقيقة، التغريدة نص يمثل دليل قطعى على خيانة متعمده للهامش الذى أجمل ما فيه أنه هامش بعيد عن مركز الضوء فاستحال اليوم محطا لكلام كل من هب ودب، وصارت الرواية بنصها وواقعها تحظى بالتساؤل والاهتمام وهو باب تنفتح من ورائه على عالمنا المخفى ابواب لن تنسد وربما تودى بهذا الفردوس وتفضح سريرته وما كتمه عبر السنين.

استخدم هذا الروائى اللئيم ذاكرته الحديدية بعيدة المدى التى ظلت لأعوام تضع التفاصيل فوق التفاصيل، تنسج حكايات هذا العالم وتسطر التاريخ الحقيقي لهؤلاء اللامعين، وتلك الوجوه المشرقة الباسمة اللامعة التى تحتل المقدمات ودائما ما تعكس وجوهها أضواء الفلاشات الملاحقة، فلها هاهنا امتداد ما وذكرى مهملة وجزء من حقيقة لا ترغب في تبيانها، قلم الروائى القاسى القاتل يرصد المشاهد والأحداث على مزاجه، ربما دون خلل، فقط يستفها بصورة جديدة بغرض التعمية على ما تحمله، يحبشها بملاحظاته العابثة، وبذكائه القصصى رسم افى التغريدة لحظة النهاية، ورمى فيها بالحكاية التى قرر أن تكون كاشفة وفاضحة ومعرية، لعالم عاشه وخبره وغاص فى تلافيفه بقلبه وهامشه

نعم... لقد فضح هذا الروائى الذى يستحق اللعنات لا الجوائز بتغريدة بجعته اللعينة ذلك الفردوس الذى اختبئنا فيه، فردوسنا الذى قد يبدو للناظرين مجرد رصيف قذر بوسط البلد ويثير لدى العابرين ظنهم بأنه ليس إلا مقهى رخيص يرتاده صعاليك وأفاقون وتجار سلع تافهة وبنات ليل، لا مبرر له فى خيانته، أسوأ أن يتذرع بأنه قد كشف عالمنا الهامشى كى يكشف رداءة العالم الكبير الذى فررنا منه

لئيم متنمر شبك حكايات لنماذج عايشها والتقاها عبر عقود قبع فيها هادئا مسجلا فى ذاكرته التى تشبه حائط معبد فرعونى سطرت عليه كل أحداث وأسماء ومواقف الخلق، المثقفون والفنانون والمنتمون لحركات سياسية والباحثون عن الشهرة والأفاقون وأنصاف الموهوبين، والمشتهون لاطفاء نيران حرمانهم الجنسى والأدبى والمادى، والمتفرجون العابثون، والتائهون، كل هؤلاء رمي بهم فى آتون روايته، بعد أن جردهم مما يسترهم، ودفعهم للسير فوق صراط روايته المستقيم. كان كل هدفه الخبيث هو الفضح، والانتقام من عالم خانه قبل أن يخن نفسه، عالم حكمه التافهون والقوادون والنصابون وتجار الأجساد والأعراض والذمم، أراد أن يتبرز كأطفال الشوارع الذى أورد حكايتهم فى تغريدة البجعه على ناصية العالم الذى لفظه ليقول للجميع، أنتم هكذا كما صورتكم، أدعياء، ساقطون، مرضى نفسيون، آفاقون، منافقون، تكرهون الحياة والجمال والحرية، وكانت الرسالة الختامية بإعطاء طفل الشارع المتشرد، الأكثر فهما لحقائق ما يجرى والأكثر معاناة من جراءها، والأكثر جرأة على تحديها، عديم الأخلاق والمحروم من كل هذه الأشياء التى يتمتع بها من ينامون ليلهم تسترهم حوائط ويلفهم سرير دافئ، إرث الشهيد، ورمز شرفه وجهاده، مسدسه لكي يفعل به ما يشاء، إما أن يقتل به من يكرههم بطلالتغريدة أو يقتل به بطل التغريدة نفسه أو يعبث به فتنطلق رصاصة منه ترديه قتيلا، أو يذهب فيقتل أولئك الذين يطاردونه فى غدوه ورواحه أو يطلق النار عشوائيا ليصيب كل من فى الطريق، أو يعقل ويدرك أن فى يده تاريخ وذاكرة وشرف ومجد وهو الذى لا يكاد يدرك ماذا تعنيه هذه الأشياء بالضبط وربما لم يسمع ببعضها، حين يدرك سيوفى لكل هذا الذى يحمله المسدس من معانى ويفعل ما يتوجب عليه أن يفعله لانقاذ العالم... دون تفاصيل الرواية ملخصها أن جتكم القرف ....!!ا


عن موقع التغريدة ع الفيس بوك
...

