Tuesday, February 6, 2007

سائق التاكسي.. أو زوربا المصري


المفكر الكبير د. جلال أمين يكتب لـ «المصرى اليوم»:
٦/٢/٢٠٠٧




مهنة سائق التاكسي في مصر ليست مهنة شاقة عضليا، ولكنها مهنة شاقة جدا عصبيا ونفسيا، الشوارع مزدحمة، والضجيج شديد والهواء ملوث، والمفاجآت غير السارة لا تنتهي، سواء من السائقين الآخرين أو من المشاة من البشر أو الحيوانات، والطريق مليء بالعقبات المرئية وغير المرئية، مطبات صناعية مفاجئة، أو حفرة عميقة، أو شجرة مقطوعة، أو «لجان» منتشرة لإيقافه وفحص رخصه.. إلخ.
وسائق التاكسي ليس لديه حيلة في معظم الأحيان، في اختيار السيارة التي يقودها، بل يقود السيارة التي يستطيع الحصول عليها من صاحبها، فإذا كانت سيارته هو، فهو علي الأرجح لا يملك من فائض المدخرات ما ينفقه علي إصلاح كل ما يصيبها من عطب، بل فقط إصلاح الضروري والعاجل، وهو أيضاً نادرا ما يكون حراً في اختيار الركاب، فهو مضطر لقبول مختلف أنواع البشر،
ناهيك عن المضايقات المستمرة من رجال الأمن الذين كثيرا ما يجدون التاكسي وسيلة سهلة للركوب المجاني، بل قد يجده بعضهم وسيلة لتحصيل بعض الدخل الإضافي، مستخدمين ما يملكونه من وسائل القهر والتخويف، مجرد غرامة أو سحب الرخصة، أو مجرد تعطيل سائق التاكسي عن متابعة السير لكسب رزقه.
في مقابل هذا يتمتع سائق التاكسي في مصر بمزايا لا يستهان بها، فهو يصادف كل يوم جميع أنواع البشر: الطالب والموظف، التاجر والصنايعي والفلاح، ومن لا عمل له علي الإطلاق، ومن السيدات تركب معه السافرة والمحجبة والمنقبة، الطالبة الصغيرة التي تكاد تموت خجلاً إذا وجه إليها الكلام، والمرأة المتبجحة التي ترفض أن تدفع قرشا واحدا يزيد عما تضطر إلي دفعه.الأهم من كل ذلك، فيما يتعلق بموضوعنا أن هؤلاء الركاب جميعا يلتقون بسائق التاكسي لفترة محدودة، لا يتوقعون بعدها أن يقابلوه من جديد، فما الضرر إذن من تبادل الحديث.
والراكب إذا لم يفتح فمه بالكلام بمجرد دخوله التاكسي، بدأه السائق بالكلام، الصداقة قصيرة الأمد وسرعان ما يذهب كل منهما لحاله، وسينسي كل منهما ما قاله له الآخر، والطريق ممل والسير بطيء والجو حار، فلماذا لا نتسلي ببعض الكلام؟ وسائق التاكسي، علي أي حال، قد صادف لتوه راكبا سخيفاً أو أمين شرطة متعنتا لقي منه الأمرين فأثار غضبه، ويحتاج لمن يفرج معه هذا الغضب، الكلام إذن بين السائق والراكب ظاهرة مألوفة، بعكس الحال عادة في تاكسيات أوروبا وأمريكا، حيث يوجد حاجز زجاجي بين الراكب والسائق، وإذا لم يوجد هذا الحاجز الزجاجي يوجد حاجز آخر غير مرئي يجعل تبادل الكلام بينهما نادراً،
أضف إلي كل ذلك أن المصري بطبعه يحب الكلام من ناحية، ومجامل من ناحية أخري، فما يجعل تبادل الكلام شبه مؤكد، وما أكثر ما يحكي في سيارات التاكسي في مصر من قصص غريبة ومدهشة، قد يقف لبعضها شعر الرأس، وتثير أخري منتهي الغضب أو تؤدي إلي الانفجار بالضحك، فإذا خطر لكاتب موهوب وحساس أن يدون في كتاب ما سمعه من سائقي التاكسي من قصص وتعليقات، أفلا ينتظر أن نخرج بكتاب شيق للغاية، يلخص الحياة اليومية المصرية أحسن تلخيص،
ويثير من الأسي والتفكير في أحوال مصر من ناحية، ومن الضحك من ناحية أخري ما يجعل الكتاب من أجمل ما أخرجته المطابع المصرية عن أحوال مصر والمصريين؟ هذا هو ما فعله خالد الخميسي في هذا الكتاب الذي ظهر منذ أسابيع قليلة: «تاكسي: حواديت المشاوير، دار الشروق، ٢٠٠٦، ٢٢٠ صفحة».
الكتاب يضم ٥٨ حواراً قصيراً، لا يزيد طول الحوار في المتوسط علي أربع صفحات، وليس من بينها حوار واحد يفتقد المغزي، ولا يدفعك للتفكير فيما يعاني منه المصريون في هذه الفترة العصيبة من تاريخهم، أو في جانب أو آخر من جوانب الشخصية المصرية.
أما عن المعاناة، فأهم أسبابها بالطبع صعوبة الحصول علي لقمة العيش.. «ولقمة العيش» لا تعني فقط الطعام، بل تشمل أيضاً مصاريف المدراس وعلي الأخص الدروس الخصوصية، التي أصبح لها من الأهمية في نظر معظم محدودي الدخل من المصريين، ما للغذاء والكساء، بل إن «لقمة العيش» هذه تشمل أيضاً ما علي سائق التاكسي دفعه من رشاوي، سواء لتجديد رخصته أو لمجرد تجنب شر عساكر المرور وأبناء الشرطة، وإلا تعذر عليه الاستمرار في كسب العيش.
