Sunday, July 29, 2007

اقــرأ .. القعيد


يوسف القعيد ـ أهرام الاثنين 30 / 7

الأمر الجوهري الذي أحب التوقف أمامه أن في مصر ـ هنا والآن ـ حالة من الاهتمام بالكتاب‏.‏ وهو من الأمور المطلوبة لدرجة الالحاح‏.‏ لأن الكتاب يتعرض للاهمال‏.‏ وأيضا فإن عادة القراءة ليست من ثوابت الشخصية المصرية‏.‏ أو ربما كانت‏.‏ وتراجعت‏,‏ لدرجة أن الدكتور لويس عوض قال في منتصف القرن الماضي إن القاهرة تكتب‏.‏ وبيروت تنشر‏.‏ وبغداد تقرأ‏.‏ لقد تم حذف كلمة مهرجان هذا العام‏.‏ وهذا يجعلنا نأمل في دوام واستمرار المشروع علي مدي أيام العام كله‏.‏ لأن الاحتفال كان صيفيا فقط‏.‏ والقراءة حالة علينا أن نجعلها طبيعة ثانية للانسان المصري‏.‏ ويوشك الشعار أن يتغير من القراءة للجميع‏.‏ إلي القراءة للحياة‏.‏ أي أن القراءة مشروع من أجل الحياة‏.‏ ومن يقرأ يحلم‏.‏ ومن يحلم سيحب الحياة ويحافظ عليها ويدافع عنها‏.‏ وعلينا ألا ننسي أن كل تقدم حققته البشرية منذ فجر التاريخ وحتي الآن‏.‏ بدأ كحلم‏.‏ بالحلم يتجاوز الانسان واقعه‏.‏ ليس بالهروب منه‏.‏ ولا الالتفاف حوله‏.‏ ولكن بالخروج من أسر مشاكله‏.‏ ومواجهة همومه‏.‏والانتصار علي إحباطاته‏.‏ الاعلان الذي يدعو المصريين للقراءة أراه كثيرا في التليفزيون المصري وفي بعض التليفزيونات العربية‏.‏ يقوم به نجوم المجتمع‏.‏ الذين يطلبون منا القراءة‏.‏ ولكن لا أحد منهم يمسك بكتاب‏.‏ وكأنه يطلب من المواطن البحث عن شيء لا وجود له‏.‏ أو يوصيه بفعل لا توجد الأداة الرئيسية لقيامه وهي الكتاب‏.‏ لا اعتراض لدي علي أن يقوم لاعب الكرة بذلك‏.‏ لكن هل يقرأ لاعب الكرة نفسه بعيدا عن هذه المسألة؟ هل يمارس هو نفسه الفعل الذي يدعوني للاقبال عليه؟ ثم من الذي حشر المطرب الهارب من التجنيد في هذا الشيء الجميل؟ صحيح أنه قضي فترة العقوبة‏.‏ ولكن الهروب من خدمة الوطن جريمة معنوية لا تسقط بالتقادم‏.‏ربما راهن صناع الاعلان علي أن هذا المطرب له شعبية كاسحة مكتسحة بين الصبية والمراهقين والشباب الذين يمثلون نصف الحاضر وكل المستقبل‏.‏ ولذلك جاءوا به حتي يتأكدوا من اتجاه الشباب للقراءة‏.‏ ولكنهم لو تابعوا حفلة محمد منير علي مسرح الأوبرا‏.‏ وطلب نفس الصبية والمراهقين والشباب من نفس المطرب النزول من علي المسرح‏.‏ وعندما لم ينزل طلبوا من محمد منير أن يغني له‏:‏ خلي السلاح صاحي‏.‏ تجعل الانسان يقول لنفسه‏:‏ عمار يامصر‏.‏ وأن كل تصوراتنا عن هذا الجيل ربما كانت غير صحيحة‏.‏ وعلي كل منا أن يعيد النظر فيما يعتقده عن هؤلاء الشباب‏.‏ لكن تبقي مشكلة الاعلان والدعوة للقراءة‏.‏ إنها ربما سبقت وجود الكتاب في الواقع‏.‏وأنا أقصد كتب القراءة للحياة ـ أتمني تغيير الشعار علي الكتب عندما تصدر ـ وأقصد كتب مكتبة الأسرة التي تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب‏.‏ والمشروعان يكملان بعضهما‏.‏ أو هذا هو المفترض والمتوقع‏.‏ نحن لم نر بواكير أو بشاير لا القراءة للجميع ولا مكتبة الأسرة‏.‏ في اليابان شاهدت المواطن الياباني في محطة القطار يشتري تذكرة السفر‏.‏ وبعدها يشتري كتابا أو مجلة من كشك مجاور لقاطع التذاكر‏.‏ وشراء الكتاب يسبق شراء الطعام والشراب‏.‏ رغم أن القطار فيه سينما وفيديو‏.‏ لكن القراءة طبيعة ثانية للانسان الياباني‏.‏ وفي المقاهي الصغيرة‏.‏ يسأل الزبون عن الصحف اليومية قبل أن يسأل عن مشروبه ويقرأها ويعيدها للمقهي‏.‏ لدرجة أنه يعطي ظهره للآخرين‏.‏ ووجهه للجريدة‏.‏ ووراء الجريدة الحائط‏.‏ لم يأت للمقهي للثرثرة‏.‏ ولا لعب الطاولة‏.‏ ولا الكوتشينة‏.‏ ولكن لتناول مشروب‏.‏ ومع المشروب يقرأ الجريدة الصباحية‏.‏ يقرأها بعناية‏.‏ لا يبحث عن الصور‏.‏ ولا يجري وراء الرسومات‏.‏ ولكنه يقرأ‏.‏ مع العلم بأن التطلع في الصورة‏.‏ والتمعن في الرسم هو أيضا قراءة‏.‏عندما كنت في اليابان فوجئت بمهرجان خاص بالأنهار‏.‏ الكتب المكتوبة عن الأنهار‏.‏ المقاهي الخاصة بالأنهار‏.‏ وأدركت أن هذا الشعب يختلق أي فرصة وأي مناسبة من أجل تذكر الكتاب‏.‏ الذي لم ينسه أحد‏.‏ والاحتفاء به‏.‏ بل إنك لو سافرت إلي قرية الروائي كاوباتا ستكتشف أن القطار اسمه‏:‏ راقصة أيزو‏,‏ وهو عنوان الرواية الأولي التي كتبها كاوباتا‏.‏وفي قرية شكسبير استيراد فورد القريبة من لندن‏.‏ حتي كيس البطاطس عليه أبيات من شعر شكسبير‏.‏ وكل ما يباع في المدينة من هدايا له علاقة بشكسبير‏.‏ سواء بشعره أو مسرحه أو كل ما يتصل به‏.‏التحدي الحقيقي هو وصول الكتاب إلي القري والكفور والنجوع‏.‏ تلك التي لا تصل إليها الصحف في يوم صدورها‏.‏ وإن وصلت فتكون لها أسعار خاصة‏.‏ لأن هناك من ذهب إلي البندر وأحضرها‏.‏ وبالتالي فهو يحمل علي سعر الصحيفة مصاريف ذهابه وعودته‏.‏ وإن كان هذا يحدث مع الصحيفة فما بالك بالكتاب الذي لا يصل‏.‏ وإن وصل يكون وصوله معجزة‏.‏لست من الذين لم يجدوا في الورد عيبا فقالوا له يا أحمر الخدين‏.‏ ولكني أحلم ـ دائما وأبدا ـ أن نجعل من القراءة أسلوب حياة‏.‏ وأن ننشئ الأجيال الطالعة علي حبها‏.‏هل يصبح المشروع مناسبة بأن ننادي بمكتبة في كل بيت‏.‏ ومكتبة في كل حي‏.‏ ومكتبة في كل مدرسة‏.‏ قال لي إبراهيم المعلم إن الجنين يمكن أن يشعر بالرغبة في القراءة حتي وهو في بطن أمه‏.‏ وإن الصلة مع هذا الجنين ممكنة‏.‏ فكيف نقرأ له وهو جنين؟ ليكون أول فعل يقبل عليه بعد ولادته هو القراءة‏.‏ وقبل أن يتعلم القراءة‏.‏ تقرأ له أمه‏.‏ أو يقرأ له أبوه‏.‏ وهذا يتطلب أن نمحو أميتهما إن كانا من الأميين‏.‏ هل يصبح شعار القراءة للحياة مقدمتنا لمواجهة الأمية؟‏!‏ وتلك مسئولية مجتمع بأكمله‏.‏ الدولة والناس‏.‏ ومنظمات المجتمع المدني‏.‏ والجمعيات الأهلية‏.‏ والأحزاب السياسية‏.‏ لأنه من العار علينا أن تجتمع الأمية مع الكمبيوتر والانترنت والموبايل‏.‏ كان من المفروض ألا تكون في مصر أمية قبل دخولنا عصر هذه المنجزات العلمية‏.‏