Wednesday, February 27, 2008

جــابــ{ عصفـور .. عن التغريــدة ..المميزة



هوامش للكتابة - تغريدة البجعة -1

جابر عصفور الحياة - 27/02/08//

يقال إن البجعة إذا شعرت بدنو أجلها، وانتهاء الوهج الذي يربطها بالحياة، تباعدت واعتزلت القطيع الذي تنتسب إليه، ورحلت بعيداً كي تكون وحيدة تماماً، وأطلقت صوتاً شجياً، يبعث الحزن والأسى، كما لو كانت ترثي نفسها قبل موتها الذي تستهله بهذا النواح الحزين الرجع وقد تحولت «تغريدة البجعة» إلى مجاز أو كناية تستخدم في المواقف الإنسانية المشابهة، ولعل أبرز من استخدم هذا المجاز وأكده في الكتابة العربية حديثاً، هو المفكر زكي نجيب محمود الذي كتب مقالاً مهماً عن «السيرة الذاتية» أطلق عليه عنوان «تغريدة البجعة» وكان يقصد من اختياره العنوان أن السيرة الذاتية هي العمل الإبداعي أو الكتابي الذي يلجأ إليه المبدع أو المفكر، عندما يشعر أن حياته أوشكت على النهاية، وأنه يقف على شاطئ نهر الموت، منتظراً أن يعبره إلى عالم آخر، وحيداً مع الواحد المطلق، وهي لحظة تتشابه دلالتها مع دلالة تغريدة البجعة، خصوصاً حين تشعر «أنا» الكاتب أن عليها استرجاع شريط حياتها بأكمله، على سبيل العزاء، أو التأمل في ما جرى، كما لو كانت «الذات» تنقسم على نفسها، فتغدو فاعل التأمل ومفعوله، في مدى الفعل المعرفي المتعاقب للتذكر أو الاسترجاع وتبدو الذات، على هذا النحو، أشبه بالناظر في المرآة التي هي إياها، قبل أن تنطوي الصفحة الأخيرة، أو المشهد الأخير من حياتها أو حضورها وقد فعل سعيد، بطل مسرحية صلاح عبدالصبور الشعرية، «ليلى والمجنون»، ما يشبه ذلك، حين أسلمته الأحداث المأسوية التي عاناها إلى الجنون الذي أفقده الصلة بالعالم الخارجي الذي ناوشته فيه سهام القمع والخيانة والوحشية من كل جانب، فكانت نهاية سعيد الدمار النفسي الذي دفع به، قبل أن تنطبق عليه تماماً زنزانة الجنون التام الذي يعني الموت المعنوي، إلى كتابة آخر قصيدة له، وكانت مرثية لجيله الذي مات قبل الموت، وانهزم من دون أن يكمل المعركة للنهاية.

وينطبق الأمر على «أيام» طه حسين، قبل صلاح عبدالصبور بجيلين على الأقل، حين قامت الأعاصير التي لم تهدأ، إلى اليوم، حول كتابه «في الشعر الجاهلي» (1926) وانهال عليه التكفير والتهديد من كل جانب، وانتهى به الأمر للمثول أمام النائب العام، فكان الموقف شبيهاً بنهاية حَدِّية لمرحلة هذا الشعور بالنهاية، حتى لو كان ما بعدها بداية مغايرة، هو ما دفع طه حسين إلى نوع مواز من تغريدة البجعة في كتابه «الأيام» الذي كان استرجاعاً للماضي الذي عاناه طه حسين إلى أن وصل إلى النقطة الحاسمة، مفترق الطرق الذي يفضي إما إلى سكة الندامة أو سكة السلامة أو سكة «اللي يروح ما يرجعش».

وسواء كانت «الأيام» تغريدة للبجعة كلياً أو جزئياً، فهي تنطوي على الدلالة المجازية التي ينطوي عليها المجاز نفسه تغريدة البجعة ويمكن أن نضم إلى هذه الدلالة ما يتجانس وإياها من روايات السيرة الذاتية، أو رواية الأجيال، أو الجيل الذي وصل إلى النهاية التي تشبه شاطئ نهر الحياة الذي ليس بعده سوى الموت، فتغدو الرواية شبه مرثية لهذا الجيل الذي ناوشته أعاصير دمار خارجي، ناتج من شروط موضوعية في واقع الضرورة، ومن جرثومة عطب داخلي، انطوى عليها هذا الجيل، تجاوبت عواملها مع العوامل الخارجية إلى أن أوصلت هذا الجيل إلى عمق إحساسه بالهاوية، ووصوله إلى قرارة القرار من المأساة التي توازيها تغريدة البجعة، رمزياً، أو إبداعياً، في نوع الرواية التي تنبني على عمق الإحساس المأسوي بالنهاية التي ليس بعدها بداية.