هذه الشكوي من صعوبة توفير «لقمة العيش»، تكاد تتكرر علي ألسنة جميع سائقي التاكسي الذين التقي بهم خالد الخميسي، وإن كان لهم في تفسيرها فلسفات مختلفة، فمنهم من يعتقد أن الحكومة «زرعت الجوع في بطن كل مصري لكي ينصرف عن السياسة»، ولكن منهم أيضاً من يعتقد أن السبب أن الحكومة «لا تفكر إلا في الأغنياء والأجانب»، ولا تعمل حسابا لغيرهم،
حتي فيما يتعلق بمشاهدة بطولات الكرة، فيقول أحد سائقي التاكسي: «في الماتش اللي فات قبل النهائي، ابني اتحايل علي أجيب له تذكرة، ماهو مجنون كورة، حاولت أتحايل أجيب تذكرة درجة ثالثة - مستحيل، وبعدين عرفنا أن فيه سواق بتاع واحد في اتحاد الكورة بيبعهم في السوق السوداء.. تصور حضرتك ثالثة بمائتي جنيه، والثانية وصلت ثلاثمائة جنيه، الأولي عدت الخمسمائة، يعني أرخص تذكرة بمرتب واحد في الشهر ما انا باقول لسعادتك، عاملين بطولة للأغنياء فقط.. وعلي فكرة دي مش بس البطولة دي.. ده كمان كأس العالم، مش حيتذاع إلا بالفلوس».
ولكن هناك تفسيراً آخر لصعوبات الحياة أبسط بكثير. وهو أن الحكومة لا تتوقف عن نهب الفقير، ويلخص أحد سائقي التاكسيات هذا التفسير بالنكتة الآتية: وهي أن فقيراً عثر في الشارع علي مصباح علاء الدين، فلما حكه بيده طلع له الجني، وقال له «شبيك لبيك، عبدك ما بين ايديك». فطلب منه الرجل مليون جنيه، فأحضر له الجني نصف مليون فقط، فلما سأله الرجل عن سبب هذا التخفيض، قال له الجني «أصل الحكومة مشاركة في المصباح فيفتي فيفتي».
وهناك من سائقي التاكسي من يفسر ارتفاع تكاليف المعيشة بانتشار قيم المجتمع الاستهلاكي، وإن كان يعبر عن ذلك بوضع المسؤولية علي «الإعلانات». «تصدق بلد زي مصر شعبها بيدفع أكتر من عشرين مليار جنيه في السنة علي التليفونات؟.. يعني لو ماتكلمناش سنتين ولا تلاتة، مصر ح تختلف؟ شعب مهووس والله.. مش لاقي ياكل وكل واحد ماشي معاه موبايل وفي بقه سيجارة والإعلانات عمالة تضغط علي الناس: اشتركوا في موبينيل.. لا اشتركوا في فودافون.. عالم مجنون.. الإعلانات لازم تتمنع.. وفي الآخر يقولوا لنا البلد مافيهاش فلوس.. بس تقول لمين، إذا كان رئيس الوزارة بتاعنا هو رئيس التليفونات؟ يعني بتاع كلام في الهوا..».
ولكن شكوي سائقي التاكسيات في مصر من الحكومة، لا تقتصر علي ما يدفعونه من رشاوي وضرائب غير مفهومة وتسمي بأسماء مختلفة، مثل «معونة الشتاء» أو «معونة الصيف» أو «صندوق زمالة» أو «طابع شرطة»، غير المخالفات التي لم تحدث، والرسوم التي تحصل بأثر رجعي ...الخ،
بل أشد من ذلك وقعاً علي نفوسهم، ما يتعرضون له من إذلال، كإجبارهم علي الوقوف عدة ساعات في الطريق في الحر الشديد، حتي يمر موكب الرئيس أو شخص آخر مهم، أو العذاب الذي يلاقونه في تجديد رخصة قيادة التاكسي والإصرار علي «شحططتهم» من دار السلام إلي مرور القاهرة في مدينة السلام، إلي التأمينات فرع البساتين، إلي النقابة في عبده باشا بالعباسبة، إلي قسم المعادي أو الخليفة للحصول علي طابع الشرطة.. لكي ينتهي هذا كله بالحصول، لا علي الرخصة المطلوبة بل علي ورقة تصريح بالسير لأن الكمبيوتر عطلان،
أو لأن الملف ضاع، مع تحذير سائق التاكسي المنهك بأنه إذا حدث ولم تعثر إدارة المرور علي ملفه، سيطلب منه تقديم صور من شهادة المؤهل وشهادة الميلاد وغيرهما مما كان من أوراق في الملف الضائع، ويسأل سائق التاكسي الراكب بعد أن حكي له قصته في تجديد الرخصة بالتفصيل: «عندك أي فكرة هم بيعملوا فينا كده ليه؟»
ولكن كتاب الخميسي ليس مجرد سجل أو وصف لمشاكل المصريين وإنما يحتوي أيضاً علي كنز يمدك بمادة لا تنتهي لفهم شخصية المصريين. يلفت نظرك مثلاً تكرار الإشارة في كلام سائقي التاكسي في مصر إلي «الزوجة والعيال»، السائق يظل طوال اليوم يلف ويدور لكي يعود إلي امرأته وعياله، وكأنهم الهدف الوحيد من كل هذا التعب، ورضاهم أو راحتهم هما المبرر الوحيد لتحمله كل هذه المشاق وهذا الإذلال، و«الرزق» الذي يحصل عليه خلال اليوم ليس رزقه وحده، بل رزق العيال وأمهم.
