Wednesday, February 27, 2008

جــابــ{ عصفـور .. عن التغريــدة ..المميزة



هوامش للكتابة - تغريدة البجعة -1

جابر عصفور الحياة - 27/02/08//

يقال إن البجعة إذا شعرت بدنو أجلها، وانتهاء الوهج الذي يربطها بالحياة، تباعدت واعتزلت القطيع الذي تنتسب إليه، ورحلت بعيداً كي تكون وحيدة تماماً، وأطلقت صوتاً شجياً، يبعث الحزن والأسى، كما لو كانت ترثي نفسها قبل موتها الذي تستهله بهذا النواح الحزين الرجع وقد تحولت «تغريدة البجعة» إلى مجاز أو كناية تستخدم في المواقف الإنسانية المشابهة، ولعل أبرز من استخدم هذا المجاز وأكده في الكتابة العربية حديثاً، هو المفكر زكي نجيب محمود الذي كتب مقالاً مهماً عن «السيرة الذاتية» أطلق عليه عنوان «تغريدة البجعة» وكان يقصد من اختياره العنوان أن السيرة الذاتية هي العمل الإبداعي أو الكتابي الذي يلجأ إليه المبدع أو المفكر، عندما يشعر أن حياته أوشكت على النهاية، وأنه يقف على شاطئ نهر الموت، منتظراً أن يعبره إلى عالم آخر، وحيداً مع الواحد المطلق، وهي لحظة تتشابه دلالتها مع دلالة تغريدة البجعة، خصوصاً حين تشعر «أنا» الكاتب أن عليها استرجاع شريط حياتها بأكمله، على سبيل العزاء، أو التأمل في ما جرى، كما لو كانت «الذات» تنقسم على نفسها، فتغدو فاعل التأمل ومفعوله، في مدى الفعل المعرفي المتعاقب للتذكر أو الاسترجاع وتبدو الذات، على هذا النحو، أشبه بالناظر في المرآة التي هي إياها، قبل أن تنطوي الصفحة الأخيرة، أو المشهد الأخير من حياتها أو حضورها وقد فعل سعيد، بطل مسرحية صلاح عبدالصبور الشعرية، «ليلى والمجنون»، ما يشبه ذلك، حين أسلمته الأحداث المأسوية التي عاناها إلى الجنون الذي أفقده الصلة بالعالم الخارجي الذي ناوشته فيه سهام القمع والخيانة والوحشية من كل جانب، فكانت نهاية سعيد الدمار النفسي الذي دفع به، قبل أن تنطبق عليه تماماً زنزانة الجنون التام الذي يعني الموت المعنوي، إلى كتابة آخر قصيدة له، وكانت مرثية لجيله الذي مات قبل الموت، وانهزم من دون أن يكمل المعركة للنهاية.

وينطبق الأمر على «أيام» طه حسين، قبل صلاح عبدالصبور بجيلين على الأقل، حين قامت الأعاصير التي لم تهدأ، إلى اليوم، حول كتابه «في الشعر الجاهلي» (1926) وانهال عليه التكفير والتهديد من كل جانب، وانتهى به الأمر للمثول أمام النائب العام، فكان الموقف شبيهاً بنهاية حَدِّية لمرحلة هذا الشعور بالنهاية، حتى لو كان ما بعدها بداية مغايرة، هو ما دفع طه حسين إلى نوع مواز من تغريدة البجعة في كتابه «الأيام» الذي كان استرجاعاً للماضي الذي عاناه طه حسين إلى أن وصل إلى النقطة الحاسمة، مفترق الطرق الذي يفضي إما إلى سكة الندامة أو سكة السلامة أو سكة «اللي يروح ما يرجعش».

وسواء كانت «الأيام» تغريدة للبجعة كلياً أو جزئياً، فهي تنطوي على الدلالة المجازية التي ينطوي عليها المجاز نفسه تغريدة البجعة ويمكن أن نضم إلى هذه الدلالة ما يتجانس وإياها من روايات السيرة الذاتية، أو رواية الأجيال، أو الجيل الذي وصل إلى النهاية التي تشبه شاطئ نهر الحياة الذي ليس بعده سوى الموت، فتغدو الرواية شبه مرثية لهذا الجيل الذي ناوشته أعاصير دمار خارجي، ناتج من شروط موضوعية في واقع الضرورة، ومن جرثومة عطب داخلي، انطوى عليها هذا الجيل، تجاوبت عواملها مع العوامل الخارجية إلى أن أوصلت هذا الجيل إلى عمق إحساسه بالهاوية، ووصوله إلى قرارة القرار من المأساة التي توازيها تغريدة البجعة، رمزياً، أو إبداعياً، في نوع الرواية التي تنبني على عمق الإحساس المأسوي بالنهاية التي ليس بعدها بداية.

ولأسباب عدة، فإن هذا الإحساس المأسوي يتجسد في الرواية بالدرجة الأولى، ولا يخلو منه المسرح الذي تعد نماذجه الموازية لتغريدة البجعة أقل من الرواية، أولاً لأن الرواية أكثر قدرة على احتمال التفاصيل الكلية والجزئية التي يستكمل بها مشهد «التغريد» ملامحه وموازياته الرمزية، فضلاً عن تمثيلاته أو لوازمه الواقعية، وثانياً لأن الرواية تنبني بالضرورة على التصوير الحسي الملموس بعيني الخيال للأسباب الداخلية والخارجية التي أدت إلى عمق الإحساس المأسوي بنهاية عالم الأبطال الواقعين تحت مطارق القمع الخارجي، ونقطة الضعف في التكوين الذاتي وثالثاً ربما لأن الرواية وأؤكد ربما تزدهر في الفترات الرمادية من التاريخ، حيث تفضي مرحلة مهزومة إلى أخرى لاحقة، تنطوي على معنى من معاني التيه الذي لا يبين له مخرج، وذلـــك في اللحظة التي يسقط فيها الوعي الروائي ما بين نهاية وبداية، الأولى مدمرة، والثانية لا تحمل بشارة واضحة من ضوء ولا يخلو الأدب الروائي في تعاقب تيارات عصوره الحديثة من هذا النوع من الروايات اتي تتعدد تياراتها الإبداعية وتتنوع أبنيتها الجمالية ولكن بما لا يمنع وأؤكد ما لا يمنع وجود نماذج مماثلة في فن المسرحية التي لا تنبسط أفقياً أو رأسياً، في النهاية، إلى المدى الأكثر اتساعاً وتجاوباً، بين الخارج والداخل، كما يحدث في فن الرواية.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يكتب القاص المصري مكاوي سعيد، في هذا السياق، روايته التي وصل بها إلى درجة لافتة من التميز، أعني رواية «تغريدة البجعة» التي أصدرتها «الدار للنشر والتوزيع» في القاهرة في كانون الثاني (يناير) 2006 التي جاءت بعد رواية «فئران السفينة» المنشورة عن «دار ميريت» القاهرية عام 2004، وبعد ثلاث مجموعات قصصية «الركض وراء الضوء» الصادرة عن «دار النديم» 1981 و «حالة رومانسية» 1991 المنشورة على نفقة الكاتب وبعدها «راكب المقعد الخلفي» عام 2000، وكلها أعمال تؤكد تمرس مكاوي سعيد بكتابة الفن القصصي، كما تمرس في إعداد الأفلام التسجيلية، والروائية المأخوذة عن بعض أعمال نجيب محفوظ تحديداً. وقد تصادف أنه كتب روايته «تغريدة البجعة» في الوقت الذي كان يعد فيلماً تسجيلياً وثائقياً عن أبطال الشوارع، وهو إعداد جعل عدسته الروائية تبدأ من الواقع القاسي الذي ينتج هذه الظاهرة التي تغدو علامة على نهاية مأسوية لأحلام وطن وجيل، يصحو على نهاية مأسوية، كاشفة عن سقوط الأحلام التي خايلته، والأماني التي عاشها عن وطن حر وشعب سعيد. وقد كان هذا، في تقديري، هو الجانب الدافعي الذي انطلقت منه «تغريدة البجعة» تجسيداً لحال من الوعي بالسقوط في مأساة وطن وجيل.

ولعل هذا السبب هو الذي جعل الرواية، بعد اكتمالها ونشرها، تلمس العصب العاري من وعي مجموعات قرائية عدة، خصوصاً من المهتمين بالرواية، فتستقبل الرواية استقبالاً دالاً في حماسته، إلى الدرجة التي دفعت دار النشر التي أصدرتها إلى إصدار طبعة ثانية لها بعد أقل من عام واحد، وصدرت الطبعة الثانية في أيلول (سبتمبر) 2007 ولا يزال الإقبال الحماسي على قراءة الرواية مستمراً، فتقوم لجنة التحكيم لجائزة «بوكر» الــعربية مــهما كان الرأي في بعــض أعضائها، أو اختياراتهــم باخــتيار الرواية ضــمن القــائمة القــصيرة التي تســتحق رواياتها الفوز بالجائزة، فتجاور «تغريدة البجعة» رواية «واحة الغروب» لبهاء طاهر.