Monday, July 23, 2007

عن السيرة الذاتية لمفكر أمين



بقلم محمد البرغوثي المصري اليوم : ٢٣/٧/٢٠٠٧
«ستة أشخاص ملأوا حياتي بالبهجة»
لم أندهش وأنا أقرأ هذه الجملة في مقدمة كتاب «ماذا علمتني الحياة؟» للدكتور جلال أمين، أستاذ الاقتصاد المرموق والكاتب الكبير، الذي يمتلك قدرة فائقة علي تناول أعقد الموضوعات السياسية والاقتصادية والفكرية بأسلوب شديد البساطة.
«ماذا علمتني الحياة؟».. كتاب عن السيرة الذاتية لمفكر مصري، عاش حياة طويلة حافلة بالأحداث العامة والخاصة، بدأ في تدوين فصوله قبل عشرين عاماً، ثم أصدره مؤخراً عن دار الشروق في مجلد يقع في حوالي ٤٠٠ صفحة من القطع الكبير، لا يمكنك - كقارئ - أن تملك نفسك من اللهاث عبر سطوره وصفحاته وفصوله، وأنت تتابع تطور حياة المصريين، من خلال حياة أسرة تعد نموذجاً مثالياً للطبقة المتوسطة المصرية، بكل ضعفها وقوتها، ومن خلال راصد موهوب،
امتلك ثقافة رفيعة، وعقلاً راجحاً، وشخصية قوية، منحته ميزة أن يتحدث أو يكتب، فإذا بما يقوله أو يكتبه، هو ذاته الذي كنت تشعر به أو تتمني أن تعبر عنه بهذه البساطة المذهلة، وإذا الذي كان مستعصياً علي الإدراك، يصبح في متناول فهم وإدراك أقل الناس ثقافة.
يبدأ الدكتور جلال أمين سيرته الرائعة بحكايتين، تحمل كل منهما مغزي عظيماً، الحكاية الأولي أنه قرأ مرة قولاً منسوباً لنحات مشهور، مؤداه أنه كان يفرح فرحاً عظيماً، عندما يصادف كتلة كبيرة من الحجر، «إذ كان بمجرد أن يراها يتصور التمثال الذي يمكن أن يستخرجه منها.. كان يتصور قطعة الحجر، وكأنها تحتوي في أحشائها علي هذا التمثال الكامن في خياله، وأن كل المطلوب منه أن يقتطع بمعوله قطعة صغيرة من الحجر، بعد أخري ويلقي بها جانباً، لكي يخرج هذا التمثال الرائع الكامن في جوفها».
ثم يقول جلال أمين: لو كان هذا التصور يعبر عن الحقيقة، لكان معناه أن النحات لا يصنع شيئاً في الحقيقة.. بل هو فقط يستبعد بعض الأشياء.. يستغني عن غير الضروري منها، ويستبقي فقط ما يستحق البقاء. ويخرج جلال أمين من هذه الحكاية بأن تمثالاً جميلاً يكمن في حياة كل منا، والمطلوب فقط هو الكشف عنه.
الحكاية الثانية أنه شاهد منذ سنوات كثيرة فيلماً بولندياً صامتاً، لا يزيد طوله علي عشر دقائق، وظلت قصته تعاوده من وقت لآخر، والفيلم يبدأ بمنظر بحر واسع، يخرج منه رجلان بكامل ملابسهما، ويحملان معاً دولاباً عتيقاً ضخماً، ويسير الرجلان في اتجاه الشاطئ، يحملان هذا الدولاب بمشقة كبيرة، حتي يصلا إلي البر في حالة إعياء شديد، ثم يبدآن في التجول في أنحاء المدينة، فإذا أرادا ركوب الترام حاولا صعود السلم بالدولاب،
وسط زحام الركاب وصيحات الاحتجاج، ولا يحتوي الفيلم بعد ذلك إلا علي محاولات مستميتة للاستمرار في الحياة، وهما يحملان هذا الدولاب الثقيل، إلي أن ينتهي بهما الأمر بالعودة إلي البحر، ومعهما أيضاً هذا الدولاب الضخم.
ويقول جلال أمين، مستخلصاً الحكمة من هذا الفيلم، إنه يتصور أن حاله وحال من يعرف، «وكأن كلا منا يحمل دولابه الثقيل، يأتي معه إلي الدنيا ويقضي حياته حاملاً إياه، دون أن تكون لديه أي فرصة للتخلص منه، ثم يموت وهو يحمله».
وهكذا، دون أدني ادعاد يؤكد مفكر مرموق، بحجم وموهبة وثقافة جلال أمين: إن هذا الدولاب هو قدر كل منا المحتوم، الذي يحكم تصرفاتنا ومشاعرنا واختياراتنا أو ما نظن أنها اختياراتنا. فأنا لم أختر أبي وأمي أو نوع العائلة التي نشأت بها أو عدد إخوتي وموقعي بينهم،
ولم أختر طولي أو قصري ولا درجة وسامتي أو دمامتي، أو مواطن القوة والضعف في جسمي وعقلي. كل هذا علي أن أحمله أينما ذهبت، وليس لدي أي أمل في التخلص منه.
ورغم هذه «الحتمية» التي يوحي جلال أمين لقارئ سيرته، أنها خلاصة ما تعلمه من الحياة، فإن القارئ سيصادف في كتابه، أرفع ما يمكن لإنسان أن يفعله بكتلة حجر تصادف أنها حياته، لكي يكشف عن جمال التمثال الكامن بداخلها، كما سيصادف إمكانية العودة إلي الرحم الذي جاء منه، دون أن يراكم في دولابه الثقيل شيئاً من الادعاء، أو شيئاً من العظمة الزائفة، وهذا بالضبط هو سر الاحترام والمهابة اللذين يتمتع بهما جلال أمين كإنسان ومفكر.