وكلمة «رزق» هذه، كلمة مهمة عند سائقي التاكسي، وأنا أشك في أن معناها عند سائقي التاكسي المصريين قد يكون مختلفاً جداً عنه عند الشعوب الأخري المتكلمة بالعربية، فالرزق أولاً وثيق الصلة بإرادة الله، وتحكم المرء في «رزقه» مستحيل، كما أنه من المستحيل التنبؤ به، بل إن الظن بأن من الممكن التحكم فيه أو التنبؤ به فكرة شائنة في نظر المصري، قد تصل في قبحها إلي درجة «الكفر». ولهذا السبب، فإن معظم سائقي التاكسي في مصر يكرهون بشدة أن يتفقوا علي الأجرة مقدماً، إذ إن هذا من قبيل التحكم في «الرزق» أو «قطعه»، ومن ثم الإضرار بالنفس دون مبرر، فإرادة الله ستكون دائماً أفضل في النهاية.
عندما تفكر في الأمر، تجد أن هذا الموقف، في الظروف التي يعمل فيها سائقو التاكسيات في مصر، موقف عقلاني للغاية وأن الاعتماد علي «الرزق» بعكس الاعتماد علي «العداد»، قد يؤدي إلي تعظيم الدخل، فالعداد قد يكون مجدياً أو ضرورياً في أوروبا أو أمريكا، ولكن كيف يمكن الاعتماد علي العداد في ظروف الشوارع والمرور وندع الركاب، التي يصادفها سائق التاكسي في القاهرة؟ إن سائق التاكسي إذا أراد أن يعتمد علي العداد فإنه يحتاج إلي عداد عبقري لم يخترع بعد،
إذ يجب عليه، أي العداد، أن يميز بين الطالب الفقير الذي يركب مع ثلاثة أو أربعة آخرين ليصل إلي جامعته، والتاجر الثري الذي لا يهمه مقدار ما يدفعه، كما أن عليه أن يميز بين الشوارع الواسعة والحارات الضيقة، وبين السير في يوم شديد الحرارة ويوم آخر لطيف الجو.. الخ.
ليس هناك بديل لهذا العداد الذي لم يخترع بعد إلا فكرة «الرزق» إذ إن في هذا «الرزق» من المرونة والتكيف مع الأحوال الطارئة، ما يجعل المدفوع في النهاية أقرب بكثير إلي العدل من أي رقم قد يسجله العداد.
كل هذا يفترض بالطبع شيئًا مهمًا، وهو أن يكون الراكب «عنده نظر»، ولكن من حسن الحظ أن معظم المصريين «عندهم نظر»، بمن فيهم سائق التاكسي نفسه، فهو كما أنه يتوقع من الراكب أن «يقدر»، «يقرر» هو أيضًا بمجرد النظر إلي الراكب، حجم قدرته علي الدفع، ويعامله في الغالب المعاملة التي تتماشي مع هذه القدرة.
وكما أن سائق التاكسي لا يحب الراكب «عديم النظر»، بل ويحتقره، فإنه أيضًا لا يحب الراكب «النكدي»، أي الراكب المتشائم الذي لا يري إلا الجانب القاتم من الحياة، والذي يتوقع دائمًا حدوث الأسوأ، نعم ، الحياة اليومية في مصر مليئة بالمكدرات والمنغصات ولكن عليك دائمًا أن تكف عن التفكير في ذلك في أقرب فرصة، وتبحث عن الجانب الإيجابي.
ركب خالد الخميسي مرة تاكسيا وهو معكر المزاج، ولم يكن علي استعداد للدخول في حوار كعادته مع السائق، وزاد من تعكير مزاجه أن وجد السائق يدخّن، وكان قد تنفس قبل ركوبه مقدارًا هائلاً من عادم السيارات وأتوبيسات النقل العام في شارع رمسيس، فما إن ركب السيارة حتي صاح في وجه السائق: «ارمي السيجارة دي مش كفايه الهباب اللي بنشمه؟»
فهم سائق التاكسي الحالة، كما أنه، من اللهجة الآمرة الصارمة التي صدرت من الخميسي رجح أنه ضابط شرطة يستحسن ألا يدخل معه في مشاكل، فألقي بالسيجارة من النافذة، ولكنه لم ييأس، وإذا به يحكي للخميسي بالتفصيل الشديد قصته مع التدخين، وكيف أنه ترك وظيفة سائق عند مليونير، كان مرتبها ٧٠٠ جنيه في الشهر غير الهدايا والملابس والعيديات، لكي يأخذ راحته تمامًا في التدخين.
ثم قال للخميسي، إن السيجارة التي رماها ليست سيجارة عادية بل «مارلبورو والله!» ثم حكي له كيف أنه عندما حاول أهله الضغط عليه لكي يتزوج، وعثروا له علي عروسة من أقاربه، وبعد أن قرأوا الفاتحة، قدر بحساب التكاليف أنه لا يستطيع الجمع بين الزواج والتدخين، وفضل التدخين، وختم كلامه بقوله: «أعيش حر، أدخن براحتي، ألف براحتي، ما حدش له عندي حاجة»، ثم أضاف راجيا أن يكون كل هذا الكلام قد نجح في تغيير مزاج الخميسي إلي الأفضل: «ما تأخد لك سيجارة يا باشا، دي مارلبورو.. حتي شوف العلبة أهي!!»