ولأسباب عدة، فإن هذا الإحساس المأسوي يتجسد في الرواية بالدرجة الأولى، ولا يخلو منه المسرح الذي تعد نماذجه الموازية لتغريدة البجعة أقل من الرواية، أولاً لأن الرواية أكثر قدرة على احتمال التفاصيل الكلية والجزئية التي يستكمل بها مشهد «التغريد» ملامحه وموازياته الرمزية، فضلاً عن تمثيلاته أو لوازمه الواقعية، وثانياً لأن الرواية تنبني بالضرورة على التصوير الحسي الملموس بعيني الخيال للأسباب الداخلية والخارجية التي أدت إلى عمق الإحساس المأسوي بنهاية عالم الأبطال الواقعين تحت مطارق القمع الخارجي، ونقطة الضعف في التكوين الذاتي وثالثاً ربما لأن الرواية وأؤكد ربما تزدهر في الفترات الرمادية من التاريخ، حيث تفضي مرحلة مهزومة إلى أخرى لاحقة، تنطوي على معنى من معاني التيه الذي لا يبين له مخرج، وذلـــك في اللحظة التي يسقط فيها الوعي الروائي ما بين نهاية وبداية، الأولى مدمرة، والثانية لا تحمل بشارة واضحة من ضوء ولا يخلو الأدب الروائي في تعاقب تيارات عصوره الحديثة من هذا النوع من الروايات اتي تتعدد تياراتها الإبداعية وتتنوع أبنيتها الجمالية ولكن بما لا يمنع وأؤكد ما لا يمنع وجود نماذج مماثلة في فن المسرحية التي لا تنبسط أفقياً أو رأسياً، في النهاية، إلى المدى الأكثر اتساعاً وتجاوباً، بين الخارج والداخل، كما يحدث في فن الرواية.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يكتب القاص المصري مكاوي سعيد، في هذا السياق، روايته التي وصل بها إلى درجة لافتة من التميز، أعني رواية «تغريدة البجعة» التي أصدرتها «الدار للنشر والتوزيع» في القاهرة في كانون الثاني (يناير) 2006 التي جاءت بعد رواية «فئران السفينة» المنشورة عن «دار ميريت» القاهرية عام 2004، وبعد ثلاث مجموعات قصصية «الركض وراء الضوء» الصادرة عن «دار النديم» 1981 و «حالة رومانسية» 1991 المنشورة على نفقة الكاتب وبعدها «راكب المقعد الخلفي» عام 2000، وكلها أعمال تؤكد تمرس مكاوي سعيد بكتابة الفن القصصي، كما تمرس في إعداد الأفلام التسجيلية، والروائية المأخوذة عن بعض أعمال نجيب محفوظ تحديداً. وقد تصادف أنه كتب روايته «تغريدة البجعة» في الوقت الذي كان يعد فيلماً تسجيلياً وثائقياً عن أبطال الشوارع، وهو إعداد جعل عدسته الروائية تبدأ من الواقع القاسي الذي ينتج هذه الظاهرة التي تغدو علامة على نهاية مأسوية لأحلام وطن وجيل، يصحو على نهاية مأسوية، كاشفة عن سقوط الأحلام التي خايلته، والأماني التي عاشها عن وطن حر وشعب سعيد. وقد كان هذا، في تقديري، هو الجانب الدافعي الذي انطلقت منه «تغريدة البجعة» تجسيداً لحال من الوعي بالسقوط في مأساة وطن وجيل.

ولعل هذا السبب هو الذي جعل الرواية، بعد اكتمالها ونشرها، تلمس العصب العاري من وعي مجموعات قرائية عدة، خصوصاً من المهتمين بالرواية، فتستقبل الرواية استقبالاً دالاً في حماسته، إلى الدرجة التي دفعت دار النشر التي أصدرتها إلى إصدار طبعة ثانية لها بعد أقل من عام واحد، وصدرت الطبعة الثانية في أيلول (سبتمبر) 2007 ولا يزال الإقبال الحماسي على قراءة الرواية مستمراً، فتقوم لجنة التحكيم لجائزة «بوكر» الــعربية مــهما كان الرأي في بعــض أعضائها، أو اختياراتهــم باخــتيار الرواية ضــمن القــائمة القــصيرة التي تســتحق رواياتها الفوز بالجائزة، فتجاور «تغريدة البجعة» رواية «واحة الغروب» لبهاء طاهر.