Wednesday, July 4, 2007

الغيطاني في الأهرام


جمال الغيطاني الحاصل علي جائزة الدولة في حوار مفتوح‏:‏تعلمت من نجيب محفوظ ان الادب مجاهدة وليس نزوة‏!‏
حوار‏:‏ نجلاء محفوظ ـ أهرام الخميس 5 /7 /2007

اختار لنفسه طريقا مختلفا منذ بداياته‏,‏ وسعي للتمرد المحسوب علي ماهو مألوف‏,‏ ولم يرض بغير الابداع رفيقا دائما في الحياة‏,‏ وقدم للأدب العربي ابداعات متميزة ترجمت إلي العديد من اللغات منها الزيني بركات ورسالة البصائر والمصائر‏,‏ وقائع حارة الزعفران‏,‏ رواية التجليات والتي حصل بها علي جائزة لورباتليون الفرنسية بالاجماع وتمت مقارنتها بالكوميديا الالهية لدانتي وعوليس لجيمس جويس‏..‏انه الأديب جمال الغيطاني الذي التقينا به في المنتدي الأدبي وكان هذا الحوار‏.قمت بكتابة أول قصة بعنوان نهاية السكير وانت ابن الرابعة عشر‏..‏ هل تغيرت ملامح مشروعك الابداعي‏.‏ واين تقف الآن من هذا المشروع؟‏!..‏علي المستوي الاستراتيجي لم تتغير فقد كنت اطمح الي تحقيق خصوصية النص المكتوب مرتبطة بالثقافة العربية والمصرية‏.‏ ولذا كتبت اوراق شاب عاش منذ الف عام ثم الزيني بركات وغيرهما وعلي المستوي التكتيكي يمكن القول انه تغير فهناك مراحل مثل الزيني بركات والتجليات بدءا من شطح المدينة التي تمثل مرحلة ثانية للخروج عن تقاليد السر والقديم الي مرحلة جديدة مختلفة تماما وفي دفاتر التدوين اتجهت الي عمق يتعلق بالتراث المصري القديم ومن رواية سفر البنان وما تلاها تعد مرحلة مفتوحة‏..‏تميزت معظم اعمالك بالغوص في التاريخ‏,‏ هل كان السبب الهروب‏(‏ الصريح‏)‏ في مواجهة الواقع أم تغليفه بالتاريخ لضمان قدر اكبر من الحرية؟‏!.‏ـ هل ذكر ما جري وبيع مصر في المزاد‏,‏ وهل التجليات هروب من الواقع‏..‏ لقد لجأت الي التاريخ لاهتمامي بقضية الزمن وسؤالي الكبير الذي صاحبني منذ كنت طفلا‏..‏ اين ذهب الأمس‏,‏ وهل يمكن إعادته ثانية‏..‏ هذا السؤال ظل بلا اجابة ولن اجد له اجابة‏,‏ ربما كان هو المحفز لمحاولة ايجاد الاجابة احيانا‏..‏ سؤالي كان خاصا بالزمن‏,‏ وما اكتبه يعد هما اساسيا يتعمق بداخلي مع التقدم في العمر وفوات معظم السنين‏,‏ فالكتابة مقاومة للعدم والفناء‏,‏ انا اكتب لابقي احفر اسمي علي الجدار لكي اظل موجودا‏..‏اما عن اسقاط الواقع علي التاريخ فقد ينطبق علي رواية الزيني بركات لكنه لم يكن هروبا يقدر ما كان ادائه للقهر في مطلقه‏,‏ لذا لجأت الي العصر المملوكي‏,‏ لانه مازال مستمرا‏,‏ فلم اغترب فيه لانه مازال قيمة موجود فنحن نرد جملة فلان بتاع فلان وهو ما يعني انه مملوكه‏,‏ وعندما يحصل أحد علي منصب يأخذ المقربين اليه‏,‏ بل ان نفس الاسباب هي التي ادت الي هزيمة الجيش المملوكي عام‏1517‏ هي نفس الاسباب التي أدت الي هزيمة يونيو‏..‏انت منغمس ابداعيا ومهنيا في المشهد الابداعي المصري‏..‏ نريد رؤيتك له بدون رتوش أو اي محاولة للتجميل‏..‏ـ الوضع الآن في مصر مأساوي حيث توجد مواهب لا يعرفها اي بلد اخر ولكنها تأتي من المجهول وتذهب الي المجهول‏.‏ بينما سبقتنا البلاد العربية الناهضة في مجال الثقافة لانهم يحسنون التعامل مع المواهب لديهم حيث يدركون بذكاء ان المبدع هو واجهة البلد‏,‏ واتعجب واتساءل باي مبدعين ستواجه مصر العالم بعد عشر سنين‏,‏ أي بعد ذهاب جيل الستينيات الذي تكون ضد التيار‏..‏ الاجيال الجديدة تعسة مع انه توجد بينهم مواهب افضل من جيلنا وتوجد غزارة في الابداعمن ناحية الانتاج يقابلها هدر لهذا الابداع من ناحية عدم الاستفادة منه وعدم وجود جهود لابرازه أو تهيئة الظروف الي وجود اسماء كبيرة‏..‏ لذا تعم حالة من الفوضي من المشهد الثقافي لانعدام المقاييس وعدم وجود حركة نقدية فعندما كتبت أوراق شاب عاش من ألف عام كانت هناك اسماء نقدية لها مصداقية‏,‏ فعندما يكتب عنك لويس عوض فكأنك اخذت ورقة دمغة لاعتمادك كأديب لقد تم تعييني في اخبار اليوم بسبب مقال كتبه عني محمود أمين العالم ولم أكن اعرفه عندئذ‏.‏أما الآن فالحياة الثقافية زاخرة بالصفقات والفساد المستتر فتجد أحدهم يكتب قصة قصيرة تافهة‏,‏ فينال المديح في تبادل للمصالح بصورة علنية فجة وينذر من لديه مصداقية نقدية‏.‏وبالطبع يوجد بعض النقاد داخل الجامعة لكنهم لم يخرجوا الي الحياة الثقافية العامة‏,‏ فلا يوجد لدينا لطيفة الزيات ولا رجاء النقاش جديد‏,‏ ولامندور‏.