ركبت أنا مرة تاكسيا، وكنت في حالة نفسية خاصة جعلتني أبالغ في تحذير السائق من كل مشاكل الطريق التي أعرفها في المعادي لكي يحاول تجنبها، حتي جئنا إلي طريق مليء بالمطبات الصناعية غير المدهونة ومن ثم يصعب علي السائق تبينها، فإذا بي في كل لحظة أحذر السائق من أنه الآن سيواجه مطبًا صناعيا، ثم آخر، ثم آخر، فما كان منه إلا أن انفجر غاضبًا من كل هذه التحذيرات وقال «يا أخي فال الله ولا فالك!» وكأنه كان يفضل ألا يفكر في المطب قبل مجيئه، ويرفض الاسترسال في هذا الخوف مما يمكن أن يأتي به المستقبل.
ولأن سائق التاكسي لا يحب الاسترسال في التشاؤم، فإنه ينتهز أي فرصة لتحويل الحديث إلي مناسبة للضحك، وكأن لسان حاله يقول: «هل من المعقول، مع كل هذه المنغصات من حولنا، والتي تأتينا من حيث لا نتوقع، أن نحول اللحظة الراهنة إلي مأتم، أو إلي تبادل الشكاوي؟».
في أحد الحوارات شكا السائق للخميسي من الحكومة وظلمها المستمر للناس، اتهموه بالأمس بتهمة الكلام في الموبايل أثناء قيادته السيارة، وحلف لهم بأغلظ الأيمان أنه لم يكن يتكلم في الموبايل، وإنما كان ممسكًا به فقط، ولكن هيهات:«الداخلية تعاملنا كأننا مجرمين وطبعًا كدابين.. مافكرش لحظة واحدة إني يمكن أن أكون صادق.. صادق إزاي إذا كنا كلنا كدابين... ولازم ننضرب بالجزمة القديمة.. والله أنا حاسس إننا مش بني آدمين.. إننا جزم قديمة.. إيه رأيك يا أستاذ.. أنا بني آدم ولا جزمة؟»
ثم تمالك السائق نفسه واعتذر للخميسي من تماديه في الغضب وقال له بعد أن هدأ قليلاً:«إنت عارف إيه السبب في المصيبة دي كلها؟ الحكاية إن أنا وأنا ماشي جاءت لي رسالة علي الموبايل، بصيت لقيت نكتة فضحكت قوي وأنا داخل اللجنة، افتكروني باتكلم في الموبايل، نكتة «وديتني في داهية» فسأله الخميسي عن النكتة فقال: «نشكر كل من قال نعم في الاستفتاء، ونخص بالذكر أم نعيمة لأنها قالت نعمين!» وانفجر الاثنان معًا في الضحك.
وعلي الرغم من أن سائق التاكسي في مصر ينتهز أي فرصة لتحويل شكاواه من الحكومة إلي نكتة، فإن هذا لا يعني بالمرة أنه لا يفهم الأسباب الحقيقية التي تجعل الحكومة تتصرف علي هذا النحو، بل الأرجح أن هذا الفهم للأسباب الحقيقية، عندما يقترن يأسه من قدرته علي تقويم سلوك الحكومة، هو الذي يجعله يميل إلي تحويل الأمور، بقدر المستطاع، إلي نكتة، إن من المدهش حقًا لأي راكب تاكسي قدر الذكاء السياسي الذي يتمتع به سائق التاكسي في مصر، إلي حد استحالة وقوعه في فخ الدعاية والكلام الفارغ الذي لا تكف الحكومة عن صبه علي رأسه عن طريق التليفزيون والصحف في كل ساعة من ساعات النهار والليل،
يعلق أحد سائقي التاكسي علي حالة الإعلام في بلادنا فيقول للخميسي: «هم» ليه مصممين إن احنا متخلفين عقليا وأغبياء وبرياله ولسه ما طلعناش كلنا من الحضانة؟ أنا من ساعة ما وعيت، وكل ما تحصل مصيبة يجيبوا لنا نفس المصيبة في الدنيا كلها.. يحصل حادث قطر عندنا، فجأة نقعد كام يوم نسمع عن كل حوادث القطارات اللي حصلت في العالم.. ساعة الطيارة ما وقعت ولا انضربت، جابوا لنا حوادث الطيارات اللي في الدنيا وفي الآخرة، بما فيها حوادث طيارات الرش..
وبيني وبينك زهقنا كمان من أخبار الرئيس، كل نشرة، الرئيس قابل والرئيس اتصل بفلان، وفلان كلمه علي الموبايل.. أنا مالي هو كلم مين ولا راح افتتح إيه؟... كل واحد عايز يتمحلس شوية يتمحلس علي قفايا أنا. أنا رأيي يعملوا إذاعات فيها نشرات بجدّ، ونشرات محلسة، ويسموها كده، عشان الرئيس يسمع نشرات المحلسة، ويبقي يرقيهم، واحنا نسمع بقية النشرات..»