وأحسب أن سبب هذه الحماسة المتزايدة للرواية يرجع إلى أنها استفزت، ولا تزال وعي الرفض المتوتر لأجيال متقاربة، ترجع جذورها إلى شرائح الطبقة الوسطى التي أدت التحولات التاريخية إلى تهديدها وتآكلها، ومن ثم وصولها إلى الدرجة التي دفعت رمزي زكي إلى كتابة كتابه المهم «وداعاً للطبقة الوسطى»، وأتصور أن أكثر الأجيال انفعالاً بهذه الرواية، وحضوراً فيها، الجيل الذي ولد في أعقاب ثورة تموز (يوليو) 1952، وتخرج أبناؤه وبناته في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، وهو الجيل الذي ينتسب إليه مكاوي سعيد المولود عام 1956 الذي تخرج في كلية التجارة عام 1979، أعني الجيل الذي وصل إلى مرحلة النضج والممارسة السياسية خلال سنوات مراحل الدراسة الجامعية في السبعينات التي كانت قد توهجت فيها طليعة هذا الجيل الذي توزعه تياران، أولهما التيار الناصري، وثانيهما التيار الماركسي بفصائله المختلفة التي جمعت ما بين «الأخوة الأعداء» من التروتسكيين والتيار الثوري وحزب العمال والحزب الشيوعي، و8 كانون الثاني وغيرهم... وكان يجمع بين أطياف الناصرية واليسار رفض تراجع السادات، تدريجاً، عن الخط الناصري، والارتماء في أحضان الولايات المتحدة، في موازاة تفاقم حدة الأزمة الاقتصادية الملازمة للتزايد المتصاعد في الهوة بين الطبقات، وصعود طبقة جديدة، طفيلية، مخرِّبة لكل قيم الماضي الإيجابية، فضلاً عن تزايد صور الفساد الحكومي، والإفساد غير الحكومي المدعوم من النظام الجديد للحكم المتحالف معه على نحو أو آخر، وكان ذلك في الفترة التي أخذ فيها السادات يعمل على دعم المجموعات الإسلامية التي صاغها على عينه، لتكون عوناً له في القضاء على المجموعات الناصرية القومية واليسارية الاشتراكية والشيوعية، خصوصاً من أبناء هذا الجيل الذي بدأ نشاطه السياسي بمعارضة السادات، حالماً بتغيير سياساته إلى ما يحقق العدل الاجتماعي، والاستقلال السياسي، وإكمال مهمة إزالة آثار كارثة العام السابع والستين، أقصد هذا الجيل الذي سرعان ما انهالت عليه مطارق الأجهزة القمعية للدولة الساداتية، في موازاة حراب مجموعات الإسلام السياسي في صعودها وتزايد هيمنتها التي لم تتوقف، وهو الجيل الذي تدور حوله رواية مكاوي سعيد التي هي ملحمة جيل السبعينات في انزلاقه من الحلم إلى الكابوس، وسقوطه من أفق الثورة التي انطوى عليها إلى وهاد الضرورة التي انتهى إليها، ماضياً في طريقه المحتوم إلى الكارثة الفردية والجمعية للهزيمة التي دفعت بطليعة هذا الجيل إلى النهاية المأسوية التي انقلب فيها كل شيء رأساً على عقب، وذلك في السياق الذي شهد اغتيال أمثال فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، كما شهد الإحباط المتزايد الذي التف على مشاعر هذا الجيل ووعيه كالمدارات المغلقة، اليائسة، المقهورة التي تنتهي إلى الجنون والانتحار والموت المبكر كمداً، والأمثلة متاحة في انتحار أمثال أروى صالح وانقصاف أعمار أمثال أحمد عبدالله، ورضوان الكاشف، وإكرام خليل... إلخ، فضلاً عن التغيرات العنيفة التي قلبت بعض هذا الجيل من النقيض إلى النقيض، خالعين عنهم أثواب المقاومة والنضال، استسلاماً ويأساً وعجزاً، أو تبريراً للسقوط، حتى من قبل أن يغتال السادات حلفاؤه من جماعات الإسلام السياسي.

ولكن رواية «تغريدة البجعة» لا تتناول بداية أو نهاية جيل السبعينات الذي تنتسب إليه مع نهاية الحقبة الساداتية فحسب، وإنما تمضي إلى ما بعدها، وتصل إلى السنوات الأخيرة التي تصل ما بين نهايات القرن الماضي وبدايات سنوات القرن الحالي، فنقرأ في فصولها الافتتاحية عن تبلور «حركة كفاية» مع عام 2005 التي آزرت القضاة في مواقفهم المحتجة على النظام القائم، وحركة «شايفنكو» الموازية التي أخذ صوتها يعلو مع عام 2006، وتصل قبل ذلك إلى شهر أيلول عام 2005 الذي احترق فيه عدد من أبناء هذا الجيل المهتمين بالمسرح، نقاداً ومبدعين ومتذوقين، في كارثة مسرح قصر ثقافة بني سويف الشهيرة التي كانت، ولا تزال، تجسيداً موجعاً للكوابيس التي يعانيها هذا الجيل، ونعانيه معه نحن الذين ننتسب إلى الجيلين السابق واللاحق.

وظني أن التقاط عدسة «تغريدة البجعة» مشهد احتراق بعض طليعة هذا الجيل، في مسرح قصر ثقافة بني سويف، المشؤوم، كان تركيزاً على الدلالة التي اقترنت بالنهاية المأسوية لأشباه الأبطال الذين تصور هذه الرواية مسيرتهم المحبطة المحاصرة بالقمع بكل ألوانه منذ البداية، أعني النهاية المأسوية لأبطال «تغريدة البجعة» الذين تصورهم الرواية كما لو كان مقدوراً عليهم السقوط منذ البداية ولا أدل على ذلك من نهايات الأبطال والأجيال سواء في علاقات حبهم المحكوم عليها بالدمار سلفاً، أو في علاقتهم بالواقع الذي يغتالهم بتحوله الكلي عنهم مثل يوسف حلمي أو مطاردتهم بقمعه الوحشي، الذي ينقلب بهم من النقيض إلى النقيض، فيتحول أحمد الحلو، المناضل الشيوعي تحولاً جذرياً، مع حبيبته شاهيناز المتطرفة في أصوليتها الماركسية التي تنتهي وحبيبها الزعيم إلى اتجاه إسلامي متطرف، كما لو كانت الأصولية الشيوعية لا تنقلب إلا إلى أصولية موازية في القوة، ومناقضة في الاتجاه وينتهي مصير البطل مصطفى وأقرانه إلى الجنون أو الدمار أو الهجرة التي تبدو كالخلاص من اليأس، إلى آخر ما نراه من الفضاء الروائي الذي لا نرى فيه سوى ما يؤدي إلى السقوط في قاع اليأس الذي يلازم حال «تغريدة البجعة»، ويؤدي إلى تأكد مغزى هذا الحال ضياع قيم التحرر الوطني، واستكمال سيطرته على أرضه، واستقلال حريته، فلم تعد مصر للمصريين، بل لغير أبنائها ولا أدل على ذلك من شعور البطل مصطفى أن الوطن الذي كان ينادي بتحريره من الاستعمار الإسرائيلي، قد تحول إلى وطن للغزاة الأجانب من كل حدب وصوب، في زمن الاستعمار الجديد والعولمة، وذلك إلى الدرجة التي تدفع البطل، مصطفى، إلى القول:

«في الأيام الأخيرة بالذات بدأت أشعر بهم يحيطون بي في كل مكان وبدأت أحلم بهم أسير في شوارع وسط البلد التي أحفظها جيداً وفي منطقة الهرم التي ولدت بها وفي حي الحسين الذي أعشقه، فلا أجد أحداً أمامي غير الأجانب، أذني تلتقط لغات مختلفة ليست اللغة العربية من بينها دائماً، يقابلونني وجهاً لوجه بجواري لا أحد، وخلفي لا أحد وهم صفوف كثيفة على مرمى البصر».