وأحسب أن سبب هذه الحماسة المتزايدة للرواية يرجع إلى أنها استفزت، ولا تزال وعي الرفض المتوتر لأجيال متقاربة، ترجع جذورها إلى شرائح الطبقة الوسطى التي أدت التحولات التاريخية إلى تهديدها وتآكلها، ومن ثم وصولها إلى الدرجة التي دفعت رمزي زكي إلى كتابة كتابه المهم «وداعاً للطبقة الوسطى»، وأتصور أن أكثر الأجيال انفعالاً بهذه الرواية، وحضوراً فيها، الجيل الذي ولد في أعقاب ثورة تموز (يوليو) 1952، وتخرج أبناؤه وبناته في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، وهو الجيل الذي ينتسب إليه مكاوي سعيد المولود عام 1956 الذي تخرج في كلية التجارة عام 1979، أعني الجيل الذي وصل إلى مرحلة النضج والممارسة السياسية خلال سنوات مراحل الدراسة الجامعية في السبعينات التي كانت قد توهجت فيها طليعة هذا الجيل الذي توزعه تياران، أولهما التيار الناصري، وثانيهما التيار الماركسي بفصائله المختلفة التي جمعت ما بين «الأخوة الأعداء» من التروتسكيين والتيار الثوري وحزب العمال والحزب الشيوعي، و8 كانون الثاني وغيرهم... وكان يجمع بين أطياف الناصرية واليسار رفض تراجع السادات، تدريجاً، عن الخط الناصري، والارتماء في أحضان الولايات المتحدة، في موازاة تفاقم حدة الأزمة الاقتصادية الملازمة للتزايد المتصاعد في الهوة بين الطبقات، وصعود طبقة جديدة، طفيلية، مخرِّبة لكل قيم الماضي الإيجابية، فضلاً عن تزايد صور الفساد الحكومي، والإفساد غير الحكومي المدعوم من النظام الجديد للحكم المتحالف معه على نحو أو آخر، وكان ذلك في الفترة التي أخذ فيها السادات يعمل على دعم المجموعات الإسلامية التي صاغها على عينه، لتكون عوناً له في القضاء على المجموعات الناصرية القومية واليسارية الاشتراكية والشيوعية، خصوصاً من أبناء هذا الجيل الذي بدأ نشاطه السياسي بمعارضة السادات، حالماً بتغيير سياساته إلى ما يحقق العدل الاجتماعي، والاستقلال السياسي، وإكمال مهمة إزالة آثار كارثة العام السابع والستين، أقصد هذا الجيل الذي سرعان ما انهالت عليه مطارق الأجهزة القمعية للدولة الساداتية، في موازاة حراب مجموعات الإسلام السياسي في صعودها وتزايد هيمنتها التي لم تتوقف، وهو الجيل الذي تدور حوله رواية مكاوي سعيد التي هي ملحمة جيل السبعينات في انزلاقه من الحلم إلى الكابوس، وسقوطه من أفق الثورة التي انطوى عليها إلى وهاد الضرورة التي انتهى إليها، ماضياً في طريقه المحتوم إلى الكارثة الفردية والجمعية للهزيمة التي دفعت بطليعة هذا الجيل إلى النهاية المأسوية التي انقلب فيها كل شيء رأساً على عقب، وذلك في السياق الذي شهد اغتيال أمثال فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، كما شهد الإحباط المتزايد الذي التف على مشاعر هذا الجيل ووعيه كالمدارات المغلقة، اليائسة، المقهورة التي تنتهي إلى الجنون والانتحار والموت المبكر كمداً، والأمثلة متاحة في انتحار أمثال أروى صالح وانقصاف أعمار أمثال أحمد عبدالله، ورضوان الكاشف، وإكرام خليل... إلخ، فضلاً عن التغيرات العنيفة التي قلبت بعض هذا الجيل من النقيض إلى النقيض، خالعين عنهم أثواب المقاومة والنضال، استسلاماً ويأساً وعجزاً، أو تبريراً للسقوط، حتى من قبل أن يغتال السادات حلفاؤه من جماعات الإسلام السياسي.

ولكن رواية «تغريدة البجعة» لا تتناول بداية أو نهاية جيل السبعينات الذي تنتسب إليه مع نهاية الحقبة الساداتية فحسب، وإنما تمضي إلى ما بعدها، وتصل إلى السنوات الأخيرة التي تصل ما بين نهايات القرن الماضي وبدايات سنوات القرن الحالي، فنقرأ في فصولها الافتتاحية عن تبلور «حركة كفاية» مع عام 2005 التي آزرت القضاة في مواقفهم المحتجة على النظام القائم، وحركة «شايفنكو» الموازية التي أخذ صوتها يعلو مع عام 2006، وتصل قبل ذلك إلى شهر أيلول عام 2005 الذي احترق فيه عدد من أبناء هذا الجيل المهتمين بالمسرح، نقاداً ومبدعين ومتذوقين، في كارثة مسرح قصر ثقافة بني سويف الشهيرة التي كانت، ولا تزال، تجسيداً موجعاً للكوابيس التي يعانيها هذا الجيل، ونعانيه معه نحن الذين ننتسب إلى الجيلين السابق واللاحق.

وظني أن التقاط عدسة «تغريدة البجعة» مشهد احتراق بعض طليعة هذا الجيل، في مسرح قصر ثقافة بني سويف، المشؤوم، كان تركيزاً على الدلالة التي اقترنت بالنهاية المأسوية لأشباه الأبطال الذين تصور هذه الرواية مسيرتهم المحبطة المحاصرة بالقمع بكل ألوانه منذ البداية، أعني النهاية المأسوية لأبطال «تغريدة البجعة» الذين تصورهم الرواية كما لو كان مقدوراً عليهم السقوط منذ البداية ولا أدل على ذلك من نهايات الأبطال والأجيال سواء في علاقات حبهم المحكوم عليها بالدمار سلفاً، أو في علاقتهم بالواقع الذي يغتالهم بتحوله الكلي عنهم مثل يوسف حلمي أو مطاردتهم بقمعه الوحشي، الذي ينقلب بهم من النقيض إلى النقيض، فيتحول أحمد الحلو، المناضل الشيوعي تحولاً جذرياً، مع حبيبته شاهيناز المتطرفة في أصوليتها الماركسية التي تنتهي وحبيبها الزعيم إلى اتجاه إسلامي متطرف، كما لو كانت الأصولية الشيوعية لا تنقلب إلا إلى أصولية موازية في القوة، ومناقضة في الاتجاه وينتهي مصير البطل مصطفى وأقرانه إلى الجنون أو الدمار أو الهجرة التي تبدو كالخلاص من اليأس، إلى آخر ما نراه من الفضاء الروائي الذي لا نرى فيه سوى ما يؤدي إلى السقوط في قاع اليأس الذي يلازم حال «تغريدة البجعة»، ويؤدي إلى تأكد مغزى هذا الحال ضياع قيم التحرر الوطني، واستكمال سيطرته على أرضه، واستقلال حريته، فلم تعد مصر للمصريين، بل لغير أبنائها ولا أدل على ذلك من شعور البطل مصطفى أن الوطن الذي كان ينادي بتحريره من الاستعمار الإسرائيلي، قد تحول إلى وطن للغزاة الأجانب من كل حدب وصوب، في زمن الاستعمار الجديد والعولمة، وذلك إلى الدرجة التي تدفع البطل، مصطفى، إلى القول:

«في الأيام الأخيرة بالذات بدأت أشعر بهم يحيطون بي في كل مكان وبدأت أحلم بهم أسير في شوارع وسط البلد التي أحفظها جيداً وفي منطقة الهرم التي ولدت بها وفي حي الحسين الذي أعشقه، فلا أجد أحداً أمامي غير الأجانب، أذني تلتقط لغات مختلفة ليست اللغة العربية من بينها دائماً، يقابلونني وجهاً لوجه بجواري لا أحد، وخلفي لا أحد وهم صفوف كثيفة على مرمى البصر».

هذه الصــورة الدالة للحضور الطاغي المهيمن للأجانب الذين انتزعوا وســـط البلد، أو قلبها من المصـــريين، هي نموذج تمثيلي لإحساس البطل بالمكان الذي ينتمي إليه، وهي صـــورة تـــوازي إحساسه بالزمان الذي يعيشه على هذا المكان، حيث يشعر أن كل ساعة ممكنة من الساعات الجـــميلة هي ســـاعة منتزعة مسروقة من الزمن الغادر الذي يعيشه، ساعة لا يمكن إلا أن تذكــره بأن ما يأتي بعدها هو الساعات التي تقترب به من يوم الـــدينونة الذي ينتهي فيه كل ما حلم به، بل الحياة نفسها، فلا يبقى له سوى تغريدة البجعة.

Wednesday, September 26, 2007

بمناسبة .. اقتراب صدور الديوان


- قبل الحكي -
إن كان محدش عَ الحقيقة عثر
لا اللي نظم قصيده
و ﻻ اللي نثر
حرام تعيش و تموت
بدون فعل مدهش
لا بُد تترك قبل موتك أثر
..
فؤاد قاعود
..