ويعلق سائق آخر علي انتخابات الرئاسة قائلا:«والله أنا عمري ما ضحكت زي النهارده، لما شفت الجورنال وشفت صور اللي مرشحين أنفسهم، ضحكت من قلبي.شكلهم عامل زي «علي حكشة» و«شوشو الأعرج».. جايبين ناس عُمر ما حد سمع عنهم حاجة، دي حتي تلاقي أمهم نفسها ماسمعتش عنهم حاجة!».وعرف سائق تاكسي آخر من حواره مع الخميسي أن الخميسي كان في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فسأله:
- يعني حضرتك درست سياسة؟- أيوه..- طيب عال، فرصة عظيمة قوي.. علشان أنا من زمان كان عندي سؤال نفسي أسأله.- ...- يحصل إيه لو إحنا نيجي ونقول لأمريكا: إنت عندك سلاح نووي وعندك أسلحة دمار شامل، ولو ماتخلصتيش من كل الأسلحة دي، حانقطع علاقتنا بيك، وحانعلن كمان الحرب عليك.. وحانضطر نستخدم القوة العسكرية علشان نحمي كوبا، ودي دولة صغيرة، ولازم نخلي بالنا عليها.. طبعاً الكلام كده وكده.. أنا مش باقول إن إحنا نحاربهم، طبعاً إنت أكيد فاهمني.. إنما نقول الكلام اللي هم بيقولوه بالضبط علي دول العالم، يعني مثلا نطلب نراقب الانتخابات الأمريكية علشان إحنا مش ضامنين سلامة إجراءات الانتخابات بتاعتهم..
ما كل الناس في أمريكا وفي العالم اتكلموا إن فيه تزوير في انتخابات بوش، وإن أخوه في الولاية بتاعته زوّر الانتخابات وكسّبه.. فإحنا نقول إننا لازم ندافع عن الديمقراطية، ولازم نبعت من عندنا قضاة مصريين عشان سلامة العملية الديمقراطية.. وأهم حاجة إننا كلنا نلغي كلمة الأمريكان، ونقول أبيض بروتستانتي أيرلندي من أمريكا، أسود مسلم من أمريكا، إسباني من أمريكا، أبيض كاثوليكي من أمريكا، أسود بروتستانتي من أمريكا، زي بالضبط ما هم بيقولوا الأيام دي، مات ستة شيعة من العراق، واتنين سنّة من العراق، فجاءت لي الفكرة دي.. إن إحنا نعمل فيهم زي ما هم بيعملوا فينا..».
.طبعاً ليس كل سائقي التاكسيات في مصر بهذه الدرجة من الذكاء السياسي، ولكن الغباء نادر، سواء اعتمدت علي كتاب الخميسي أو علي تجربتك الشخصية، هناك بعض سائقي التاكسي الذين تنقصهم المروءة، ولكن هذا النقص في المروءة نادر أيضاً سواء في تجربة الخميسي أو تجربتي أنا الشخصية.. من هؤلاء السائق الذي ركبت معه بنت الخميسي، وعمرها أربعة عشر عاماً، وكانت هذه أول مرة في حياتها تركب فيها تاكسياً بمفردها، وكان السائق في نحو الأربعين من العمر، فحاول أن يستدرجها دون جدوي إلي الكلام عن أفلام الجنس، فسألها عن أي هذه الأفلام تفضّل..
وهناك سائق تاكسي آخر أبدي امتعاضاً شديداً مما فعله الخميسي مع أحد ماسحي الأحذية، فقد سأل ماسح الأحذية الخميسي عندما عرف أنه سيركب تاكسياً إلي الزمالك، عما إذا كان من الممكن أن يركب معه فقبل الخميسي، ولكن السائق عبّر عن ضيقه الشديد من أن يكون من ركّابه ماسح أحذية، وأصر علي أن يدفع كل منهما أجرة مستقلة، وبالغ في الأجرة التي يطلبها مما اضطر ماسح الأحذية، وكذلك الخميسي، إلي النزول.
في مقابل هذا النوع النادر من سائقي التاكسي، هناك نوع نادر أيضاً ولكنه بالغ الجاذبية، مثل السائق الذي قال للخميسي إن لديه حلماً كبيراً، يعيش من أجله، وهو أن يأخذ التاكسي بعد أربع سنوات، ويقوده في جنوب أفريقيا، مخترقاً دولة بعد أخري من الدول الأفريقية، ويمر علي منابع النيل ثم بحيرة فيكتوريا، وخلال الرحلة يكون نومه في السيارة، ويملأ شنطة السيارة بمعلبات الفول والتونة، ويتفرج علي الغابات والأسود والنمور والقرود والفيلة والغزلان، وعندما يصل إلي جنوب أفريقيا يقصد آخر نقطة أرض في القارة الأفريقية لكي ينظر فيري القطب الجنوبي،
كما قال له: «ح احضر كل الماتشات. ناوي أقدم طلب هنا في اتحاد الكورة، اللي هنا جنب النادي الأهلي في الزمالك.. علشان يجيبوا لي تذاكر.. وإحنا أفارقة زي بعض.. أكيد حايتوصّوا بينا..».
وهناك سائق تاكسي آخر، في الخمسين من العمر، متأنق الهندام، حليق الذقن، عطر الرائحة، صوته عميق وهادئ، يكتشف الخميسي أنه بالغ الحساسية لأي نوع من أنواع الجمال.. قال الخميسي إن كل شيء في هذه الدنيا له جماله، وأنه طوال الثلاثين عاماً الماضية قسّم اليوم إلي ثلاث ورديات، وردية لقيادة التاكسي، وأخري يجلس فيها مع زوجته وعياله، وثالثة يجلس فيها للصيد في النيل، ويصف هذه الوردية الأخيرة بقوله «وعلي صفحة النيل باقرأ كلمات ربنا.. بعد الأربع ساعات دول بابقي حاسس إني شفاف، وإن ربنا معايا وماسك إيدي عشان ما أخافش غير منه».. وقد سأله الخميسي عن اسمه وهو يغادر السيارة فعرف أن اسمه «شريف شنودة».