‏ اعرف أديبا شابا مبدعا للغاية ترك الادب ويقوم برعي الاغنام في الصعيد وهناك عشرات الاسماء التي كانت تبشر بالأمل اختفت بسبب ظروف الحياة المادية لقد قاوم جيلنا بسبب ان ظروفنا كانت أفضل علي كل النواحي النقدية والمادية والمجتمعية‏..‏ قربك الشديد من نجيب محفوظ‏..‏ ماذا اضاف لك‏..‏‏-‏ بعد وفاته لزمت الصمت‏,‏ علي المستوي الانساني انا محصلة نجيب محفوظ‏,‏ أبي أتي بي للعالم‏,‏ ونجيب رفقني وعلمني واعطاني القدرة‏,‏ عندما مررت بظروف صحية حرجة في عام‏96‏ كان نجيب يرسل السيدة زوجته لأقرب فندق في الساعة الحادية عشرة مساء يوميا لتتصل بي في خارج البلاد لتخبره بتقرير مفصل عن حالتي واستمر هذا الأمر مدة‏27‏ يوما وانا في المستشفي‏..‏لدي تفاصيل غزيرة انسانية ويبقي من نجيب محفوظ اعماله وآثارة تتعلق بادارة الحياة الثقافية ففي فرنسا احياء مستمر للرموز ممثلا يختارون عاما يكون فيه فيكتور هوجو كمادة مقررة في المناهج الدراسية ونقوم المجلات الأدبية باصدار ملاحق خاصة عنه‏..‏ اما نجيب محفوظ فبعد وفاته شكلت لجنة لتخليده ومر عام عليها ولانعرف ما الذي تم‏..‏ ويوجد تشابه نفسي وداخلي بيننا فيما تعلمته منه التقي عندي بخصائص نفسية مثل ان العلاقة بالأدب جوهرها مجاهدة واليست نزوة‏.‏ ونجيب اهتم برعاية موهبته بدأب النحل حتي وصل الي آخر ابداعاته احلام فترة النقاهة وهي تضاهي روائع شكسبير ورباعيات الخيام‏..‏ وتعلمت منه أن اعمل زي عمل وكأنني اعمله لأول مرة واحمد ربي أن رغبتي في القراءة تتزايد كما تعلمت منه الانضباط وتخصيص وقت للأدب ووقت للكتاب‏..‏واتمني أن أكون مثله في الرأفة والمودة والحرص علي الصداقات القديمة وقدرته علي مواجهة العالم باتزان داخلي‏,‏ بينما لدي انفجارات داخلية تؤرقني‏..‏تعرضت للاعتقال في اكتوبر‏1966..‏ هل تسببت هذه التجربة في اثرائك ابداعيا وانسانيا‏..‏ وكيف؟‏-‏ افادتني جدا واتخذت بسببها أهم قرار في حياتي وهو الا انضم لأي حزب لا علني ولاسري‏..‏ وقد تم حبسي خلالها‏40‏ يوما حبسا انفراديا مما اتاح لي الفرصة في استيطان ذاتي ومنحني القدرة علي المراجعة وكان عمري عندئذ‏21‏ عاما وكنت محظوظا حيث قمت بتحديد اولوياتي الأساسية في الحياة وأولاها الا أكون عضوا في أي تنظيم حتي لا أكون تابعا وأنا أكون حزبا بذاتي ودعمت خياراتي التي اخترتها منذ بداية حياتي ومنها الانحياز للفقراء وللعدالة الاجتماعية‏..‏هل شعرت فيها بالقهر؟‏-‏ بالطبع تعرضت للقهر حيث واجهت منظومة رهيبة تتطلب كسري ولكن عندما لم يحدث هذا الكسر ازددت قوة امام نفسي‏,‏ ولكن الذي لم اغفره انه الضابط الذي حقق معي قام بسب أمي‏..‏عندما كنت اتعرض للضرب كنت اعود سعيدا لأنهم لم ينتزعوا مني شيئا‏,‏ والحقيقة ان أصعب شيء في التعذيب لحظة انتظار التعذيب وليس وقوعه‏ لقد شغلتني فكرة الحرية قبل دخول المعتقل وكتبت عنها ولكن بعد دخوله اصبحت أكثر عمقا بداخلي بعد ان تعرضت شخصيا للقهر‏.‏تمردت علي المألوف في الكتابة الروائية والقصصية وغامرت مع المصطلحات الصوفية‏..‏ بماذا خرجت من هذه التجربة ابداعيا وانسانيا‏..‏-‏ هذه التجربة بمثابة مغامرة روحية لها اساس عندي فقد نشأت في حي الحسين‏,‏ ولدي القلق الروحي الخاص بقضية الوجود والزمان ولم يهدأ إلا بعد أن قرأت تراث الصوفية الكبار حيث وجدت أدبا موازيا للأدب البلاغي المعلن‏.‏ والأدب الصوفي به عمق ويحتاج جرأه مختلفة ونتاج معاناة ولابد من المرور بالتربية الروحية وهي جزء من عذابات التجربة الكتابية الجميلة‏..‏ وقد استفدت من التجربة من ناحية اللغة والرؤية والمعاناة التجريبية وكل هذا كان جزءا من مغامرة الابداع اللازمة للكاتب لكي يضيف الي التراث الانساني كله ومن لايفعل ذلك يصبح ناسخا وليس مبدعا‏.‏اتجهت اخيرا لتقديم برنامج تليفزيوني تناقش فيه جماليات كل من العمارة اوالموسيقي‏..‏ ما مدي صلة ذلك بإبداعك الأدب‏..‏‏
-‏ اهتمامي بالعمارة نتج عن تأمل طويل لنشأتي في الحي القديم ولا يمكن فهم مصر وروح مصر إلا من خلال فهم عمارتها وهي نهر الثقافة الخفي الذي يربط بين مراحل مصر الثقافية وبها تجليات متصلة وليست منفصلة‏.‏ ولابد من فهم المرحلة القبطية والاسلامية والقديمة بانصاف وهي لاتتعارض مع القومية او مع عروبة مصر‏.‏ واهتمامي بالعمارة نابع من اهتمامي بالموسيقي لأن الرواية ايقاع وكل عناصر الوجود أقوم بتوظيفها لخدمة الكتابة الروائية‏.‏‏قبل أن نرحل أصر الغيطاني علي توجيه الشكر لجامعة جنوب الوادي التي رشحته للجائزة وأصرت عليها لسنوات‏,‏ والشكر للمثقفين الذين أعطوه أعلي الأصوات‏,‏ ثم أهدي الجائزة راح يؤكدها لروح نجيب محفوظ‏.‏