..
..
- سيرة الأراجوز -
....
..
حبِّني الشارع
و حبيتُه
عضّ قلبي.. الليل
و عضّيتُه
خضِّني الإنسان
و خضِّيتُه
لمّا بان
من وشُّه.. عفاريتُه
***
كنت اشوف النور
و اشوف ضلِّي
كان يونِّسني الشَّبه
و اللي
عدّا فيّا مسابش نقطة دم
عدّا فيّا القمح
سمّرني
عدّا فيّا الفجر
صبّرني
عدّا فيّا الحزن
غيّرني
عدّا فيّا العُمر
كبّرني
خدني مِ اللفة
لمريلتي
خدني مِ التسنين
لحصالتي
خدني من مدرستي
عَ الجامعة
خدني مِ الترعة
على الأسفلت
خدني من بيتنا
لِحد القطر
سابني فوق عشرين سنة .. و خمسة
سابني للتوهة
ف محطة مصر
***
خدت مِ الأتوبيس
مراياتُه
خدت مِ السوّاق
حكاياتُه
خدت مِ الركاب
تذاكر موت
لفّ بيّا الموت
محطاتُه
***
شُفت عَ الكورنيش
ملامح غول
شفت مرسيدس
مع الحافي
شفت همبورجر
في طبق الفول
شفت ناس تشبه
لبعضيها
كنت لا اعرف دول
و لا اعرف دول
***
شفت في الإشارات
بواقي الدم
شفت عَ الأسفلت
ساكسونيا
شفت في الشُعرا
القلق.. و الخوف
شفت ياااااما شفت
خُفت لاشوف
قلت اعيش أعمى
ف عز الشوف
***
سنّ قلبي الشكّ
شكِّكني
ضَمني ع الوِحدة
فكِّكني
قفِّل الشبابيك
و شبِّكني
فوق سرير أخشن
من الأسمنت
نمت.. لمّا نمت
ماحلمتِش
خُفت يوم احلم
و يوم ما حلِمت
كنت بصحى لصوت
بيندهني
قال : يا متهمِّش
و إيه همِّشَك ؟
قلت : رمش البنت
لو يرمشك
قلت : جلد الفقر
لو كرمِشَك
قلت : ناب الوِحدة
لو خربِشَك
كنت قلت يا حلم
في المشمش
طال سواد الليل
صفار مشمشك
***
وقفتني البنت
في المسافات
فكرتني بكام
مِسا فات
و احنا كل غياب
عن الحاضرين
و احنا كل حضور
عن الغايبين
:
شوفني يوم
اتنين
و حوِّشني
خايفة بُكرة يحوشني
توحشني
و انتا لسّه معايا
واحشني
ليه كلام بُكرة
موغوشني
***
ياللي واحشاني
متوحشِينيش
ضِحكِك السُكّر
ماحلاّنيش
خُفت مِ المطرة
قفلت الشيش
ليه فِضِل إسمك
على الشباك
خُفت اسيبُه هناك
جريت في الطّل
كنت تحت المطرة
متر قماش
كانت المطرة
إبَر فيّا
فصّلِتني الميّه
شمسيّة
و حطّني الشارع
في إيد إسمك
***
كنت جايب
دِبلة و غويشة
كنت شارب
خمرة مغشوشة
شفت شبَهِك
قاعدة فِ الكوشة
قُلت هيّ
الأ.. دي مش هيّا
فتِّشتني الدمعة
عن ميّه
كنت أنشف
من حطب محروق
كنت أضْيَق
من شروخ و عروق
***
حُزن يا محوِّل
خطوط سيري
حزن يا معدِّل
ف دستوري
حزن يا عطّار
ف باب اللوق
شوف لي تحويجة
لتفسيري
حُط ريحة بُن
لضميري
شوف لي عود أصلب
من المغشوش
شوف لي حد يكون
بيشبه لي
لو شبه شبهي
مايشبهليش
لأ .. دا انا شبهي
رغيف العيش
و لاّ يشبهلي
حمام بيتنا ؟
و لاّ.. شجرة سُنط
مالية الحوش ؟
و لاّ يشبه لي
عيال في الجيش ؟
حتى شكل الضحك
بقا ميري
لأ ميشبهليش
غير اللي غاب
حد لُه إسمي
و لُه شكلي
كنت بضحك لُه
و يضحك لي
***
جِبت لي صاحب
و حبيتُه
زقِّني في المترو
زقِيتُه
لمّا مات فيّا
و مُتّ انا فيه
رُحت له بيتُه
و عزِّيتُه
ردِّني عَ الباب
عطب روحي
جاب لي ناي
و زتونة مطروحي
مُرّ .. أنا يا صاحبي
لو دقتني
كنت أقول الآآآه
مَ صدقتني
يطرح ايه الملح
غير مالح
يطلع ايه مِ الجرح
غير مجروح
كنت بندهلك
حلاوة روح
ليه متصفاشي
لغير صافي
ليه متقبلنيش
بغير ماضي
ليه في عزّ الحوجة
بتجافي
شُفتني غاطس
و لا طافي
هيّا بطن الحوت
حيطان نفسي
من سِمع صوتي
وصل حِسّي
***
حُزن يا بقال
ورا الجامع
هات بنص ريال
عسل في الكوز
خُد سنين الجري
و سنيني
هات لي سن غزال
دهب عيني
قطّع الأسفلت
شراييني
هات بياض القطن
شاش اللوز
دا اللي كان عيّل
بقا شاعر
و اللي كان ضاحك
.
.
.
بقا.............. أراجوز
....
خالد
التسميات:

Tuesday, August 28, 2007

التحديق في الموت

التحديق في الموت - 3
جابر عصفور الحياة - 29/08/07//
لا غرابة في أن يقترن حلم الانبعاث بنقيضه، في دورة الفصول، أو ثنائية الحياة التي تنتصر على الموت، في سياق جدارية محمود درويش التي يؤدي فيها التحديق في الموت، على المستوى الرمزي، إلى الحضور المتكرر لأسطورة البعث، ويحدث ذلك حين يبرز جلجامش، أولاً، قريناً لانتصار الحياة على الموت، حيث التوازي الدال بين عبوره ماء الموت سالماً، والإبداع الذي ينتصر على الموت، في مدى المشابهة التي لا تدنس بطرفيها إلى حال من الاتحاد، لكن التي لا تمنع تجاوب الدلالة بين ولادة القصيدة وانبعاث آلهة الولادة الجديدة، خصوصاً حين ينحل لغز الموت بواسطة إبداع الأنا التي تغدو شبيهة أوديب الذي قهر الوحش بحل اللغز، وشبيهة إنكيدو الذي صار أكثر حزناً لأنه صار أكثر معرفة، وكان ذلك بعد أن أدرك أن «قمة الإنسان الهاوية»، وأن الهاوية بداية الصعود.
هكذا، يتحول سقوط الوحش في إنكيدو، بفعل غواية شمخت، إلى قيامة للإنسان، فيزداد حزن الأنا الشاعرة التي تتقمص جلجامش، وتنطق باسمه، لأنها لم تفهم إنكيدو الكامن وراء الوحش، فتتوجّه بالخطاب إليه:
ظلمتُك حينما قاومت فيكَ الوحشَ
بامرأةٍ سقتكَ حليبَها، فأنِسْتَ
واستسلمتَ للبشريّ. إنكيدو، ترفّق
بي، وعُدْ من حيث مُتَّ، لعلّنا
نجد الجوابَ، فمن أنا وحدي؟
وعندئذ تنطبق صورة إنكيدو على جلجامش الذي اتحد مع صديقه الذي فقده، فصار إياه، مؤكداً ذلك بقوله:
كلما ازداد علمي
تعاظم هَمِّي.
هكذا، نصل إلى إلهة الخصب «عناة» (Anate) الإلهة الأثيرة في جدارية محمود درويش الشاعر، والأقرب إلى قلبه. فهي الحضور المتكرر، في الأساطير الأوغاريتية، لكل من الإلهة «إنانا» السومرية، و «عشتار» البابلية، و «إيزيس» الفرعونية، و «أفروديت» اليونانية، فهي المخلّصة من الموت، في الشعيرة الطقسية التي يتحد فيها صاحب الجدارية بالإله «بعل»، خصوصاً حين تقوم حبيبته «عناة» برده من الموت إلى الحياة التي يعيد إليها، بدوره، الخصب والنماء، فينهمر المطر، وتتجدد الطبيعة التي تصبح خضراء بلون القصيدة. وهو الطقس الذي يجعل من «عناة» الرمز المقترن بقوة الحب (الذي ينطوي عليه الإبداع بالضرورة) التي تُحرِّر عابر نهر الموت من قبضة الموت الممتدة، وتعيده إلى شاطئ الحياة، والحضور الخلاّق المفعم بعافية الصحة والإبداع، ولذلك يتوجه الصوت الماثل في الجدارية إلى ربّته الأثيرة «عناة» بالابتهالة التالية:
فغنِّي يا إلهتي الأثيرة، يا عناةُ
قصيدتي الأولى عن التكوين ثانية
فقد يجد الرواة شهادة الميلاد
للصفصاف في حجر خريفي، وقد يجدُ
الرعاةُ البئر في أعماق أغنية، وقد
تأتي الحياةُ فجاءةً للعازفين عن
المعاني من جناح فراشة علقت
بقافية، فغنِّي يا إلهتي الأثيرة
يا عناة، أنا الطير والسهام.