وسائق آخر نوبي، في الخمسينات أيضاً، اكتشف الخميسي من الكلام معه أنه يهوي الرسم، وأنه بدأ حياته رساماً، وسافر إلي إسبانيا وألمانيا وأقام في فرنسا بضع سنين حيث كان يشتغل ساعياً في مكتب مصري، وكان يذهب في أيام الأحد إلي متحف اللوفر، حيث الدخول مجاناً، وهو يسكن الآن في دور أرضي في القطامية له حديقة صغيرة، يشتغل فيها كل يوم، وزرع فيها مسك الليل ولبلاب وهبسكس بزهرة حمراء، وهو أيضاً يعشق السمك والعصافير، لديه قفص كبير فيه نحو عشرين عصفورة، وقد تشاجرت معه زوجته في اليوم السابق مباشرة لأنه اشتري عصفورين جديدين بمائتي وخمسين جنيهاً، مستوردين من البرازيل، ولكن زوجته استكثرت أن يدفع كل هذا المبلغ في «جوز عصافير».
عندما انتهيت من قراءة كتاب خالد الخميسي، قفزت إلي ذهني فجأة صورة «زوربا» اليوناني، في القصة والفيلم الشهيرين، وخطر لي أني لو «عجنت» كل سائقي التاكسي المذكورين في الكتاب وعددهم ٥٨ سائقاً، فأصبحوا كلهم شخصاً واحداً، لكان شبيهاً جداً بزوربا اليوناني، حيث يجتمع الشعور القوي بقسوة الحياة، من فرط ما مر به في حياته من معاناة، مع الاستعداد الدائم لرؤية الجانب المضحك فيما يراه أو يسمعه، والتعاطف الشديد مع كل من يجده يعاني من الألم أو الحزن، والاستعداد لبذل الجهد اللازم للتخفيف عنه، مع حساسية للشيء الجميل إذا وجد، وعدم فقدان الأمل أبداً في أن مفاجأة سارة سوف تحدث، وتعوضه عن سابق آلامه.
ولكن سائق التاكسي المصري، وإن كان به شبه كبير بزوربا، فهو مصري وليس يونانياً.. زوربا يعشق الرقص ولكن سائق التاكسي المصري يعشق النكتة الذكية، وزوربا لا يستطيع الاستغناء عن النبيذ، أما سائق التاكسي المصري فيستطيع ذلك بسهولة، وزوربا يبدّل عشيقاته كلما سنحت له الفرصة، أما سائق التاكسي المصري فيعشق الجلوس بين زوجته وعياله.
خالد الخميسي رأي كل ذلك بعين الفنان الذي يفهم بمجرد النظر، ونقل لنا الصورة كاملة بخطوط قليلة جداً ولكنها بالغة الجمال، وترك لنا مهمة التحليل، ولكني وجدت التحليل مهمة ممتعة، لأن العمل نفسه كان أيضاً ممتعاً للغاية
.

وكتب .. هيثم الحاج علي تاكسي القاهـرة وأسرارها

Monday, January 29, 2007

أولاد حارتنا ..محاولة للإنصاف !!!








أولاد حارتنا ..محاولة للإنصاف !!!

الحدث الذي شهدته القاهرة منذ أيام كان تتويجا لمشهد طالت فصوله ..فلأول مرة تقوم دار نشر مصرية (دار الشروق) بنشر أول طبعة مصرية لرواية أولاد حارتنا بعد ما يقرب من خمسين عاما على نشر الرواية في جريدة الأهرام مسلسلة عام 1959 . والأهم أن المقدمة كانت لمفكرين إسلاميين من حجم كمال أبو المجد ومحمد عمارة ..
مشكلة هذه الرواية أنها لم تعد رواية بل اكتسبت كيانا معنويا خاصا بها يخيف ويرهق كل من يحاول الاقتراب منها ..وانقسم الناس إلى معسكرين ، فريق يدافع عن حرية التعبير مهما كانت ماسة بالعقائد وفريق يمارس سلطة التفتيش على الضمائر ورمي أحكام الكفر دون احتراز..أبيض أو أسود وكأن باقي الألوان غير موجودة ،وكأنك يجب أن تنحاز إلى أحد المعسكرين .
والمؤسف أن أغلب من يدلون بدلوهم لم يقرءوا الرواية كاملة وإنما استفزهم تشابه أحداث الرواية مع تاريخ الرسل الكرام فلم يفطنوا لأهم ما فيها – والسبب الحقيقي لكتابتها - وهو التغيرات التي حدثت لشخصية عرفة بعد موت الجبلاوي ..لذلك سأحاول في السطور التالية تلخيص الرواية ثم التعقيب عليها بعد ذلك مع ملاحظة أن ما بين الأقواس هو تفسيري لشخصيات الرواية .
.............
الجبلاوي هو أصل الحارة وصاحب الشروط ( الوصايا ) العشر.. لسبب لا نعلمه يفضل أدهم (آدم ) على إدريس ( إبليس ) فيتمرد إدريس ويطرده الجبلاوي من كرامته ..ولكنه يستطيع إغواء أدهم بإثارة شوقه للمعرفة ( الثمرة المحرمة ) بتحريض من زوجته فيطردهما الجبلاوي باكيين نادمين ، وينجبا قدري ( قابيل ) الذي يقتل فيما بعد أخاه همام ( هابيل ) ..ويحتجب الجبلاوي في قصره تاركا الحارة دون تدخل منه ليتم اضطهاد بني حمدان ( بني إسرائيل ) على يد ناظر الوقف ( فرعون ) الذي تبنت زوجته جبل ( موسى ) الذي يرجع أصله إلى بني حمدان ..لكن جبل يتمرد على الناظر ويلحق بقومه ولكنه يقتل – بدون قصد - أحد أعوان الناظر بعد مشادة مع واحد من بني حمدان فيهاجر خارج الحي ليسقي الماء لفتاتين لا تستطيعان مزاحمة الرجال ويكافئه أبوهما بتزويجه من أحدهما ..ويعلمه التعامل مع الثعابين ، وفجأة يظهر له الجبلاوي في خلاء الجبل فيقول له : لا تخف أنا جدك الجبلاوي، ويحاول أن يراه فيقول له لن تستطيع رؤيتي ما دام الظلام ، ويأمره باسترجاع حق بني حمدان فيذهب جبل إلى الناظر ويستخلص حق قومه بعد أحداث طويلة..