Tuesday, June 26, 2007

جائزة نازك الملائكة‏

جائزة نازك الملائكة‏!
‏بقلم : أحمد عبدالمعطي حجازي
أهرام الأربعاء 27 / 6
أشعر بالحزن والألم لأننا لم نحتفل بنازك الملائكة يوم دخلت مصر منذ أكثر من عشرة أعوام في غفلة عنالتقضي فيها بقية أيامها‏,‏ ولأننا لم نودع نازك الملائكة حين رحلت قبل أيام عن دنيانا‏,‏ لأنها آثرت أن تعيش أيامها الأخيرة في عزلة عن العالم لا يصلها به إلا ولدها البار الذي لم نكن نراه إلا حين يصدر لها كتاب يحمل لنا نسخة منه ثم يغيب فلا نستطيع أن نتصل بها أو نتابع أخبارها‏.‏ولقد كانت مصر لنازك الملائكة وطنا روحيا ارتبطت به منذ فتحت عينيها علي الدنيا‏,‏ فرأت بلدا عربيا يضج بحياة جديدة كانت بالنسبة للبلاد الأخري حلما من الأحلام‏.‏ومع أن الشعر كان دائما فنا حيا في العراق‏,‏ فقد وجدت نازك الملائكة نفسها أكثر في شعر الرومانتيكيين المصريين‏,‏ الذين عاصرت بداياتهم كقارئة‏,‏ إذ ولدت في أوائل العشرينيات من القرن الماضي في عائلة بغدادية مثقفة‏,‏ ومعني هذا أنها كانت قادرة علي قراءة الشعر وتذوقه في أواسط الثلاثينيات‏,‏ أي في السنوات التي تشكلت فيها جماعة أبوللو في مصر‏,‏ وظهرت مجلتها التي استطاعت في عمرها القصير أن تمنح الشعر العربي حياة جديدة بما قدمته علي صفحاتها من أشعار وأفكار جديدة‏,‏ وبقدرتها علي تحقيق التواصل بين الشعراء العرب بعضهم وبعض‏,‏ وبين هؤلاء وقرائهم‏,‏ كانت تنشر لمطران وأبي شادي وناجي والهمشري ومحمود حسن إسماعيل وسواهم من المصريين‏,‏ كما تنشر لإيليا أبي ماضي وأبي القاسم الشابي ومحمد مهدي الجواهري والتيجاني يوسف بشير وسواهم من شعراء الأقطار الأخري‏,‏ وفي شعر نازك أثر قوي من شعر المهجريين اللبنانيين والرومانتيكيين المصريين‏,‏ خاصة علي محمود طه الذي ظهر ديوانه الأول الملاح التائه ونازك في نحو الثانية عشرة من عمرها‏.‏من الطبيعي إذن أن تكون القصيدة الأولي التي قدمت بها نازك نفسها لقراء الشعر وللحركة الشعرية العربية عامة‏,‏ هي قصيدتها الكوليرا التي عبرت فيها عن حزنها العميق لما أصاب مصر من شرور هذا الوباء الذي داهمها عام‏1947,‏ فراح ضحيته آلاف المصريين‏:‏يا شبح الهيضة ما أبقيتلا شئ سوي أحزان الموتالموت‏!‏ الموت‏!‏ الموت‏!‏يا مصر شعوري مزقه ما فعل الموت‏!‏لو كانت لدينا حركة نقدية يقظة مسئولة مؤهلة لجعلت هذا العام ـ الذي تحل فيه الذكري الستون لظهور قصيدة الكوليرا وهي القصيدة التي تعتبرها نازك الملائكة بداية لحركة الشعر الحر ـ عام مراجعة وتقويم وتأصيل لما قدمه رواد التجديد من العراقيين وغير العراقيين وخاصة نازك الملائكة وبدر شاكر السياب‏,‏ الذي صدر ديوانه الأول كذلك أزهار ذابلة في العام الذي ظهرت فيه قصيدة نازك‏,‏ لكن معظم المتهمين اليوم بالنقد ليسوا نقادا‏,‏ خاصة حين يكون عليهم أن يقفوا أمام الشعر وقفة صادقة ينفذون فيه الي داخله‏,‏ ويفسرون أبنيته المعنوية والايقاعية‏,‏ ويكشفون عن الروابط الظاهرة والخفية التي تشد هذه الأبنية بعضها الي بعض في قصيدة واحدة‏.‏النقاد الحقيقيون لا مكان لهم في حياتنا الأدبية‏,‏ والمتهمون بالنقد مشغولون بغير النقد‏,‏ وغير الأدب‏!‏وعواطف نازك تجاه مصر ليست عواطفها وحدها‏,‏ بل هي عواطف بغداد كلها كما تقول في قصيدتها عن الوحدة العربية‏:‏واستفاقت بغداد نشوي تغنيوهي تسقي ورود أجمل فجرخفقت في سمائها راية الوحدة‏,‏يا للحلم الجميل النضرقلبها‏,‏ قلبها المشوق إلي مصر طويلا‏,‏قد ضم تربة مصرلكن مصر في شعر نازك ليست مجرد موضوع‏,‏ وليست مجرد مناسبة‏,‏ وإنما هي وطن روحي كما قلت‏,‏ أو بالأحري ثقافة ولغة‏,‏ لغة تتواصل بها نازك مع واقع تحلم به ولا تدرك منه شيئا‏,‏ واقع يفلت من يدها ويفر لأنها هي التي تصنعه بأحلامها التي لا تتحقق‏,‏ انه يوتوبيا الضائعة كما تقول في قصيدتها التي تحمل هذا الاسم‏,‏ أو هو الغد الذي تبحث عنه في قصيدة أخري‏.‏يداك للمس النجومونسج الغيوميداك لجمع الظلالوتشييد يوتوبيا في الرمال‏!‏ونحن نقرأ أشعار نازك الأولي‏,‏ التي نظمتها في أواسط الأربعينيات ونشرتها متأخرة في أوائل الستينيات‏,‏ ومنها المطولة التي سمتها مأساة الحياة والمطولة الأخري التي سمتها أغنية للإنسان‏,‏ نجد فيها من لغة الشعراء الرومانتيكيين المصريين أكثر بكثير مما نجد من لغة الشعراء العراقيين‏,‏ الذين لم يشاركوا إلا قليلا في الحركة الرومانتيكية‏.‏ المعجم‏,‏ والأوزان والموضوعات مستلهمة كلها من شعراء أبوللو‏.‏ والمساحة لا تتسع لمقارنات في المفردات المستعملة‏,‏ لكن الموضوع الذي تدور حوله قصائد نازك الأولي هو الموضوع الذي تدور حوله بصورة أو بأخري قصائد المصريين‏,‏ خاصة علي محمود طه ومحمد عبدالمعطي الهمشري‏,‏ وهو أن الحياة التي نعيشها مأساة نهرب منها الي الحلم‏,‏ أو الي الطبيعة‏,‏ أو الي النشوة الحسية أو الروحية‏,‏ والوزن الذي استخدمته نازك في قصائدها الأولي وظلت تحن إليه في قصائدها التالية هو وزن الخفيف الذي نظم فيه شاعر الجندول عددا كبيرا من قصائده‏,‏ ونظم فيه الهمشري ملحمته شاطئ الأعراف‏,‏ ويكفي أن نقارن بين قصيدة علي محمود طه غرفة الشاعر وقصيدة نازك مأساة الشاعر‏,‏ لنري أثر الأولي في هذه الأخيرة‏.‏غير أن نازك التي قرأت الرومانتيكيين المصريين والمهجريين‏,‏ قرأت الرومانتيكيين الانجليز وخرجت من هؤلاء جميعا بلغة جديدة هي لغة نازك الملائكة‏,‏ التي نظمت بها معظم قصائدها ولعبت بها دورها الرائد في حركة التجديد‏.‏فماذا صنعنا نحن لنازك؟لقد تصرفنا معها كأننا لا نعرفها‏,‏ وفي مؤتمر الشعر الذي عقدناه في فبراير الماضي تمنيت أن تكون نازك أول من يفوز بجائزة المؤتمر‏,‏ وعبرت عن هذا الرأي بالقدر الذي كان متاحا‏,‏ لكن الذين انفردوا بتشكيل لجنة التحكيم وجهوا اللجنة ووجهوا الجائزة وجهة أخري‏.‏ومع هذا فقد حصلت نازك علي جائزتها الكبري‏,‏ حصلت عليها يوم كتبت أول قصيدة‏,‏ ويوم كتبت آخر قصيدة‏,‏ ويوم دعت الي الشعر الجديد‏,‏ فاستجاب الناس للدعوة‏,‏ وظهر جيل جديد من الشعراء‏,‏ وحل الشعر الجديد محل الشعر القديم‏!‏

Thursday, May 10, 2007

كلاكيت أول مـــــرة !