ويمكن أن نُعقِّب على هذه الأسطر بأن «عناة» تتحد مع قوة الإبداع ومعجزته، فكما نجحت «عناة» في تحرير «بعل» من إله الموت، وأعادته إلى الحياة، يغدو حضورها الموازي الشعائري للقصيدة الخضراء التي تعيد بسر إبداعها (المجسِّد لإبداع الفنون جميعها) الشاعر من منتصف نهر الموت، حاملاً شهادة الميلاد الجديدة للأشياء والكائنات، وأهم من ذلك قصيدته الأولى في التكوين ثانية التي يطلق عليها اسم «جدارية محمود درويش» التي يؤبّد بها وفيها المعركة الأزلية بين الإبداع والموت، في جدلية الحضور والغياب، أقصد إلى الجدلية التي لا تكتفي فيها الجدارية بأمثال العنقاء وجلجامش وإنكيدو، بل تضيف إليهم - في مدى تجاوب علاقات حضور الدوال وغيابها - أوزيريس الذي يرتبط اكتمال عودته، بواسطة إيزيس، بعودة الخصب والنماء، مع فيضان النيل، في المدى الذي يتجاوب فيه أوزيريس مع الأنا الشاعرة:
قال طيف هامشيّ: «كان أوزيريس
مثلك، كان مثلي. وابن مريم
كان مثلك، كان مثلي. بيد أن
الجرح في الوقت المناسب يوجع
العدم المريض، ويرفع الموت المؤقتَ
فكرةً...».
والجمع بين أوزيريس والمسيح، في هذا السياق، يؤدي إلى تجاوب الدلالة المكررة لعودة الخصب بعد الجدب مع أوزيريس، أو إمكان إعادة الموتى، كما فعل المسيح مع إليعازر الذي أعاده إلى الحياة، ليس بالدلالة السلبية التي انطوت عليها قصيدة خليل حاوي «لعازر 1962» وإنما بالدلالة الإيجابية التي تتجاوب فيها قيامة إليعازر وبعث أوزيريس، بعد أن جمعت إيزيس أشلاءه وردَّته إلى الحياة؛ وذلك في سياق نوعي، يغدو فيه الإله الأسطوري كالنبي في الإشارة إلى التجليات المتعددة لسحر العودة إلى الحياة، حيث ترتوي الأرض بالمطر، وتزهر شقائق النعمان وغيرها من أنواع الزهر، ويفيض النيل، لكن أوزيريس والمسيح، فضلاً عن جلجامش وإنكيدو وعشتار وإيزيس، لا يتكررون مثلما تتكرر الربة الأثيرة، عناة، خصوصاً حين نقرأ:
كلما يمَّمت وجهي شطر آلهتي
هنالك، في بلاد الأرجوان أضاءني
قمر تُطوِّقهُ، عناةُ، عناةُ سِّيدَةُ
الكناية في الحكاية، لم تكن تبكي على
أحد، ولكن من مفاتنها بكت:
«هل كل هذا السحر لي وحدي
أما من شاعر عندي
يقاسمني فراغ التخْتِ في مجدي
ويقطف من سياج أنوثتي
ما فاض من وردي؟!».
وكلام عناة أغنية مغوية، شبيهة، في جانب منها، بغناء حوريات البحر أو السيرينيّات (Sirans) اللائي كان سحر صوتهن يقود البحارة إلى موت محتوم. فأعانت سيرسيه أوديسيوس على النجاة منهن بسد أذنيه بالشمع الذي حال بينه وسماع صوتهن الساحر الذي يفضي بسامعه إلى حتفه، وهي أشبه - في جانبها الموازي - بصوت كالبيسو التي أغوت أوديسيوس بالعيش معها على جزيرة تحطمت عندها سفينته، فبقي عندها لسبع سنوات، ولذلك يجمع صوت عناة، في تجاوب دواله، ما بين سحر صوت السيرينيات والجمال الآسر الذي احتجز أوديسيوس وبحارته لسبع سنوات، قبل أن يرحل عائداً إلى إيثاكا، حيث بنيلوبي التي ظلت تنتظره، كأنه الأمل الذي تحقق للمرأة التي تصفها الجدارية بأنها:
... مَنْ غزلت قميص الصوف
وانتظرت أمام الباب.
والسطران يتجاوبان مع بقية الأغنية المغوية لعناة التي تمضي في أغنيتها التي لا يحول بين الشاعر وسماعها حاجز شمعي، إذ تتكسر الحواجز، وترهف الأذن السمع إلى بقية سحر الأغنية:
«أما من شاعر يغوي
حليب الليل في نهدي؟
أنا الأولى
أنا الأُخرى
وحدِّي زاد عن حدِّي
وبعدي تركض الغزلان في الكلمات
لا قبلي... ولا بعدي».
ولا تشير الأسطر الأخيرة إلى الطاقة الإبداعية التي يولِّدها حضور عناة فحسب، بل تشير إلى الليل الذي لا تفارق رمزيته ولادة الإبداع، شأنه شأن حليب النهد الذي يرتبط بالخصوبة التي يتدفق معها الإبداع في الكلمات التي تركض في الغزلان، أو العكس.
وأتصور أن الإشارة إلى أوديسيوس، على نحو غير مباشر في هذا السياق، هي التي قادت إلى ذكر «هوميروس» الشاعر الذي يتعلم منه الصوت الناطق، في الجدارية، التوجه بالابتهال إلى ربة الشعر، كي تعلِّمه الشعر، وتسمح له بالتجوال في أنحاء الملحمة القديمة في حيلة من حيل المجاز المرسل، كي يستعيد ملامح عكا «أقدم المدن القديمة»، التي تقف أبيّة وبهيّة في وجه الزمن:
حجرية يتحرك الأحياء والأموات
في صلصالها كخلية النحل السجين.
في المدى الذي يزوّج ظبياً شارداً لغزالة (حيث نسترجع دلالة الغزلان الراكضة في الكلمات) ويفتح أبواب الكنيسة للحمام (كي نستعيد جناحي الحمامة البيضاء اللذين ارتحلا بالوعي المخدّر إلى الغياب في مطلع الجدارية) حيث ينفجر في الأنا نبع الشعر الذي يعود بها إلى درب المسيح ثانية، لكن المسيح ابن الإنسان، هذه المرة، وليس ابن الإله:
ومثلما سار المسيح على البحيرة
سرتُ في رؤياي. لكنني نزلت عن
الصليب لأنني أخشى العُلُوَّ ولا
أبشّر بالقيامة. لم أغيّر غير إيقاعي
لأسمع صوت قلبي واضحاً.
ويقترن نفي النبوة، في هذا السياق، أولاً، بتأكيد الانقطاع عن المراحل السابقة التي كان صوت الشاعر يتحد فيها بصوت النبي، في الدرب الذي راده بدر شاكر السياب في قصيدة «المسيح بعد الصلب». وهي القصيدة التي تبدو الجدارية في جانب منها، كما لو كانت تعارضها، ويحدث ذلك عندما تولّي القصيدة الجديدة وجهها عن المسيح الذي يتحد فيه اللاهوت بالناسوت، مؤكدة حضور الإنسان الذي يمتلك حريته، معلناً بأوضح بيان:
لست أنا النبي لأدّعي وحياً
وأعلن أن هاويتي صعودي.
ولا يتعارض وصف الشاعر بالغريب، في هذا السياق، مع الرؤيا التي تتداخل فيها العوامل والعناصر والأزمنة، ويتبادل الماضي والحاضر والمستقبل الوضع والمكانة في مدى رؤيا الشاعر في لحظة الغياب:
... حيث تنحلّ العناصر والمشاعر. لا
أرى جسدي هناك، ولا أحس
بعنفوان الموت، أو بحياتي الأولى
ولا غرابة، عبر هذا المدى، أن يرى الشاعر قرينه الشاعر الفرنسي «رينيه شار» جالساً مع فيلسوف الظواهر هايدغر على بعد مترين منه، يشربان النبيذ ولا يبحثان عن الشعر، تأكيدا للمفارقة، أو يرى المعرِّي يطرد نقَّاده من قصيدته، صارخاً:
لست أعمى
لأبصر ما تبصرون
فإن البصيرة نورٌ يؤدي إلى
عدم أو جنون.
ولا غرابة، أخيراً، في ألاّ تفارق غربة الأنا المبدعة، في الجدارية، صفات الإنسان الممزق بين الأضداد، قرين الضعف حيناً، والحيرة حيناً ثانياً، والتخبط في الأسئلة التي تظل بلا أجوبة أخيراً، لكنه، على رغم ذلك كله، مُصّر على حريته، ماضٍ في عزيمته التي تصنع بإرادته الحرة قصيدته التي تتجسد بها هذه الإرادة، مقاومة لا تكف عن مصارعة العدم وترويض الزمن، حتى في مدى توحدها الذي هو تجسيد لرغبتها في الصعود إلى التل، حيث نسمة الحياة العفية، المتأبّية على الموت، كي تمضي الأنا إلى ما وراء التل، حيث ينبوع الإبداع الذي تتوجه إليه القصيدة بحصانها الشموس:
فاصمد يا حصاني. لم نعد في الريح مختلفين
أنت فتوتي. وأنا خيالك فانتصب
ألفاً، وصكَّ البرق. حُكَّ بحافر
الشهوات أوعية الصدى. واصعد
تَجدَّدْ. وانتصب ألفاً، ولا تسقط عن
السفح الأخير كراية مهجورة في
الأبجدية. لم نعد في الريح مختلفين
أنت تعلّتي وأنا مجازك خارج الركب
المروَّض كالمصائر. فاندفع واحفر زماني
في مكاني يا حصاني. فالمكان هو
الطريق، ولا طريق على الطريق سواك.