ثم يأتي رفاعة ( عيسى ) جميلا وديعا متسامحا يرفض معاقبة ياسمينة الخاطئة ( المجدلية ) ويحاول أن ينشر دعوة الحب بين بني حمدان المتحجرين فيخلصهم من العفاريت ويهبهم الصحة والسعادة لوجه الله ، وحينما لم يستجب له أحد من بني حمدان ذهب لبقية أهل الحارة وأصطفى البعض ( الحواريين ) لينشروا دعوته ، ورفض مواجهة الاعتداء بالاعتداء فهو كما قال صديق المساكين . يقتل ويرفع الجبلاوي جثته ليدفنها في حديقة القصر .
قاسم ( محمد صلى الله عليه وسلم ) يولد يتيما فيكفله عمه زكريا ( أبو طالب ) الذي لم تتغير معاملته له بعد إنجاب حسن ( علي ).. يرعي الغنم ومن ضمنه عنزة قمر ( خديجة ) الأرملة الأربعينية التي تحبه وتعجب به بعد حل معضلة كادت تؤدي إلى نشوب القتال بين أحياء الحارة ( وضع الحجر الأسود عند بناء الكعبة ) فترسل له خادمتها لتشجيعه على الزواج بها ..يفرح له جدا صديقه الحميم صادق ( أبو بكر الصديق ) ..ويتعرف على يحيى ( ورقة بن نوفل ) الذي يحبه ويرعاه روحيا ..ويتميز بالصدق والأمانة وحسن الخلق ..ثم تتغير حياته كلية بعد ظهور قنديل ( جبريل ) خادم الجبلاوي الذي يخبره بأنه مكلف بالعدل مع كل أهل الحارة بلا استثناء ( عالمية الرسالة) .تهدئ قمر من روعه ويؤمن بدعوته صديق وحسن ..ويبدأ في بث دعوته سرا بشريعة القوة عند الضرورة ( عكس رفاعة ) والحب في كل الأحوال ..يتعرض لإيذاء وتكذيب وتموت قمر وسط حزنه البالغ فيقرر الخروج من الحي ( الهجرة ) وهناك يتكون مجتمع جديد ( المدينة ) ويتزوج بدرية ( عائشة ) الصغيرة أخت صادق ..ويبلي حسن بلاء حسنا في كل المعارك التي تنشب بين فتوات الحارة وبين المجتمع الجديد حتى يدخل قاسم الحارة منتصرا ليقيم العدل رغم مكائد آل جبل ( اليهود ) ..يتوسع قاسم في الزواج وينهر بدرية بعنف حينما تذم زوجته السابقة قمر . وحينما يتوفى قاسم يخلفه صديق رغم أن أقواما ( الشيعة ) رأوا أن حسن أحق منه لقرابته وقوته . ثم رحل صادق عن الدنيا وأسفرت الرغبات المكبوتة عن وجهها واستيقظت النبابيت وعمت الفتنة وأفلت الزمام وذهب السلام وعاد عهد الفتوات وانقلبت الأحياء إلى عصبيتها القديمة وعاد السؤال الحائر الذي ما فتئ يتكرر منذ عهد أدهم ( آدم ) : لماذا يترك الجبلاوي – الذي عاش كل هذه العصور !!- كل هذه المظالم دون أن يضع لها حدا وحلا ؟ .
تظهر شخصية عرفة الذي يشتغل بالسحر ( العلم ) وهو مجهول الأب ( في إشارة لعالمية العلم ) يؤمن بالمنزلة العالية التي يتمتع بها السحر ..يملك الأعاجيب والقوة ويقوم بأعمال حاسمة في الوقت الذي يصيح فيه كل مغلوب على أمره : يا جبلاوي الذي لم يره أحد . لذلك يقرر عرفه دخول البيت الكبير واكتشاف السر.. يحاول أخوه حنش - الذي يعاونه في السحر - إثناءه لكنه يصر ويتسلل إلى مخدع الجبلاوي حيث يقتل خادمه ويهرب . في الصباح يأتي الخبر بموت الجبلاوي تأثرا بمقتل خادمه الأمين . يتملك عرفه الندم على تلك الجريمة الشنعاء التي لم يقصدها ويدرك – وقتها - قيمة الجبلاوي الكبرى ويتمنى أن يبلغ من السحر الحد الذي يمكنه من إعادته للحياة ..كان وجوده مهما جدا – هكذا أكتشف - لأن كلمة منه كانت قادرة على دفع الطيبين من أحفاده إلى العمل حتى الموت ..يتمكن من اختراع زجاجة ( قنبلة ) مدمرة واستخدمها في مقاومة الظالمين ..لكن ناظر الوقف ( السلطة ) يكتشف علاقته بمصرع الجبلاوي ويهدده بفضح أمره ما لم يعمل في خدمته ..ويضطر للاستجابة له ويصنع له ما يشاء من الزجاجات الحارقة التي يستخدمها في إنهاء عصر الفتوات لتوفير نفقتهم واستعباد أهل الحارة تماما ..يتقطع قلب عرفه لإحساسه بأنه قد أساء استخدام السحر في خدمة الظلم ..وتخبره خادمة الجبلاوي بما يزلزله وهو أن الجبلاوي مات وهو راض عنه ..ولذلك يصمم على قطع علاقته بالناظر والهروب بالكراسة التي دون فيها رموز سحره لكن أعوان الناظر يقتلونه بعد أن ألقى الكراسة بعيدا ليعيد أخوه حنش التقاطها ليبدأ تكوين مجتمع جديد يؤمن بالسحر استعداد ليوم الخلاص المعهود من ظلم الناظر وأعوانه . انتهت الرواية .