اضغــــط ... واستمع
لقراءة نصوص أخـرى ..>> هنــا

Sunday, April 29, 2007

لماذا لا يقرأون أدبنا؟!... بهاء طاهر


عن الأدب ولندن والأستاذ أسامة!
لماذا لا يقرأون أدبنا؟!
كتب بـهــاء طــاهر ــ العربي الناصري 28/4:

كان لابد أن أقول كل شيء فى عشر دقائق لا أكثر! وعندما عرضت مشكلتى على صديقى العزيز الشاعر الدكتور نصار عبدالله قال أنا أفهمك تماما وحكى لى واقعة من مخزون معارفه اللانهائى: أن رئيس وزراء بريطانيا الأشهر تشيرشل أرسل برقية مطولة إلى أحد قادته العسكريين فى أثناء الحرب العالمية الثانية، وأنهاها باعتذار قال فيه لم يكن عندى وقت لكى أكتب بإيجاز!. أما أنا فكان على أن أصبح أمهر من تشيرشل نفسه وأنا أقصد بلده. فقد دعانى المجلس الثقافى البريطانى لكى أتحدث فى ندوة فى معرض لندن للكتاب فى الأسبوع الماضى عن أهمية الترجمة فى مد الجسور بين الثقافات المختلفة، وعن دور الأدب العربى المترجم فى هذا المجال، وعن تجربتى الخاصة مع الترجمة. وكنت أشارك فى هذه الندوة مع الروائية المصرية أهداف سويف التى تكتب بالإنجليزية مباشرة وتحظى بالشهرة هنا وهناك والمستعربة البريطانية وأستاذة الأدب العربى بجامعة سانت أندروز كاثرين كابام ويدير الندوة الدكتور صبرى حافظ الناقد المعروف وأستاذ الأدب العربى بجامعة لندن، على ألا يتجاوز كل منا تلك الدقائق المحددة بصرامة حديدية لنترك مجالا للنقاش والتعقيب من جمهور الندوة، وهم من الناشرين الإنجليز والدوليين. كان الموضوع يستحق العناء من وجهة نظرى. فقد ظل يدهشنى فى سنوات إقامتى فى أوروبا ما كنت ألاحظه حين أدخل المكتبات وأراجع الأرفف التى تعرض الأدب العربى المترجم. اعتدت فى كل مرة وفى كل بلد أن أجد فى تلك الأرفف أعمالا لكتاب وكاتبات لا يكاد يعرفهم أحد فى مصر، وعندما أبحث عن كتب لطه حسين أو توفيق الحكيم أو يوسف إدريس أو يحيى حقى أو غيرهم من أعلام أدبنا فإنى لا أجد شيئا. حتى نجيب محفوظ نادرا ما كنت أجد له كتابا مترجما فى المكتبات قبل حصوله على جائزة نوبل. وكنت دائما ما أتساءل عن السر فى هذه الاختيارات المنحازة للكتب المترجمة من أدبنا المصرى على قلة ما يترجمونه منه. حاولت تلمس الإجابة عن هذا السؤال وغيره من الأسئلة المطروحة بذلك الايجاز الصعب. وبما أن الصحافة ليست أكثر تسامحا من الإنجليز الذين نظموا الندوة فى مسألة اتاحة الحيز للكتاب فسأعرض هنا ما قلته هناك آملا أن تتاح الفرصة لشرح أوفى. وقد بدأت بما تعنيه الترجمة بالنسبة لى. فعندما بدأت فى مطلع الشباب قراءة الأدب الروسى الكلاسيكى العظيم كان يحيرنى ما هو الساموفار؟ وكان ذكره يتردد كثيرا فى القصص عندما يصرخ أحدهم فاريا. الساموفار! ولم يهتم المترجمون أن يفسروا لنا أنه نوع روسى من غلايات الشاى تاركين لنا أن نفهم هذا من سياق القصة. والغريب أن هذا الساموفار الغامض وكلمات روسية أخرى مثل الكفاس أو تغيير اسم الشخصية فجأة من مجرد تانيا إلى الاسم الطويل والغريب الوقع ناتيانا الكسيفنا جريجور يفيتش، كل ذلك كان يضيف إلى سحر قراءة هذا الأدب ولا ينقص منه، كان يساعدنى على أن أتأقلم دون وعى مع عالم مختلف تماما وغريب عما ألفته، وعلى محاولة فهم هذا العالم وأن أتقبل فى النهاية فكرة الاختلاف الثقافى. والحقيقة أن كل قارئ لأدب أجنبى عن ثقافته الخاصة يمر بهذه العملية من التأقلم، وهى عملية مثمرة للغاية، إذ يمكن أن تساعدنا على أن نفهم بعضنا البعض وأن نتعاطف مع إخواننا وأخواتنا فى البشرية فى كل مكان. وبالنسبة لى مثلا فإن أشخاصا مثل هاملت أو الإخوة كارامازوف أو مدام بوفارى قد أصبحوا أصدقاء أقرب إلى الحياة من كثير من البشر الذين أصادفهم، والفضل فى ذلك يرجع للمؤلفين العظام ولمن ترجموهم إلى لغتنا. فإذا ما انتقلت من ذلك إلى الأدب العربى والمصرى بالتحديد فيمكن أن أقول إن عملية التأقلم والقبول هذه فى الغرب مازالت تحبو فى بداياتها الأولى لأنه لكى يصبح أى أدب فى العالم جسرا حقيقا بين الثقافات فيجب أولا ترجمة الأعمال التى لها قيمة أدبية حقيقية فى نطاق هذا الأدب وأن تكون معبرة عن التيار الرئيسى فى ثقافة البلد، وهو ما يعنى بالضرورة أنها تعكس صورة حقيقية لهذا البلد ولأهاليه. واختيار الأعمال الممثلة للثقافة الحقيقية بهذا المعنى مسئولية يشترك فيها المترجم والناشر. ولكن لسوء الحظ فإن هذه المعايير تتم التضحية بها فى كثير جدا من الأحيان عند ترجمة أدبنا لصالح أعمال تعزز الفكرة النمطية والساذجة القائلة إن الشرق هو الشرق، والغرب هو الغرب، وإنهما لا يلتقيان أبدا. وقد ظلت معظم الأعمال المترجمة عن الأدب المصرى قبل حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل، وحتى بعد حصوله عليها، هى تلك الروايات التى تركز على محنة المرأة المصرية، ومساوئ الحكم الاستبدادى، وما يوصف بالفساد الشرقى! وكل هذه بطبيعة الحال مشاكل لا يمكن لأى كاتب جدير باسمه أن يتجاهلها، لكن الأدب الحقيقى يتناول هذه المشاكل وغيرها فى سياق أعم وبرؤية أعمق لهموم المجتمع لا تحصره فى هذه الزوايا الآحادية الجانب، ويكفى أن نقرأ كيف يتم الترويج لتلك الأعمال شبه الدعائية المترجمة لفهم ما أعنيه. فهم يعلنون عنها بعبارات من قبيل دراما جريئة!.. شابة مصرية تناضل من أجل حريتها ضد أب طاغية فى مجتمع يسيطر عليه الرجال! أو تراجيديا سياسية مذهلة فى قاهرة الستينيات التى يسيطر عليها الإرهاب! وما إلى ذلك من شعارات محفوظة وممجوجة. ومن الواضح أن تلك الإعلانات موجهة إلى جمهور ما يسمى كتب أفضل المبيعات الشعبية الخفيفة ولكى تجتذب أيضا من تستهويهم تأكيد فكرتهم عن الشرق الغرائبى المتخلف. لكن مثل هذه الإعلانات والأعمال التى تروج لها يستحيل أن تساهم بأى قدر فى مد جسر حقيقى بين الثقافات. وقد طلب إلى أيضا أن أتكلم عن تجربتى الخاصة مع الترجمة. وهى تجربة محدودة فى الترجمة إلى الإنجليزية. إذ ترجمت اثنتين من رواياتى هما خالتى صفية والدير فى الولايات المتحدة عام 1996 وهى من الروايات العربية النادرة التى عرضها بحماس الملحق الأدبى الشهير لصحيفة نيويورك تايمز مشبها إياها بالمآسى الإغريقية! أما الرواية الثانية الحب فى المنفى فقد أصدرتها دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2001 وهى تتناول موضوعا اكتشف من مناقشاتى وتجربتى مع عدد من الناشرين الأجانب أنه يعتبر من المحرمات فى الترجمة والنشر وأعنى قضية فلسطين