Tuesday, August 14, 2007

التحديق في الموت


هوامش للكتابة - التحديق في الموت - 1
جابر عصفور الحياة - 15/08/07//
ليس مصادفة أن يطلق محمود درويش على الديوان الذي يسجل فيه تجربته في الإفلات من قبضة الموت اسم «جدارية محمود درويش» مستخدماً صيغة التنكير التي تتحول إلى تعريف بالانتساب إلى صاحب التجربة. والجدارية هي نوع من الإبداع التشكيلي (سواءً كان نحتاً بارزاً، أم رسماً، أم موزاييك) الذي تتجسّد به وعليه وقائع ملحمية، تضفي صفة الخلود على موضوعها، يستوي في ذلك أن يكون الموضوع حدثاً استثنائياً أو استعراضاً تاريخياً، مثل جداريات محمود مختار على قاعدتي تمثالي سعد زغلول بالقاهرة والإسكندرية، وجدارية فائق حسن (في بغداد) التي كتب عنها سعدي يوسف قصيدته «تحت جدارية فائق حسن» (1974)، وجدارية حرب أكتوبر في البانوراما التي تحمل اسم هذه الحرب في القاهرة، وقبل ذلك كله الجداريات التي تركتها الحضارات الفرعونية والآشورية والبابلية.
ولا تتباعد دلالة جدارية محمود درويش عن سياق مدلولات «الجدارية» بوجه عام، فهي جدارية شعرية، ملحمية الطابع، تقوم بتسجيل موضوعها، في المدى الذي تستبطن به الذات تحولات تجربتها في مصارعة الموت، مستعينة بلغة تصف أوابد العدم وضواري الغياب، كي تؤبِّد انتصار المبدع على الموت، ومن ثم انتصار الحياة التي هي الإبداع. ولذلك تبدأ القصيدة بالسؤال عن الاسم:
هذا هو اسْمُكَ؟
قالتْ امرأة
وغابت في الممر اللولبي.
وسواء كانت المتحدثة ممرضة أم طبيبة (نعرف في ما بعد أنها الممرضة) تقود المريض إلى حجرة العمليات، فحضورها الذي يعلنه السؤال قرين البياض الذي هو بداية الطريق إلى غرفة العمليات ببياضها الذي يكمل المشهد الاستهلالي المتناص للجدارية، حيث ندخل فضاء المابين، فتختفي حدود الزمان والمكان، مع اكتمال عملية التخدير، كأننا في سديم المابين، حيث تتدافع المجازات، صانعة عالماً من الرؤيا - الحلم، أو الحلم - الرؤيا، فيرى المريض الذي يرتدي الأبيض السماء في متناول الأيدي، يحمله جناح حمامة بيضاء صوب طفولة أخرى، حيث «الواقعي هو الخيالي الأكيد». وعندئذ يؤدي «التجريد» - حتى بمعناه البلاغي القديم - إلى أن يصبح الجسد جسدين: أولهما راقد وسط البياض، يراقب الثاني الذي انشق منه، مُحلِّقاً في الفضاء الأبيض الذي يحدِّق فيه اللاوعي الذي يغلب الوعي، كما لو كان يحدِّق في الموت الذي كاد يغدو إياه، وذلك في رحلة الصراع التي تمضي فيها القصيدة، عابرة فوق الشعرة الفاصلة والواصلة بين الحياة والموت، حيث لا تفكير في البداية أو النهاية، فلا شيء سوى طائر الموت يحمل اللاوعي إلى السديم، والشاعر ليس حيّاً أو ميّتاً، فلا عدم هناك، ولا وجود لشيء سوى لا وعي الذات التي تغدو «آخر» يشهد حلبة الصراع الذي لا ينتظر طويلاً كي يشارك فيه. فيعبر بعض نهر الموت، يصرع الموت، ويعود إلى شاطئ الحياة، مستعيداً مشاهد الصراع الأبدي بين الإبداع الذي ينتسب إليه انتساب الاسم إلى مسمَّاه، والموت الذي يحاول أن يقهر الإبداع، ويتغلب عليه بالموت، مؤكداً النغمة الأساسية التي تتجسد دلالتها المتكررة الرجع، في معنى أساسي مؤداه أنه ما مات من أبدع، أو خلق فنّاً يظل باقياً على الدهر، أو على رغم الدهر.
هكذا، يسهم اللاوعي الإبداعي للذات المفردة التي تنوب عن المبدعين جميعاً في قهر الموت، خصوصاً حين تتقمص هذه الذات حضور غيرها الذي لا يفني إبداعه ولكن يتجدد، في النقطة الفارقة التي يتغلب فيها الحضور على الغياب، والحياة على الموت، مؤكدةً الانتصار، المتكرر أبداً، على الموت الذي يقهره الإبداع، ما ظل هناك وجود، وما ظل للإبداع قدرة على المقاومة التي تنتهي بالانتصار.
وتتحول لحظة الانتصار إلى موقف للكشف، أبرز ما فيه نقطة الالتقاء التي تتقاطع عندها كل شبكات الدلالة في الجدارية، حيث نقرأ:
هَزَمتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد
الرافدين: مسلَّة المصري، مقبرة الفراعنة
النقوش على حجارة معبدٍ هَزَمَتْكَ
وانتصرتْ، وأَفلَتْ من كمائنك الخلود.
هذا الانتصار بالفن على الموت هو الذي يؤجّج في الذات الشاعرة مبدأ الرغبة الذي يصل بين الوعي واللاوعي، في امتلاك شجاعة التحديق في الموت، والتسلّح برغبة التجدد ونهم المعرفة. ولذلك تتجاور في الذات الشاعرة إرادة الحياة ومبدأ الرغبة النهمة في المعرفة. أعني مبدأ الرغبة الذي يقهر مبدأ الواقع، ويجاوزه كي تكمل الذات المبدعة عملها على جغرافيا البركان الأرضي، من أيام لوط إلى قيامة هيروشيما، حيث يتأبَّد الدمار في الأرض الخراب، كأنه الحاضر العليل في امتداده الأبدي كالموت، في مقابل إرادة الحياة التي تتكرر دائماً كفصل الربيع، وانتصار الجمال على الفوضى. هكذا تزداد الأنا وعياً بنفسها وما حولها، فتغدو أقدر على مواجهة الغياب بالحضور، والتغلب على شروط الضرورة التي تحول بين الإنسان وآفاق الحرية التي لا نهاية لامتداد آفاقها. وفي الوقت نفسه، تزداد الأنا شبقاً إلى ما لا تعرفه، في تقلّب الأزمنة وتحولاتها، خصوصاً حين يكون «الآن» أبعد من الحاضر، أو يكون «الأمس» أقرب إلى الحاضر من ماضيه، أو يكون «الغد» هو الماضي في حركة الدائرة. وينقلب شبق المعرفة من حضور الذات الفاعل إلى زمن الوجود، وإرادته المناقضة للعدم، فلا تكون الذات بعض دورة الفصول الأبدية التي تحدَّث عنها محمود سامي البارودي عندما قال في إحدى قصائده:
تغيب الشمسُ ثم تعودُ فينا/ وتَذْوي ثم تخضرُّ البُقُول
طبائع لا تَغِبُّ مردّدات/ كما تعري وتشتمل الحقول.
وإنما تغدو الذات مبدأ فاعلاً، لا مفعولاً أو منفعلاً، تمتلك قدرة صنع الزمن على عينها، والتاريخ بحسب إرادتها، نافرة من الجبرية العاجزة، منحازة إلى مبدأ الاختيار الحر الذي يقهر العدم والعبث، إذا استخدمنا بعض المصطلح الوجودي، فلا عبث في إرادة المواجهة العنيدة للزمن، حيث تقف الذات نقيضاً لكل زمن يكرر نفسه كالدائرة، في عود أبدي، أو انحدار إلى نقطة الابتداء التي تغدو نقطة للمستقبل، في حلم الإحياء الديني السلفي، وتحيله إلى صعود متواصل بها ومعها، فيغدو الزمن زمناً للتطور المندفع أبداً إلى الأمام، غير ناظر إلى الوراء، كي لا يمسخ حجراً، أو يزيد التخلف تخلفاً. وعندئذ، تصنع الذات التاريخ، بحسب ما تريد، كأنها تحقق دلالة بيت أبي تمام:
بيض إذا اسودّ الزمان توضَّحوا/ فيه، فغودر وهو منهم أبلق.
حيث يكتسب الزمان المفعول لون الإنسان الفاعل، فيتحول من اللون الأسود إلى الأبيض (الأبلق). ويوازي ذلك ما نراه في تداعيات جدارية محمود درويش، في مدى الذات الحرة الصانعة للتاريخ، بمعناه الخاص على الأقل، خصوصاً حين نقرأ:
ولكني أشد «الآن» من يده ليعبر
قربي التاريخ، لا الزَّمَنَ المُدَوَّر.
ولذلك تتحرك عناصر الرؤيا - الحلم، في جدارية محمود درويش، خصوصاً في موقف الكشف، في سياق متوتر، عصيّ على الثبات أو السكون، كأنه اصطراع الأضداد، ما بين لحمة الجدارية وسداها، فتصعد اللغة إلى مستوى «الشهود» في عالم الرؤيا، كاشفة عن دوال تتولد منها مدلولات، ومدلولات تتولد منها دوال، في دوران رهيف يجوب ما بين السماوات والأرض، والأرض والسماوات، مانحاً فضاءات السديم اسماً ومحلاً، فتغدو الذات الرسالة والرسول (صلى الله عليه وسلّم)، الطريدة والسهام. وبالقدر نفسه، يغدو التاريخ صنواً أو عدوّاً، صاعداً ما بين هاويتين كأنهما العنصران الواصلان والفاصلان بين الجدب والخصب، الحياة والموت:
فماذا يفعل التاريخ، صِنوك أو عدوّكَ
بالطبيعة عندما تتزوج الأرضَ السماءُ
وتذرف المطر المقدس؟
والإشارة إلى زواج الأرض والسماء الذي ينتج منه المطر المقدس هي إشارة إلى أسطورة «البعث» في الأساطير الزراعية، حيث الانتصار للخصب على الجدب، وحيث المطر هو ماء الحياة الذي يدخل قرارة القرار من الأرض، كي يُخصبها وينجبها ثمراً أخضر، بكراً كوليدٍ بكر. قد يعقب النماء الجدب، والحياة الموت، لكن ليرحل النقيض بفعل نقيضه الذي يدور وإياه في دورة الفصول الصاعدة لا الهابطة، وفي تجدد الحياة مع المطر المقدس الذي يخصِّب الأرض، وذلك على نحو يذكِّرنا، في مدى فاعلية التناص، بالبعد الأسطوري لقصيدة «أنشودة المطر» لبدر شاكر السياب (1926 - 1964) التي يتحول فيها دال «المطر» إلى مدلول ولادة لحياة جديدة، شأنها في ذلك شأن قصيدة «المسيح بعد الصلب» التي تنتهي شعائر الموت فيها ببداية «مخاض المدينة» مع تلقيح أرضها بالمطر المقدس، وذلك في الوقت الذي تستدعي قصائد السياب التموزية تكرار الشعيرة التي يكلّلها انبعاث الحياة، كأنها «تموز» الذي ينبعث من عالم الموتى، حاملاً المطر والخصب والنماء إلى الأرض، معلناً - كما في قصيدته «النهر والموت» - بعث الحياة بقوله: «إن موتي انتصار». وهي الشعيرة نفسها التي نجدها في جدارية محمود درويش، بادئة بهبوط «المطر المقدس» نتيجة زواج الأرض والسماء، وإخصابه الأرض اليباب بما يجعله يكرر أن قصيدته «خضراء» كلون الزرع الذي يغدو علامة الحياة العفية التي تأتي مع الربيع الذي تستهله الأمطار، أو فيضان الأنهار، في الأساطير الزراعية التي يتخذ فيها طقس البعث أكثر من مجلى للحضور المعلن أو المضمر للرّبة المنقذة (عشتار، إيزيس، إنانا، عناة، أفروديت... إلخ) للإله المحبوس في العالم السفلي للموت، فتعيده إلى الحياة كما يعود المطر ويفيض النهر، جالباً الخصب والنماء إلى الأرض الخراب التي تغدو خضراء، مؤكدة الدلالة الرمزية لحضور قصيدة درويش التي تشبه حضور المطر المقدس:
خضراء أرض قصيدتي، خضراء عالية
على مهل أدوّنها، على مهل، على
وزن النوارس في كتاب الماء أكتبها
...
خضراء أكتبها على نثر السنابل في
كتاب الحقل، قَوَّسها امتلاء شاحب
فيها وفيّ. وكلما صادقت أو
آخيت سنبلة تعلَّمتُ البقاءَ من
الفناء وضدّه: «أنا حبة القمح
التي ماتت لكي تخضر ثانيةً. وفي
موتي حياةٌ ما...».
والمقطع كله – على رغم طوله النسبي - واضح الدلالة على ارتباط اللون الأخضر بالوظيفة التي تتحول بها الجدارية من قصيدة في مواجهة الموت إلى شعيرة طقسية للبعث الذي يؤدي إلى الخضرة التي تغدو سبباً ونتيجة، قرينة دورة الخصب التي يذكِّرنا بها «كتاب الماء» و «نثر السنابل في كتاب الحقل»، واتحاد الإخاء بين الأنا الشاعرة والسنبلة التي انطوت على سر البقاء ضد الفناء وقهره، فيغدو موتها الأول بداية اخضرار ثان، كما يغدو آخر العبور في نهر «الأخيرون» بداية العودة منه، ومن ثم عودة الحياة.
والحلم - الرؤيا هو المدى الذي يتحرك فيه ذلك كله، خصوصاً حين تمارس القصيدة شعائر الأسطورة التي تضع دورة الحياة على سلم الزمن الصاعد، في موسم الربيع، حيث يتحول الشاعر إلى مؤدٍّ في الشعيرة الطقسية التي تغدو، بدورها، استجابة لكلمات غامضة، كأنها غمغمة اللاوعي الذي ينطوي على رموز عتيقة، أو نماذج بدئية في اللاوعي الجمعي، من منظور يونج، كلمات تقول حروفها الغامضة للشاعر المشدود بين الحضور والغياب:
اكتبْ تكُنْ
واقرأ تجدْ
وإذا أردت القول فافعلْ، يتَّحد
هواك في المعني
وباطنك الشفيف هو القصيد.
والإشارة لافتة إلى التناص الديني الذي يدفع القصيدة في مداها الرؤيوي، جامعة بين التجسيد الذي يتشخص به المجرّد، فيغدو محسوساً مجسّداً، والتشخيص الذي يبث من روح الإنسان في الأشياء والكائنات، غير مفارق نزعة إنسانية (أنثروبومورفية anthropomorphic) تخلع الصفات البشرية على غير الإنسان، وبخاصة الآلهة الوثنية في الأساطير القديمة. هكذا، تتحدث الأنا الناطقة في القصيدة إلى الموت الذي يغدو كائناً، تطلب منه القصيدة - الرؤيا الانتظار عند الباب لتودِّع الأنا داخلها في خارجها، وريثما تنهي زيارتها للمكان والزمان، وتعدّ حقيبتها للسفر الذي لا تعرف هل تعود منه أو لا تعود، وتنتقل من هذا الموقف إلى ما بعده الذي تضع فيه الموت موضع المساءلة، محدِّقة فيه، متأمِّلة إياه، بما ينزع عنه براثنه المخيفة وصولجانه، فتنتصر عليه بما يشبه المرآة التي قضى بها برسيوس Perseus على الميدوزا Medusa عندما جعلها ترى صورتها في المرآة فتدرك بشاعتها، وتفقد أقوى أسلحتها، وذلك في فعل يشبهه ما تقوم به الأنا المبدعة، في جدارية محمود درويش، حين تضع مرآة الإبداع أمام ناظري الموت، محدِّقة فيه، مروِّضة إياه، بما يمكِّنها من أن ترى أوسع من أحداقها، مؤكِّدة انتصار الفن على الموت. وعلى رغم أن الفن قرين القدرة المحدودة للإنسان فإن الإبداعات التي ينجزها تقهر الموت. وتلك هي معجزته التي تؤدي شعيرتها جدارية محمود درويش بعد أن نزعت عن الموت، غير هائبة منه، مظهره المرعب البشع، وبعد أن رأت مثل جلجامش، وعرفت مثل إنكيدو، فغدت أكثر تعاطفاً مع الموت الذي أدركت حقيقته المؤنسنة، فيبتعد عنها بما يكفي لمعرفة ما لا تعرف من حقيقته.ه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحياة اللندنية