هذه الصــورة الدالة للحضور الطاغي المهيمن للأجانب الذين انتزعوا وســـط البلد، أو قلبها من المصـــريين، هي نموذج تمثيلي لإحساس البطل بالمكان الذي ينتمي إليه، وهي صـــورة تـــوازي إحساسه بالزمان الذي يعيشه على هذا المكان، حيث يشعر أن كل ساعة ممكنة من الساعات الجـــميلة هي ســـاعة منتزعة مسروقة من الزمن الغادر الذي يعيشه، ساعة لا يمكن إلا أن تذكــره بأن ما يأتي بعدها هو الساعات التي تقترب به من يوم الـــدينونة الذي ينتهي فيه كل ما حلم به، بل الحياة نفسها، فلا يبقى له سوى تغريدة البجعة.

Wednesday, September 26, 2007

بمناسبة .. اقتراب صدور الديوان


- قبل الحكي -
إن كان محدش عَ الحقيقة عثر
لا اللي نظم قصيده
و ﻻ اللي نثر
حرام تعيش و تموت
بدون فعل مدهش
لا بُد تترك قبل موتك أثر
..
فؤاد قاعود
..


..
..
- سيرة الأراجوز -
....
..
حبِّني الشارع
و حبيتُه
عضّ قلبي.. الليل
و عضّيتُه
خضِّني الإنسان
و خضِّيتُه
لمّا بان
من وشُّه.. عفاريتُه
***
كنت اشوف النور
و اشوف ضلِّي
كان يونِّسني الشَّبه
و اللي
عدّا فيّا مسابش نقطة دم
عدّا فيّا القمح
سمّرني
عدّا فيّا الفجر
صبّرني
عدّا فيّا الحزن
غيّرني
عدّا فيّا العُمر
كبّرني
خدني مِ اللفة
لمريلتي
خدني مِ التسنين
لحصالتي
خدني من مدرستي
عَ الجامعة
خدني مِ الترعة
على الأسفلت
خدني من بيتنا
لِحد القطر
سابني فوق عشرين سنة .. و خمسة
سابني للتوهة
ف محطة مصر
***
خدت مِ الأتوبيس
مراياتُه
خدت مِ السوّاق
حكاياتُه
خدت مِ الركاب
تذاكر موت
لفّ بيّا الموت
محطاتُه
***
شُفت عَ الكورنيش
ملامح غول
شفت مرسيدس
مع الحافي
شفت همبورجر
في طبق الفول
شفت ناس تشبه
لبعضيها
كنت لا اعرف دول
و لا اعرف دول
***
شفت في الإشارات
بواقي الدم
شفت عَ الأسفلت
ساكسونيا
شفت في الشُعرا
القلق.. و الخوف
شفت ياااااما شفت
خُفت لاشوف
قلت اعيش أعمى
ف عز الشوف
***
سنّ قلبي الشكّ
شكِّكني
ضَمني ع الوِحدة
فكِّكني
قفِّل الشبابيك
و شبِّكني
فوق سرير أخشن
من الأسمنت
نمت.. لمّا نمت
ماحلمتِش
خُفت يوم احلم
و يوم ما حلِمت
كنت بصحى لصوت
بيندهني
قال : يا متهمِّش
و إيه همِّشَك ؟
قلت : رمش البنت
لو يرمشك
قلت : جلد الفقر
لو كرمِشَك
قلت : ناب الوِحدة
لو خربِشَك
كنت قلت يا حلم
في المشمش
طال سواد الليل
صفار مشمشك
***
وقفتني البنت
في المسافات
فكرتني بكام
مِسا فات
و احنا كل غياب
عن الحاضرين
و احنا كل حضور
عن الغايبين
:
شوفني يوم
اتنين
و حوِّشني
خايفة بُكرة يحوشني
توحشني
و انتا لسّه معايا
واحشني
ليه كلام بُكرة
موغوشني
***
ياللي واحشاني
متوحشِينيش
ضِحكِك السُكّر
ماحلاّنيش
خُفت مِ المطرة
قفلت الشيش
ليه فِضِل إسمك
على الشباك
خُفت اسيبُه هناك
جريت في الطّل
كنت تحت المطرة
متر قماش
كانت المطرة
إبَر فيّا
فصّلِتني الميّه
شمسيّة
و حطّني الشارع
في إيد إسمك
***
كنت جايب
دِبلة و غويشة
كنت شارب
خمرة مغشوشة
شفت شبَهِك
قاعدة فِ الكوشة
قُلت هيّ
الأ.. دي مش هيّا
فتِّشتني الدمعة
عن ميّه
كنت أنشف
من حطب محروق
كنت أضْيَق
من شروخ و عروق
***
حُزن يا محوِّل
خطوط سيري
حزن يا معدِّل
ف دستوري
حزن يا عطّار
ف باب اللوق
شوف لي تحويجة
لتفسيري
حُط ريحة بُن
لضميري
شوف لي عود أصلب
من المغشوش
شوف لي حد يكون
بيشبه لي
لو شبه شبهي
مايشبهليش
لأ .. دا انا شبهي
رغيف العيش
و لاّ يشبهلي
حمام بيتنا ؟
و لاّ.. شجرة سُنط
مالية الحوش ؟
و لاّ يشبه لي
عيال في الجيش ؟
حتى شكل الضحك
بقا ميري
لأ ميشبهليش
غير اللي غاب
حد لُه إسمي
و لُه شكلي
كنت بضحك لُه
و يضحك لي
***
جِبت لي صاحب
و حبيتُه
زقِّني في المترو
زقِيتُه
لمّا مات فيّا
و مُتّ انا فيه
رُحت له بيتُه
و عزِّيتُه
ردِّني عَ الباب
عطب روحي
جاب لي ناي
و زتونة مطروحي
مُرّ .. أنا يا صاحبي
لو دقتني
كنت أقول الآآآه
مَ صدقتني
يطرح ايه الملح
غير مالح
يطلع ايه مِ الجرح
غير مجروح
كنت بندهلك
حلاوة روح
ليه متصفاشي
لغير صافي
ليه متقبلنيش
بغير ماضي
ليه في عزّ الحوجة
بتجافي
شُفتني غاطس
و لا طافي
هيّا بطن الحوت
حيطان نفسي
من سِمع صوتي
وصل حِسّي
***
حُزن يا بقال
ورا الجامع
هات بنص ريال
عسل في الكوز
خُد سنين الجري
و سنيني
هات لي سن غزال
دهب عيني
قطّع الأسفلت
شراييني
هات بياض القطن
شاش اللوز
دا اللي كان عيّل
بقا شاعر
و اللي كان ضاحك
.
.
.
بقا.............. أراجوز
....
خالد
التسميات:

Tuesday, August 28, 2007

التحديق في الموت

التحديق في الموت - 3
جابر عصفور الحياة - 29/08/07//
لا غرابة في أن يقترن حلم الانبعاث بنقيضه، في دورة الفصول، أو ثنائية الحياة التي تنتصر على الموت، في سياق جدارية محمود درويش التي يؤدي فيها التحديق في الموت، على المستوى الرمزي، إلى الحضور المتكرر لأسطورة البعث، ويحدث ذلك حين يبرز جلجامش، أولاً، قريناً لانتصار الحياة على الموت، حيث التوازي الدال بين عبوره ماء الموت سالماً، والإبداع الذي ينتصر على الموت، في مدى المشابهة التي لا تدنس بطرفيها إلى حال من الاتحاد، لكن التي لا تمنع تجاوب الدلالة بين ولادة القصيدة وانبعاث آلهة الولادة الجديدة، خصوصاً حين ينحل لغز الموت بواسطة إبداع الأنا التي تغدو شبيهة أوديب الذي قهر الوحش بحل اللغز، وشبيهة إنكيدو الذي صار أكثر حزناً لأنه صار أكثر معرفة، وكان ذلك بعد أن أدرك أن «قمة الإنسان الهاوية»، وأن الهاوية بداية الصعود.
هكذا، يتحول سقوط الوحش في إنكيدو، بفعل غواية شمخت، إلى قيامة للإنسان، فيزداد حزن الأنا الشاعرة التي تتقمص جلجامش، وتنطق باسمه، لأنها لم تفهم إنكيدو الكامن وراء الوحش، فتتوجّه بالخطاب إليه:
ظلمتُك حينما قاومت فيكَ الوحشَ
بامرأةٍ سقتكَ حليبَها، فأنِسْتَ
واستسلمتَ للبشريّ. إنكيدو، ترفّق
بي، وعُدْ من حيث مُتَّ، لعلّنا
نجد الجوابَ، فمن أنا وحدي؟
وعندئذ تنطبق صورة إنكيدو على جلجامش الذي اتحد مع صديقه الذي فقده، فصار إياه، مؤكداً ذلك بقوله:
كلما ازداد علمي
تعاظم هَمِّي.
هكذا، نصل إلى إلهة الخصب «عناة» (Anate) الإلهة الأثيرة في جدارية محمود درويش الشاعر، والأقرب إلى قلبه. فهي الحضور المتكرر، في الأساطير الأوغاريتية، لكل من الإلهة «إنانا» السومرية، و «عشتار» البابلية، و «إيزيس» الفرعونية، و «أفروديت» اليونانية، فهي المخلّصة من الموت، في الشعيرة الطقسية التي يتحد فيها صاحب الجدارية بالإله «بعل»، خصوصاً حين تقوم حبيبته «عناة» برده من الموت إلى الحياة التي يعيد إليها، بدوره، الخصب والنماء، فينهمر المطر، وتتجدد الطبيعة التي تصبح خضراء بلون القصيدة. وهو الطقس الذي يجعل من «عناة» الرمز المقترن بقوة الحب (الذي ينطوي عليه الإبداع بالضرورة) التي تُحرِّر عابر نهر الموت من قبضة الموت الممتدة، وتعيده إلى شاطئ الحياة، والحضور الخلاّق المفعم بعافية الصحة والإبداع، ولذلك يتوجه الصوت الماثل في الجدارية إلى ربّته الأثيرة «عناة» بالابتهالة التالية:
فغنِّي يا إلهتي الأثيرة، يا عناةُ
قصيدتي الأولى عن التكوين ثانية
فقد يجد الرواة شهادة الميلاد
للصفصاف في حجر خريفي، وقد يجدُ
الرعاةُ البئر في أعماق أغنية، وقد
تأتي الحياةُ فجاءةً للعازفين عن
المعاني من جناح فراشة علقت
بقافية، فغنِّي يا إلهتي الأثيرة
يا عناة، أنا الطير والسهام.
ويمكن أن نُعقِّب على هذه الأسطر بأن «عناة» تتحد مع قوة الإبداع ومعجزته، فكما نجحت «عناة» في تحرير «بعل» من إله الموت، وأعادته إلى الحياة، يغدو حضورها الموازي الشعائري للقصيدة الخضراء التي تعيد بسر إبداعها (المجسِّد لإبداع الفنون جميعها) الشاعر من منتصف نهر الموت، حاملاً شهادة الميلاد الجديدة للأشياء والكائنات، وأهم من ذلك قصيدته الأولى في التكوين ثانية التي يطلق عليها اسم «جدارية محمود درويش» التي يؤبّد بها وفيها المعركة الأزلية بين الإبداع والموت، في جدلية الحضور والغياب، أقصد إلى الجدلية التي لا تكتفي فيها الجدارية بأمثال العنقاء وجلجامش وإنكيدو، بل تضيف إليهم - في مدى تجاوب علاقات حضور الدوال وغيابها - أوزيريس الذي يرتبط اكتمال عودته، بواسطة إيزيس، بعودة الخصب والنماء، مع فيضان النيل، في المدى الذي يتجاوب فيه أوزيريس مع الأنا الشاعرة:
قال طيف هامشيّ: «كان أوزيريس
مثلك، كان مثلي. وابن مريم
كان مثلك، كان مثلي. بيد أن
الجرح في الوقت المناسب يوجع
العدم المريض، ويرفع الموت المؤقتَ
فكرةً...».
والجمع بين أوزيريس والمسيح، في هذا السياق، يؤدي إلى تجاوب الدلالة المكررة لعودة الخصب بعد الجدب مع أوزيريس، أو إمكان إعادة الموتى، كما فعل المسيح مع إليعازر الذي أعاده إلى الحياة، ليس بالدلالة السلبية التي انطوت عليها قصيدة خليل حاوي «لعازر 1962» وإنما بالدلالة الإيجابية التي تتجاوب فيها قيامة إليعازر وبعث أوزيريس، بعد أن جمعت إيزيس أشلاءه وردَّته إلى الحياة؛ وذلك في سياق نوعي، يغدو فيه الإله الأسطوري كالنبي في الإشارة إلى التجليات المتعددة لسحر العودة إلى الحياة، حيث ترتوي الأرض بالمطر، وتزهر شقائق النعمان وغيرها من أنواع الزهر، ويفيض النيل، لكن أوزيريس والمسيح، فضلاً عن جلجامش وإنكيدو وعشتار وإيزيس، لا يتكررون مثلما تتكرر الربة الأثيرة، عناة، خصوصاً حين نقرأ:
كلما يمَّمت وجهي شطر آلهتي
هنالك، في بلاد الأرجوان أضاءني
قمر تُطوِّقهُ، عناةُ، عناةُ سِّيدَةُ
الكناية في الحكاية، لم تكن تبكي على
أحد، ولكن من مفاتنها بكت:
«هل كل هذا السحر لي وحدي
أما من شاعر عندي
يقاسمني فراغ التخْتِ في مجدي
ويقطف من سياج أنوثتي
ما فاض من وردي؟!».
وكلام عناة أغنية مغوية، شبيهة، في جانب منها، بغناء حوريات البحر أو السيرينيّات (Sirans) اللائي كان سحر صوتهن يقود البحارة إلى موت محتوم. فأعانت سيرسيه أوديسيوس على النجاة منهن بسد أذنيه بالشمع الذي حال بينه وسماع صوتهن الساحر الذي يفضي بسامعه إلى حتفه، وهي أشبه - في جانبها الموازي - بصوت كالبيسو التي أغوت أوديسيوس بالعيش معها على جزيرة تحطمت عندها سفينته، فبقي عندها لسبع سنوات، ولذلك يجمع صوت عناة، في تجاوب دواله، ما بين سحر صوت السيرينيات والجمال الآسر الذي احتجز أوديسيوس وبحارته لسبع سنوات، قبل أن يرحل عائداً إلى إيثاكا، حيث بنيلوبي التي ظلت تنتظره، كأنه الأمل الذي تحقق للمرأة التي تصفها الجدارية بأنها:
... مَنْ غزلت قميص الصوف
وانتظرت أمام الباب.
والسطران يتجاوبان مع بقية الأغنية المغوية لعناة التي تمضي في أغنيتها التي لا يحول بين الشاعر وسماعها حاجز شمعي، إذ تتكسر الحواجز، وترهف الأذن السمع إلى بقية سحر الأغنية:
«أما من شاعر يغوي
حليب الليل في نهدي؟
أنا الأولى
أنا الأُخرى
وحدِّي زاد عن حدِّي
وبعدي تركض الغزلان في الكلمات
لا قبلي... ولا بعدي».
ولا تشير الأسطر الأخيرة إلى الطاقة الإبداعية التي يولِّدها حضور عناة فحسب، بل تشير إلى الليل الذي لا تفارق رمزيته ولادة الإبداع، شأنه شأن حليب النهد الذي يرتبط بالخصوبة التي يتدفق معها الإبداع في الكلمات التي تركض في الغزلان، أو العكس.