ومجزرة صابرا وشاتيلا. وقد حظيت كلتا الروايتين باستقبال طيب من الجمهور المصرى عند نشرهما بالعربية، ومازالتا تصدران فى طبعات متعاقبة بالعربية، لكن ذلك لا يحدث بالنسبة للترجمتين! ولا أستطيع أن أقول بأمانة إنهما قد ساعدتا على بناء ذلك الجسر المنشود بين الثقافتين. ويصدق هذا الحكم أيضا على أعمال أكثر الكتاب موهبة فى مصر من جيلى والجيل الذى تلاه. ولابد من وجود تفسير لذلك. أذكر أنى اشتركت فى ندوة مع عدد من الناشرين الألمان الذين زاروا القاهرة، أثيرت خلالها مسألة الأدب العربى المترجم، وحكى ناشر ألمانى عن تجربة خاصة. قال إنه أصدر ترجمة لرائعة نجيب محفوظ زقاق المدق فوزعت على مدى سنوات سبعمائة نسخة، ثم حدث بعد ذلك أن حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل فوزع فى أسبوع واحد عشرة آلاف نسخة من الترجمة نفسها، وبدا لى أن هذه القصة تدل على أن توزيع الأدب العربى الجاد وقراءته فى الغرب بحاجة إلى حدث فى ضخامة الهرم الأكبر مثل الفوز بجائزة نوبل!.. أما البديل لذلك فهو الاستجابة لتوقعات قطاع معين من الجمهور يريد أن يقرأ عن الشرق الغرائبى ليؤكد تصوراته المسبقة عن اضطهاد الحريم ووحشية الرجال.. إلخ. على أن الوقت لم يتح لى مع الأسف هناك، ولن يتاح هنا، لأتحدث عن دلالة هذه الأمور كلها. وكان أكثر ما أسعدنى فى المناقشات التى أعقبت الندوة تعليق ناشر إنجليزى هو بيل سوينسون الذى وافق على معظم ما ذهبت إليه وركز على المسئولية الأدبية للناشر فى تغيير هذا الوضع لبناء جسور حقيقية وتفاهم أصدق بين الشرق والغرب. على أن زهرة واحدة لا تصنع الربيع، وطالما استمر الوضع الراهن الذى تقتصر فيه ترجمة الأدب العربى الحقيقى على دور نشر صغيرة ومحدودة الجمهور، وتصدر فيها هذه الأعمال فلا تلقى شيئا من الاهتمام الإعلامى أو النقدى هناك للتعريف بها أو ترويجها لدى جمهور القراء الواسع، طالما استمر ذلك فسيظل مصير الأدب العربى الحقيقى مثل مصير زقاق المدق قبل نوبل محفوظ رغم كل قيمتها الأدبية فى ذاتها والتى لم تضف إليها الجائزة شيئا!. لا تقلدوا لندن! أتاحت لى هذه الندوة رغم كل شيء فرصة أن أرى لندن بعد غياب سنوات طويلة. وأدهشنى أنها مازالت جميلة وأنها تزداد جمالا! لم تمتد معاول الهدم إلى مبانيها القديمة التى تميز طابع المدينة وبصمتها. مازالت مساحات الخضرة الشاسعة فى حدائقها الجميلة باقية لم تمس، بل يضاف إليها ولا يقتطع منها. وأقترح أن نبعث للإنجليز ببعض خبرائنا لتعليمهم الطريقة المثلى لتنمية الثروة العقارية بإزالة المبانى القديمة واجتثاث الخضرة، فأنا أرى حولى الآن فى الحى الذى أسكنه عملية هدم تجرى على قدم وساق لإزالة الفيلات الصغيرة والحدائق التى كانت تحيط بها بعد أن صدر قانون عصرى يبيح ذلك الهدم. وما أكثر الأشياء التى قارنت فيها بين ما يحدث هنا وهناك. فقد لفت نظرى أن المرور فى وسط المدينة أكثر انسيابا وأقل تكدسا مما رأيته فى زيارتى السابقة. وشرح لى أولو العلم أن أزمة التكدس انتهت منذ أن صدر قانون يفرض على أصحاب السيارات الخاصة دفع رسم خاص لدخول وسط البلد فى أوقات العمل الرسمية قدره ثمانية جنيهات إسترلينية حوالى مائة جنيه مصرى فإذا تأخر الدفع يوما واحدا تتضاعف الغرامة إلى ما يتجاوز الألف جنيه، وخُصصت حصيلة هذه الرسوم لتحسين المواصلات العامة فى وسط البلد، فتضاعف عدد الأتوبيسات بحيث لم يعد أحد يشعر بالحاجة إلى استعمال سيارته الخاصة فى أوقات العمل إلا للضرورة القصوى. وتخيلت ما يمكن أن يحدث عندنا لو أخذنا بمثل هذا النظام. تخيلت الاستثناءات التى ستحدث للمواكب، ولسيارات الكبار وملحقيهم من الصغار، وتخيلت ما سيحدث لحصيلة الرسوم، فدعوت الله فى سرى ألا يصل خبر هذا التنظيم إلى أسماع المسئولين عندنا!. وكان من حظى أيضا فى هذه الزيارة القصيرة للندن أن شاهدت المسرحية الأولى التى كتبها تنيسى وليامز لعبة الحيوانات الزجاجية والتى قدمناها فى البرنامج الثانى بالإذاعة فى سالف الزمان. لعبت دور البطولة فى هذا العرض اللندنى الرائع الممثلة الأمريكية الشهيرة جيسيكا لانج، فمازالت لندن عاصمة عالمية للمسرح يقصدها عشاق هذا الفن الجميل من الجمهور والفنانين. ومن عجيب أمر الإنجليز أنهم قدموا مسرحية تنيس وليامز كما كتبها الرجل تماما، دون إعداد درامى أو رؤية دراماتورجية عصرية، لذا لزم أن ألفت نظر المسئولين عن هيئة المسرح وفنانينا المسرحيين إلى هذا الخطأ الذى يقع فيه الإنجليز باحترامهم النصوص، كما كتبها أصحابها عسى أن يوفدون من عندنا دراماتورجا لتدراكه!. لا.. يا أستاذ أسامة! لو صح ما نشرته الصحف منسوبا إلى صديقى وكاتبى المفضل الأستاذ أسامة أنور عكاشة لكان لى أن أحاوره مطولا. فقد نشرت صحيفة المصرى اليوم يوم الأربعاء الماضى على لسانه أنه قال فى ندوة بنقابة الصحفيين انسوا القومية العربية.. خلاص بح كذا!! مؤكدا أن العرب طول تاريخهم لم يتحدوا والاتحاد كان بين المسلمين فقط. وأضاف: جميع الدول العربية تكره مصر لذا علينا الحفاظ عليها والابتعاد بها عن العرب الذين أصبحوا أشد خطرا عليها من الغرب! انتهى النص ولم تنته حيرتى!. ولن أقدم الآن دفاعا عن القومية العربية على غرار ما فعله ساطع الحصرى أو جمال عبدالناصر مثلا.. تغير الزمان! لكنى أريد أن أسأل صديقى: لماذا يكون الالتزام بالقومية حلالا لكل أقوام فى الأرض وحراما على العرب وحدهم؟ هو يعرف أن نهضة أوروبا مثلا نشأت بظهور الدول القومية وأن الألمان والإيطاليين وغيرهم خاضوا حروبا لتحقيق وحدتهم القومية. لماذا؟ لأن الدول القومية أقدر على تحقيق مصالح شعوبها والدفاع عن نفسها، أمام القوميات الأخرى. ومن هنا فقد رأينا فى قرننا الحالى ألمانيا تناضل دون كلل حتى توحد شرقها مع غربها، تواصل الصين معركتها لاسترداد تايوان. وقبل ذلك كله ألم يكن كفاح تشى جيفارا منذ بدئه وحتى مماته دفاعا عن القومية اللاتينية فى أمريكا؟ هكذا قرأت على الأقل. وهل حقا يكرهنا العرب أكثر من الغرب؟ ألا تكرهنا إسرائيل أكثر مجتمعين دون تفريق؟ ألا تتعامل معنا كقومية؟. إننى أعرف عن يقين مدى وطنية الأستاذ أسامة وغيرته الصادقة على مصر، ولكنى أظن أيضا أننا ما لم نتصرف أمام هذا الخطر الداهم متحدين أو متضامنين أو متعاونين أو أيا ما شئت، فسنتحول لا قدر له إلى أوطان سليبة.. واحدا بعد الآخر، وما حرب لبنان والاحتلال المستمر للجولان عنا ببعيد.. ليتنا نتناقش!.