Sunday, July 29, 2007

اقــرأ .. القعيد


يوسف القعيد ـ أهرام الاثنين 30 / 7

الأمر الجوهري الذي أحب التوقف أمامه أن في مصر ـ هنا والآن ـ حالة من الاهتمام بالكتاب‏.‏ وهو من الأمور المطلوبة لدرجة الالحاح‏.‏ لأن الكتاب يتعرض للاهمال‏.‏ وأيضا فإن عادة القراءة ليست من ثوابت الشخصية المصرية‏.‏ أو ربما كانت‏.‏ وتراجعت‏,‏ لدرجة أن الدكتور لويس عوض قال في منتصف القرن الماضي إن القاهرة تكتب‏.‏ وبيروت تنشر‏.‏ وبغداد تقرأ‏.‏ لقد تم حذف كلمة مهرجان هذا العام‏.‏ وهذا يجعلنا نأمل في دوام واستمرار المشروع علي مدي أيام العام كله‏.‏ لأن الاحتفال كان صيفيا فقط‏.‏ والقراءة حالة علينا أن نجعلها طبيعة ثانية للانسان المصري‏.‏ ويوشك الشعار أن يتغير من القراءة للجميع‏.‏ إلي القراءة للحياة‏.‏ أي أن القراءة مشروع من أجل الحياة‏.‏ ومن يقرأ يحلم‏.‏ ومن يحلم سيحب الحياة ويحافظ عليها ويدافع عنها‏.‏ وعلينا ألا ننسي أن كل تقدم حققته البشرية منذ فجر التاريخ وحتي الآن‏.‏ بدأ كحلم‏.‏ بالحلم يتجاوز الانسان واقعه‏.‏ ليس بالهروب منه‏.‏ ولا الالتفاف حوله‏.‏ ولكن بالخروج من أسر مشاكله‏.‏ ومواجهة همومه‏.‏والانتصار علي إحباطاته‏.‏ الاعلان الذي يدعو المصريين للقراءة أراه كثيرا في التليفزيون المصري وفي بعض التليفزيونات العربية‏.‏ يقوم به نجوم المجتمع‏.‏ الذين يطلبون منا القراءة‏.‏ ولكن لا أحد منهم يمسك بكتاب‏.‏ وكأنه يطلب من المواطن البحث عن شيء لا وجود له‏.‏ أو يوصيه بفعل لا توجد الأداة الرئيسية لقيامه وهي الكتاب‏.‏ لا اعتراض لدي علي أن يقوم لاعب الكرة بذلك‏.‏ لكن هل يقرأ لاعب الكرة نفسه بعيدا عن هذه المسألة؟ هل يمارس هو نفسه الفعل الذي يدعوني للاقبال عليه؟ ثم من الذي حشر المطرب الهارب من التجنيد في هذا الشيء الجميل؟ صحيح أنه قضي فترة العقوبة‏.‏ ولكن الهروب من خدمة الوطن جريمة معنوية لا تسقط بالتقادم‏.‏ربما راهن صناع الاعلان علي أن هذا المطرب له شعبية كاسحة مكتسحة بين الصبية والمراهقين والشباب الذين يمثلون نصف الحاضر وكل المستقبل‏.‏ ولذلك جاءوا به حتي يتأكدوا من اتجاه الشباب للقراءة‏.‏ ولكنهم لو تابعوا حفلة محمد منير علي مسرح الأوبرا‏.‏ وطلب نفس الصبية والمراهقين والشباب من نفس المطرب النزول من علي المسرح‏.‏ وعندما لم ينزل طلبوا من محمد منير أن يغني له‏:‏ خلي السلاح صاحي‏.‏ تجعل الانسان يقول لنفسه‏:‏ عمار يامصر‏.‏ وأن كل تصوراتنا عن هذا الجيل ربما كانت غير صحيحة‏.‏ وعلي كل منا أن يعيد النظر فيما يعتقده عن هؤلاء الشباب‏.‏ لكن تبقي مشكلة الاعلان والدعوة للقراءة‏.‏ إنها ربما سبقت وجود الكتاب في الواقع‏.‏وأنا أقصد كتب القراءة للحياة ـ أتمني تغيير الشعار علي الكتب عندما تصدر ـ وأقصد كتب مكتبة الأسرة التي تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب‏.‏ والمشروعان يكملان بعضهما‏.‏ أو هذا هو المفترض والمتوقع‏.‏ نحن لم نر بواكير أو بشاير لا القراءة للجميع ولا مكتبة الأسرة‏.‏ في اليابان شاهدت المواطن الياباني في محطة القطار يشتري تذكرة السفر‏.‏ وبعدها يشتري كتابا أو مجلة من كشك مجاور لقاطع التذاكر‏.‏ وشراء الكتاب يسبق شراء الطعام والشراب‏.‏ رغم أن القطار فيه سينما وفيديو‏.‏ لكن القراءة طبيعة ثانية للانسان الياباني‏.‏ وفي المقاهي الصغيرة‏.‏ يسأل الزبون عن الصحف اليومية قبل أن يسأل عن مشروبه ويقرأها ويعيدها للمقهي‏.‏ لدرجة أنه يعطي ظهره للآخرين‏.‏ ووجهه للجريدة‏.‏ ووراء الجريدة الحائط‏.‏ لم يأت للمقهي للثرثرة‏.‏ ولا لعب الطاولة‏.‏ ولا الكوتشينة‏.‏ ولكن لتناول مشروب‏.‏ ومع المشروب يقرأ الجريدة الصباحية‏.‏ يقرأها بعناية‏.‏ لا يبحث عن الصور‏.‏ ولا يجري وراء الرسومات‏.‏ ولكنه يقرأ‏.‏ مع العلم بأن التطلع في الصورة‏.‏ والتمعن في الرسم هو أيضا قراءة‏.‏عندما كنت في اليابان فوجئت بمهرجان خاص بالأنهار‏.‏ الكتب المكتوبة عن الأنهار‏.‏ المقاهي الخاصة بالأنهار‏.‏ وأدركت أن هذا الشعب يختلق أي فرصة وأي مناسبة من أجل تذكر الكتاب‏.‏ الذي لم ينسه أحد‏.‏ والاحتفاء به‏.‏ بل إنك لو سافرت إلي قرية الروائي كاوباتا ستكتشف أن القطار اسمه‏:‏ راقصة أيزو‏,‏ وهو عنوان الرواية الأولي التي كتبها كاوباتا‏.‏وفي قرية شكسبير استيراد فورد القريبة من لندن‏.‏ حتي كيس البطاطس عليه أبيات من شعر شكسبير‏.‏ وكل ما يباع في المدينة من هدايا له علاقة بشكسبير‏.‏ سواء بشعره أو مسرحه أو كل ما يتصل به‏.‏التحدي الحقيقي هو وصول الكتاب إلي القري والكفور والنجوع‏.‏ تلك التي لا تصل إليها الصحف في يوم صدورها‏.‏ وإن وصلت فتكون لها أسعار خاصة‏.‏ لأن هناك من ذهب إلي البندر وأحضرها‏.‏ وبالتالي فهو يحمل علي سعر الصحيفة مصاريف ذهابه وعودته‏.‏ وإن كان هذا يحدث مع الصحيفة فما بالك بالكتاب الذي لا يصل‏.‏ وإن وصل يكون وصوله معجزة‏.‏لست من الذين لم يجدوا في الورد عيبا فقالوا له يا أحمر الخدين‏.‏ ولكني أحلم ـ دائما وأبدا ـ أن نجعل من القراءة أسلوب حياة‏.‏ وأن ننشئ الأجيال الطالعة علي حبها‏.‏هل يصبح المشروع مناسبة بأن ننادي بمكتبة في كل بيت‏.‏ ومكتبة في كل حي‏.‏ ومكتبة في كل مدرسة‏.‏ قال لي إبراهيم المعلم إن الجنين يمكن أن يشعر بالرغبة في القراءة حتي وهو في بطن أمه‏.‏ وإن الصلة مع هذا الجنين ممكنة‏.‏ فكيف نقرأ له وهو جنين؟ ليكون أول فعل يقبل عليه بعد ولادته هو القراءة‏.‏ وقبل أن يتعلم القراءة‏.‏ تقرأ له أمه‏.‏ أو يقرأ له أبوه‏.‏ وهذا يتطلب أن نمحو أميتهما إن كانا من الأميين‏.‏ هل يصبح شعار القراءة للحياة مقدمتنا لمواجهة الأمية؟‏!‏ وتلك مسئولية مجتمع بأكمله‏.‏ الدولة والناس‏.‏ ومنظمات المجتمع المدني‏.‏ والجمعيات الأهلية‏.‏ والأحزاب السياسية‏.‏ لأنه من العار علينا أن تجتمع الأمية مع الكمبيوتر والانترنت والموبايل‏.‏ كان من المفروض ألا تكون في مصر أمية قبل دخولنا عصر هذه المنجزات العلمية‏.‏