وأتصور أن الإشارة إلى أوديسيوس، على نحو غير مباشر في هذا السياق، هي التي قادت إلى ذكر «هوميروس» الشاعر الذي يتعلم منه الصوت الناطق، في الجدارية، التوجه بالابتهال إلى ربة الشعر، كي تعلِّمه الشعر، وتسمح له بالتجوال في أنحاء الملحمة القديمة في حيلة من حيل المجاز المرسل، كي يستعيد ملامح عكا «أقدم المدن القديمة»، التي تقف أبيّة وبهيّة في وجه الزمن:
حجرية يتحرك الأحياء والأموات
في صلصالها كخلية النحل السجين.
في المدى الذي يزوّج ظبياً شارداً لغزالة (حيث نسترجع دلالة الغزلان الراكضة في الكلمات) ويفتح أبواب الكنيسة للحمام (كي نستعيد جناحي الحمامة البيضاء اللذين ارتحلا بالوعي المخدّر إلى الغياب في مطلع الجدارية) حيث ينفجر في الأنا نبع الشعر الذي يعود بها إلى درب المسيح ثانية، لكن المسيح ابن الإنسان، هذه المرة، وليس ابن الإله:
ومثلما سار المسيح على البحيرة
سرتُ في رؤياي. لكنني نزلت عن
الصليب لأنني أخشى العُلُوَّ ولا
أبشّر بالقيامة. لم أغيّر غير إيقاعي
لأسمع صوت قلبي واضحاً.
ويقترن نفي النبوة، في هذا السياق، أولاً، بتأكيد الانقطاع عن المراحل السابقة التي كان صوت الشاعر يتحد فيها بصوت النبي، في الدرب الذي راده بدر شاكر السياب في قصيدة «المسيح بعد الصلب». وهي القصيدة التي تبدو الجدارية في جانب منها، كما لو كانت تعارضها، ويحدث ذلك عندما تولّي القصيدة الجديدة وجهها عن المسيح الذي يتحد فيه اللاهوت بالناسوت، مؤكدة حضور الإنسان الذي يمتلك حريته، معلناً بأوضح بيان:
لست أنا النبي لأدّعي وحياً
وأعلن أن هاويتي صعودي.
ولا يتعارض وصف الشاعر بالغريب، في هذا السياق، مع الرؤيا التي تتداخل فيها العوامل والعناصر والأزمنة، ويتبادل الماضي والحاضر والمستقبل الوضع والمكانة في مدى رؤيا الشاعر في لحظة الغياب:
... حيث تنحلّ العناصر والمشاعر. لا
أرى جسدي هناك، ولا أحس
بعنفوان الموت، أو بحياتي الأولى
ولا غرابة، عبر هذا المدى، أن يرى الشاعر قرينه الشاعر الفرنسي «رينيه شار» جالساً مع فيلسوف الظواهر هايدغر على بعد مترين منه، يشربان النبيذ ولا يبحثان عن الشعر، تأكيدا للمفارقة، أو يرى المعرِّي يطرد نقَّاده من قصيدته، صارخاً:
لست أعمى
لأبصر ما تبصرون
فإن البصيرة نورٌ يؤدي إلى
عدم أو جنون.
ولا غرابة، أخيراً، في ألاّ تفارق غربة الأنا المبدعة، في الجدارية، صفات الإنسان الممزق بين الأضداد، قرين الضعف حيناً، والحيرة حيناً ثانياً، والتخبط في الأسئلة التي تظل بلا أجوبة أخيراً، لكنه، على رغم ذلك كله، مُصّر على حريته، ماضٍ في عزيمته التي تصنع بإرادته الحرة قصيدته التي تتجسد بها هذه الإرادة، مقاومة لا تكف عن مصارعة العدم وترويض الزمن، حتى في مدى توحدها الذي هو تجسيد لرغبتها في الصعود إلى التل، حيث نسمة الحياة العفية، المتأبّية على الموت، كي تمضي الأنا إلى ما وراء التل، حيث ينبوع الإبداع الذي تتوجه إليه القصيدة بحصانها الشموس:
فاصمد يا حصاني. لم نعد في الريح مختلفين
أنت فتوتي. وأنا خيالك فانتصب
ألفاً، وصكَّ البرق. حُكَّ بحافر
الشهوات أوعية الصدى. واصعد
تَجدَّدْ. وانتصب ألفاً، ولا تسقط عن
السفح الأخير كراية مهجورة في
الأبجدية. لم نعد في الريح مختلفين
أنت تعلّتي وأنا مجازك خارج الركب
المروَّض كالمصائر. فاندفع واحفر زماني
في مكاني يا حصاني. فالمكان هو
الطريق، ولا طريق على الطريق سواك.