Tuesday, April 24, 2007

يوسف إدريـس .. آخـــر !

يوسف إدريس آخر؟ ــ كتب :مصطفي الحسيني :أخبار الأدب
السؤال هو لماذا لم يجد حسام فخر (وكثيرون غيره دون شك) ما حظي به يوسف إدريس والنابهون من أبناء جيله من حفاوة؟ هل يمكن القول أن هذا هو الفرق بين المناخ الثقافي عندنا في ذلك الزمان وفي هذا الزمان؟ذات مساء، في النصف الأول من خمسينات القرن الماضي، شهد هذا الكاتب بعينيه وسمع بأذنيه طه حسين يقول ليوسف إدريس، بلهجة المعلم ونبرة السيد اللتين كان يلجأ إليهما أحيانا إظهارا للتقدير والود: لن يكتب مقدٌمة كتابك الأول سواي. وقد كان. صدرت المجموعة الأولي من قصص يوسف إدريس أرخص ليالي تتصدرها مقدمة كتبها السيد العميد.وانتبه: في ذلك الوقت كانت الحركة الأدبية في مصر يستغرقها جدل لم يبرأ من الحدة بل مارسه بعض أطرافه بغير قليل من لدد العداوة. كان الجدل يدور بين جيلين: الجيل الذي كان طه حسين أنصع أعلامه والجيل الذي كان يوسف إدريس من أكثر ومضاته جاذبية. وكان استخدام العامية في الأدب خصلة من ذلك الجدل. وفيها كان علي طرفي نقيض، شيخ الشباب المهيب والكاتب الذي كان ظهوره في أفاق الحركة الأدبية منعشا لها دون خلاف.
***لكن يبدو أن حسام فخر ظهر في زمن لا يكرٌمه قرين لطه حسين. وبالتالي لم يحظ باستقبال مفعم بحفاوة يستحقها.من هو حسام فخر؟ لا يستطيع هذا الكاتب إلا أن يقول أنه لا يعرف، أو بالأحري أنه يعرف القليل الذي فاجأه واستمتع به وأنعش أمله في مستقبل الأدب في مصر، بعد أن قرأ الكتب الثلاثة الصغيرة الحجم التي صدرت له حتي الآن: وجوه نيويورك (2004) ، يا عزيز عيني ( 2006 ) ، حكايات أمينة (2007 ). كما عرف بعد تحري مقتضب أن رغم أنه في عين القارئ وإدراكه كاتب مستجد وبالتالي لا بد أن يكون شابا مثلما كان يوسف إدريس عندما نشر له نادي القصة مجموعة أرخص ليالي، أي حول منتصف العشرينات، لكنه صدم عندما قيل له أنه علي مشارف الخمسين، وأنه يعيش ويعمل منذ شرخ شبابه في الولايات المتحدة في نيويورك التي يهدي إليها مجموعته الأولي وجوه نيويورك ويراها مدينته الحبيبة التي فقدها !
***هل من صلة بينه وبين يوسف إدريس استدعت هذا التداعي؟اجتهاد هذا الكاتب هو: نعم! كان ما جعل يوسف إدريس مفاجأة باقية هو أنه أمتع قارئه ليس بالحكاية، إنما بكيف يحكيها. هذه هي أرخص ليالي وهذه هي بالذمة والأمانة و لغة الآي آي و أليس كذلك؟ وغيرها وغيرها بما يكاد يشمل مجمل عمله. بلمحة واحدة يغوص إلي أعماق النفس وينسج معها معالم وجدان وحياة.هذا ما يفعله حسام فخر في زمن آخر وفي بيئة أخري ومن بيئة أخري، بيئة المغترب الذي بكٌّر إلي الاغتراب وطال به دون أن يفقد شيئا من ما غرست تربيته وبيئته الأصلية في وجدانه. وأيضا مثل يوسف إدريس تراه يطعن بحربة نفاذة لكنها ناعمة لا تجرح ولا تؤلم، بل تلقي أضواء كاشفة لا تبهر النظر، حتي يستطيع القارئ أن يري.
***لماذا تأخر هذا الكاتب حتي نشر وهو يقترب من منتصف أربعيناته؟سؤال مفتوح للتخمين والرجم : اغترابه؟ تأخر إدراكه لموهبته؟ كسله؟ ضيق فرص النشر وما في شروطه من حيف علي حقوق الكجتٌاب؟ ارتباكات ( لفظ مخفف) المناخ الثقافي؟ هذا وغيره وارد.لكن السؤال الأهم هو لماذا لم يجد هذا الكاتب ( وكثيرون غيره دون شك) ما حظي به يوسف إدريس والنابهون من أبناء جيله من حفاوة؟هل يمكن القول أن هذا هو الفرق بين المناخ الثقافي عندنا في ذلك الزمان وفي هذا الزمان؟ألا يصلح هذا السؤال الأخير لقدح جدل منعش ومفيد بين عصرين؟ولعل هذا هو سبب الكتابة عن حسام فخر.