Monday, July 23, 2007

عن السيرة الذاتية لمفكر أمين



بقلم محمد البرغوثي المصري اليوم : ٢٣/٧/٢٠٠٧
«ستة أشخاص ملأوا حياتي بالبهجة»
لم أندهش وأنا أقرأ هذه الجملة في مقدمة كتاب «ماذا علمتني الحياة؟» للدكتور جلال أمين، أستاذ الاقتصاد المرموق والكاتب الكبير، الذي يمتلك قدرة فائقة علي تناول أعقد الموضوعات السياسية والاقتصادية والفكرية بأسلوب شديد البساطة.
«ماذا علمتني الحياة؟».. كتاب عن السيرة الذاتية لمفكر مصري، عاش حياة طويلة حافلة بالأحداث العامة والخاصة، بدأ في تدوين فصوله قبل عشرين عاماً، ثم أصدره مؤخراً عن دار الشروق في مجلد يقع في حوالي ٤٠٠ صفحة من القطع الكبير، لا يمكنك - كقارئ - أن تملك نفسك من اللهاث عبر سطوره وصفحاته وفصوله، وأنت تتابع تطور حياة المصريين، من خلال حياة أسرة تعد نموذجاً مثالياً للطبقة المتوسطة المصرية، بكل ضعفها وقوتها، ومن خلال راصد موهوب،
امتلك ثقافة رفيعة، وعقلاً راجحاً، وشخصية قوية، منحته ميزة أن يتحدث أو يكتب، فإذا بما يقوله أو يكتبه، هو ذاته الذي كنت تشعر به أو تتمني أن تعبر عنه بهذه البساطة المذهلة، وإذا الذي كان مستعصياً علي الإدراك، يصبح في متناول فهم وإدراك أقل الناس ثقافة.
يبدأ الدكتور جلال أمين سيرته الرائعة بحكايتين، تحمل كل منهما مغزي عظيماً، الحكاية الأولي أنه قرأ مرة قولاً منسوباً لنحات مشهور، مؤداه أنه كان يفرح فرحاً عظيماً، عندما يصادف كتلة كبيرة من الحجر، «إذ كان بمجرد أن يراها يتصور التمثال الذي يمكن أن يستخرجه منها.. كان يتصور قطعة الحجر، وكأنها تحتوي في أحشائها علي هذا التمثال الكامن في خياله، وأن كل المطلوب منه أن يقتطع بمعوله قطعة صغيرة من الحجر، بعد أخري ويلقي بها جانباً، لكي يخرج هذا التمثال الرائع الكامن في جوفها».
ثم يقول جلال أمين: لو كان هذا التصور يعبر عن الحقيقة، لكان معناه أن النحات لا يصنع شيئاً في الحقيقة.. بل هو فقط يستبعد بعض الأشياء.. يستغني عن غير الضروري منها، ويستبقي فقط ما يستحق البقاء. ويخرج جلال أمين من هذه الحكاية بأن تمثالاً جميلاً يكمن في حياة كل منا، والمطلوب فقط هو الكشف عنه.
الحكاية الثانية أنه شاهد منذ سنوات كثيرة فيلماً بولندياً صامتاً، لا يزيد طوله علي عشر دقائق، وظلت قصته تعاوده من وقت لآخر، والفيلم يبدأ بمنظر بحر واسع، يخرج منه رجلان بكامل ملابسهما، ويحملان معاً دولاباً عتيقاً ضخماً، ويسير الرجلان في اتجاه الشاطئ، يحملان هذا الدولاب بمشقة كبيرة، حتي يصلا إلي البر في حالة إعياء شديد، ثم يبدآن في التجول في أنحاء المدينة، فإذا أرادا ركوب الترام حاولا صعود السلم بالدولاب،
وسط زحام الركاب وصيحات الاحتجاج، ولا يحتوي الفيلم بعد ذلك إلا علي محاولات مستميتة للاستمرار في الحياة، وهما يحملان هذا الدولاب الثقيل، إلي أن ينتهي بهما الأمر بالعودة إلي البحر، ومعهما أيضاً هذا الدولاب الضخم.
ويقول جلال أمين، مستخلصاً الحكمة من هذا الفيلم، إنه يتصور أن حاله وحال من يعرف، «وكأن كلا منا يحمل دولابه الثقيل، يأتي معه إلي الدنيا ويقضي حياته حاملاً إياه، دون أن تكون لديه أي فرصة للتخلص منه، ثم يموت وهو يحمله».
وهكذا، دون أدني ادعاد يؤكد مفكر مرموق، بحجم وموهبة وثقافة جلال أمين: إن هذا الدولاب هو قدر كل منا المحتوم، الذي يحكم تصرفاتنا ومشاعرنا واختياراتنا أو ما نظن أنها اختياراتنا. فأنا لم أختر أبي وأمي أو نوع العائلة التي نشأت بها أو عدد إخوتي وموقعي بينهم،
ولم أختر طولي أو قصري ولا درجة وسامتي أو دمامتي، أو مواطن القوة والضعف في جسمي وعقلي. كل هذا علي أن أحمله أينما ذهبت، وليس لدي أي أمل في التخلص منه.
ورغم هذه «الحتمية» التي يوحي جلال أمين لقارئ سيرته، أنها خلاصة ما تعلمه من الحياة، فإن القارئ سيصادف في كتابه، أرفع ما يمكن لإنسان أن يفعله بكتلة حجر تصادف أنها حياته، لكي يكشف عن جمال التمثال الكامن بداخلها، كما سيصادف إمكانية العودة إلي الرحم الذي جاء منه، دون أن يراكم في دولابه الثقيل شيئاً من الادعاء، أو شيئاً من العظمة الزائفة، وهذا بالضبط هو سر الاحترام والمهابة اللذين يتمتع بهما جلال أمين كإنسان ومفكر.

Wednesday, July 4, 2007

الغيطاني في الأهرام


جمال الغيطاني الحاصل علي جائزة الدولة في حوار مفتوح‏:‏تعلمت من نجيب محفوظ ان الادب مجاهدة وليس نزوة‏!‏
حوار‏:‏ نجلاء محفوظ ـ أهرام الخميس 5 /7 /2007

اختار لنفسه طريقا مختلفا منذ بداياته‏,‏ وسعي للتمرد المحسوب علي ماهو مألوف‏,‏ ولم يرض بغير الابداع رفيقا دائما في الحياة‏,‏ وقدم للأدب العربي ابداعات متميزة ترجمت إلي العديد من اللغات منها الزيني بركات ورسالة البصائر والمصائر‏,‏ وقائع حارة الزعفران‏,‏ رواية التجليات والتي حصل بها علي جائزة لورباتليون الفرنسية بالاجماع وتمت مقارنتها بالكوميديا الالهية لدانتي وعوليس لجيمس جويس‏..‏انه الأديب جمال الغيطاني الذي التقينا به في المنتدي الأدبي وكان هذا الحوار‏.قمت بكتابة أول قصة بعنوان نهاية السكير وانت ابن الرابعة عشر‏..‏ هل تغيرت ملامح مشروعك الابداعي‏.‏ واين تقف الآن من هذا المشروع؟‏!..‏علي المستوي الاستراتيجي لم تتغير فقد كنت اطمح الي تحقيق خصوصية النص المكتوب مرتبطة بالثقافة العربية والمصرية‏.‏ ولذا كتبت اوراق شاب عاش منذ الف عام ثم الزيني بركات وغيرهما وعلي المستوي التكتيكي يمكن القول انه تغير فهناك مراحل مثل الزيني بركات والتجليات بدءا من شطح المدينة التي تمثل مرحلة ثانية للخروج عن تقاليد السر والقديم الي مرحلة جديدة مختلفة تماما وفي دفاتر التدوين اتجهت الي عمق يتعلق بالتراث المصري القديم ومن رواية سفر البنان وما تلاها تعد مرحلة مفتوحة‏..‏تميزت معظم اعمالك بالغوص في التاريخ‏,‏ هل كان السبب الهروب‏(‏ الصريح‏)‏ في مواجهة الواقع أم تغليفه بالتاريخ لضمان قدر اكبر من الحرية؟‏!.‏ـ هل ذكر ما جري وبيع مصر في المزاد‏,‏ وهل التجليات هروب من الواقع‏..‏ لقد لجأت الي التاريخ لاهتمامي بقضية الزمن وسؤالي الكبير الذي صاحبني منذ كنت طفلا‏..‏ اين ذهب الأمس‏,‏ وهل يمكن إعادته ثانية‏..‏ هذا السؤال ظل بلا اجابة ولن اجد له اجابة‏,‏ ربما كان هو المحفز لمحاولة ايجاد الاجابة احيانا‏..‏ سؤالي كان خاصا بالزمن‏,‏ وما اكتبه يعد هما اساسيا يتعمق بداخلي مع التقدم في العمر وفوات معظم السنين‏,‏ فالكتابة مقاومة للعدم والفناء‏,‏ انا اكتب لابقي احفر اسمي علي الجدار لكي اظل موجودا‏..‏اما عن اسقاط الواقع علي التاريخ فقد ينطبق علي رواية الزيني بركات لكنه لم يكن هروبا يقدر ما كان ادائه للقهر في مطلقه‏,‏ لذا لجأت الي العصر المملوكي‏,‏ لانه مازال مستمرا‏,‏ فلم اغترب فيه لانه مازال قيمة موجود فنحن نرد جملة فلان بتاع فلان وهو ما يعني انه مملوكه‏,‏ وعندما يحصل أحد علي منصب يأخذ المقربين اليه‏,‏ بل ان نفس الاسباب هي التي ادت الي هزيمة الجيش المملوكي عام‏1517‏ هي نفس الاسباب التي أدت الي هزيمة يونيو‏..‏انت منغمس ابداعيا ومهنيا في المشهد الابداعي المصري‏..‏ نريد رؤيتك له بدون رتوش أو اي محاولة للتجميل‏..‏ـ الوضع الآن في مصر مأساوي حيث توجد مواهب لا يعرفها اي بلد اخر ولكنها تأتي من المجهول وتذهب الي المجهول‏.‏ بينما سبقتنا البلاد العربية الناهضة في مجال الثقافة لانهم يحسنون التعامل مع المواهب لديهم حيث يدركون بذكاء ان المبدع هو واجهة البلد‏,‏ واتعجب واتساءل باي مبدعين ستواجه مصر العالم بعد عشر سنين‏,‏ أي بعد ذهاب جيل الستينيات الذي تكون ضد التيار‏..‏ الاجيال الجديدة تعسة مع انه توجد بينهم مواهب افضل من جيلنا وتوجد غزارة في الابداعمن ناحية الانتاج يقابلها هدر لهذا الابداع من ناحية عدم الاستفادة منه وعدم وجود جهود لابرازه أو تهيئة الظروف الي وجود اسماء كبيرة‏..‏ لذا تعم حالة من الفوضي من المشهد الثقافي لانعدام المقاييس وعدم وجود حركة نقدية فعندما كتبت أوراق شاب عاش من ألف عام كانت هناك اسماء نقدية لها مصداقية‏,‏ فعندما يكتب عنك لويس عوض فكأنك اخذت ورقة دمغة لاعتمادك كأديب لقد تم تعييني في اخبار اليوم بسبب مقال كتبه عني محمود أمين العالم ولم أكن اعرفه عندئذ‏.‏أما الآن فالحياة الثقافية زاخرة بالصفقات والفساد المستتر فتجد أحدهم يكتب قصة قصيرة تافهة‏,‏ فينال المديح في تبادل للمصالح بصورة علنية فجة وينذر من لديه مصداقية نقدية‏.‏وبالطبع يوجد بعض النقاد داخل الجامعة لكنهم لم يخرجوا الي الحياة الثقافية العامة‏,‏ فلا يوجد لدينا لطيفة الزيات ولا رجاء النقاش جديد‏,‏ ولامندور‏.‏ اعرف أديبا شابا مبدعا للغاية ترك الادب ويقوم برعي الاغنام في الصعيد وهناك عشرات الاسماء التي كانت تبشر بالأمل اختفت بسبب ظروف الحياة المادية لقد قاوم جيلنا بسبب ان ظروفنا كانت أفضل علي كل النواحي النقدية والمادية والمجتمعية‏..‏ قربك الشديد من نجيب محفوظ‏..‏ ماذا اضاف لك‏..‏‏-‏ بعد وفاته لزمت الصمت‏,‏ علي المستوي الانساني انا محصلة نجيب محفوظ‏,‏ أبي أتي بي للعالم‏,‏ ونجيب رفقني وعلمني واعطاني القدرة‏,‏ عندما مررت بظروف صحية حرجة في عام‏96‏ كان نجيب يرسل السيدة زوجته لأقرب فندق في الساعة الحادية عشرة مساء يوميا لتتصل بي في خارج البلاد لتخبره بتقرير مفصل عن حالتي واستمر هذا الأمر مدة‏27‏ يوما وانا في المستشفي‏..‏لدي تفاصيل غزيرة انسانية ويبقي من نجيب محفوظ اعماله وآثارة تتعلق بادارة الحياة الثقافية ففي فرنسا احياء مستمر للرموز ممثلا يختارون عاما يكون فيه فيكتور هوجو كمادة مقررة في المناهج الدراسية ونقوم المجلات الأدبية باصدار ملاحق خاصة عنه‏..‏ اما نجيب محفوظ فبعد وفاته شكلت لجنة لتخليده ومر عام عليها ولانعرف ما الذي تم‏..‏ ويوجد تشابه نفسي وداخلي بيننا فيما تعلمته منه التقي عندي بخصائص نفسية مثل ان العلاقة بالأدب جوهرها مجاهدة واليست نزوة‏.‏ ونجيب اهتم برعاية موهبته بدأب النحل حتي وصل الي آخر ابداعاته احلام فترة النقاهة وهي تضاهي روائع شكسبير ورباعيات الخيام‏..‏ وتعلمت منه أن اعمل زي عمل وكأنني اعمله لأول مرة واحمد ربي أن رغبتي في القراءة تتزايد كما تعلمت منه الانضباط وتخصيص وقت للأدب ووقت للكتاب‏..‏واتمني أن أكون مثله في الرأفة والمودة والحرص علي الصداقات القديمة وقدرته علي مواجهة العالم باتزان داخلي‏,‏ بينما لدي انفجارات داخلية تؤرقني‏..‏تعرضت للاعتقال في اكتوبر‏1966..‏ هل تسببت هذه التجربة في اثرائك ابداعيا وانسانيا‏..‏ وكيف؟‏-‏ افادتني جدا واتخذت بسببها أهم قرار في حياتي وهو الا انضم لأي حزب لا علني ولاسري‏..‏ وقد تم حبسي خلالها‏40‏ يوما حبسا انفراديا مما اتاح لي الفرصة في استيطان ذاتي ومنحني القدرة علي المراجعة وكان عمري عندئذ‏21‏ عاما وكنت محظوظا حيث قمت بتحديد اولوياتي الأساسية في الحياة وأولاها الا أكون عضوا في أي تنظيم حتي لا أكون تابعا وأنا أكون حزبا بذاتي ودعمت خياراتي التي اخترتها منذ بداية حياتي ومنها الانحياز للفقراء وللعدالة الاجتماعية‏..‏هل شعرت فيها بالقهر؟‏-‏ بالطبع تعرضت للقهر حيث واجهت منظومة رهيبة تتطلب كسري ولكن عندما لم يحدث هذا الكسر ازددت قوة امام نفسي‏,‏ ولكن الذي لم اغفره انه الضابط الذي حقق معي قام بسب أمي‏..‏عندما كنت اتعرض للضرب كنت اعود سعيدا لأنهم لم ينتزعوا مني شيئا‏,‏ والحقيقة ان أصعب شيء في التعذيب لحظة انتظار التعذيب وليس وقوعه‏ لقد شغلتني فكرة الحرية قبل دخول المعتقل وكتبت عنها ولكن بعد دخوله اصبحت أكثر عمقا بداخلي بعد ان تعرضت شخصيا للقهر‏.‏تمردت علي المألوف في الكتابة الروائية والقصصية وغامرت مع المصطلحات الصوفية‏..‏ بماذا خرجت من هذه التجربة ابداعيا وانسانيا‏..‏-‏ هذه التجربة بمثابة مغامرة روحية لها اساس عندي فقد نشأت في حي الحسين‏,‏ ولدي القلق الروحي الخاص بقضية الوجود والزمان ولم يهدأ إلا بعد أن قرأت تراث الصوفية الكبار حيث وجدت أدبا موازيا للأدب البلاغي المعلن‏.‏ والأدب الصوفي به عمق ويحتاج جرأه مختلفة ونتاج معاناة ولابد من المرور بالتربية الروحية وهي جزء من عذابات التجربة الكتابية الجميلة‏..‏ وقد استفدت من التجربة من ناحية اللغة والرؤية والمعاناة التجريبية وكل هذا كان جزءا من مغامرة الابداع اللازمة للكاتب لكي يضيف الي التراث الانساني كله ومن لايفعل ذلك يصبح ناسخا وليس مبدعا‏.‏اتجهت اخيرا لتقديم برنامج تليفزيوني تناقش فيه جماليات كل من العمارة اوالموسيقي‏..‏ ما مدي صلة ذلك بإبداعك الأدب‏..‏‏
-‏ اهتمامي بالعمارة نتج عن تأمل طويل لنشأتي في الحي القديم ولا يمكن فهم مصر وروح مصر إلا من خلال فهم عمارتها وهي نهر الثقافة الخفي الذي يربط بين مراحل مصر الثقافية وبها تجليات متصلة وليست منفصلة‏.‏ ولابد من فهم المرحلة القبطية والاسلامية والقديمة بانصاف وهي لاتتعارض مع القومية او مع عروبة مصر‏.‏ واهتمامي بالعمارة نابع من اهتمامي بالموسيقي لأن الرواية ايقاع وكل عناصر الوجود أقوم بتوظيفها لخدمة الكتابة الروائية‏.‏‏قبل أن نرحل أصر الغيطاني علي توجيه الشكر لجامعة جنوب الوادي التي رشحته للجائزة وأصرت عليها لسنوات‏,‏ والشكر للمثقفين الذين أعطوه أعلي الأصوات‏,‏ ثم أهدي الجائزة راح يؤكدها لروح نجيب محفوظ‏.‏