......................
وفي نقاط محددة أود التأكيد على ما يلي :
- قاد الهجوم على هذه الرواية – وقت نشرها بالأهرام عام 1959- أهم عمامتين أزهريتين في القرن العشرين (الشيخ الغزالي والشيخ سيد سابق مؤلف فقه السنة )..ولعل ما أفزعهما هي تلك السابقة في تشابه بعض أحداث الراوية مع التاريخ المعروف للرسل الكرام.. وبرغم ما أدى إليه هذا الهجوم من ذيوع الرواية وشهرتها فإنه منع الآخرين من الكتابة على نفس المنوال في أعمال أدبية أخرى . وقد التزم نجيب محفوظ طيلة حياته بالوعد الذي أعطاه لحسن صبري الخولي الممثل الشخصي لعبد الناصر بعدم نشر هذه الرواية في مصر ..وحينما نشرتها جريدة الأهالي دون موافقته - بعد محاولة اغتياله الفاشلة - لم يتردد في إبلاغ السلطات . وظل موقفه واضحا وهو عدم نشر تلك الرواية إلا بعد موافقة الأزهر (رغم ما سبب موقفه هذا من غضب المثقفين منه الذين كانوا يشعرون بحساسية بالغة من فكرة رقابة سلطة دينية على عمل فكري ).
- الرواية من الناحية الفنية ليست من أفضل ما كتب محفوظ لمباشرتها الرمزية ، كما أن طرحه الفلسفي بوجود تناقض بين عرفة ( العلم ) والجبلاوي ( الدين ) بحيث يؤدي نجاح الأول إلى موت الثاني غير مقنع ، ووسيلته في التعبير عن هذا الطرح كانت ساذجة ومتهافتة ..فيما بعد تعلم أن يحتاط وأعاد نفس الطرح في رواياته التالية بصورة أكثر فنية وأقل مباشرة .
- فيما بعد تنصل محفوظ من المعاني الرديئة في الرواية بقوله " إن كتاباتي كلها – القديم منها والجديد – تتمسك بمحورين : الإسلام الذي هو منبع قيم الخير في أمتنا والعلم الذي هو أداة التقدم والنهضة في حاضرنا ومستقبلنا وحتى رواية أولاد حارتنا لم تخرج عن هذه الرؤية ، ولقد كان المغزى الكبير الذي توجت به أحداثها أن الناس حين تخلوا عن الدين ( ممثلا في الجبلاوي ) وتصوروا أنهم يستطيعون بالعلم وحده ( ممثلا في عرفه ) أن يديروا حياتهم على أرضهم – التي هي حارتنا – اكتشفوا أن العلم بغير الدين قد تحول إلى أداة شر . وأنه قد أسلمهم إلى استبداد الحاكم وسلبهم حريتهم فعادوا من جديد يبحثون عن الجبلاوي.. مشكلة أولاد حارتنا أنني كتبتها (رواية )وقرأها بعض الناس ( كتابا ) ..والرواية تركيب أدبي فيه الحقيقة وفيه الرمز وفيه الواقع وفيه الخيال ..ولا يجوز أن تحاكم ( الرواية ) إلى حقائق التاريخ ".
- نجيب محفوظ كاتب أسطوري تشرفت به جائزة نوبل أكثر مما تشرف هو بها فقد نالها قبله - وبعده - أدباء لا يرقون لمنزلته ، ونظرية عداوته للإسلام من أجل رضا الغرب عنه لا تصمد لأي تدقيق ..فالرجل كتب هذه الرواية في نهاية الخمسينات أيام المد الثوري المعادي للغرب ..كما أنه عاشق لمصر لم يغادرها حتى لاستلام جائزة نوبل . يجب ألا ننسى مواقفه الشجاعة في انتقاد ممارسات الثورة أثناء حياة عبد الناصر في السمان والخريف وميرامار بشكل يثير دهشتنا حينما نقرؤها الآن . إن من يتهم نجيب محفوظ بتعمد السخرية من الأنبياء أو ذي الجلال والإكرام عز وجل لهو رجل لا يعرف أي شيء عن شخصيته التي اتسمت بالوداعة والتواضع واحترام معتقدات الآخرين ..يجب التأكيد على ذلك فالمرء لا يمكن أن يكون مسلما وغير عادل في الوقت نفسه والقرآن الكريم يأمرنا بالعدل حتى مع من صدونا عن المسجد الحرام .
- لا يمكن فهم هذه الرواية إلا حين وضعها في سياقها الطبيعي من أعمال نجيب محفوظ ..ليس سرا أنه لم يكف عن الإيمان بالخالق عز وجل ولكنه تعرض لفتنة عقائدية مزلزلة أثناء دراسته للفلسفة بسبب الفارق بين العلم ( بحياده وإمكانية تكراره ) وبين الدين .. في رواية " قلب الليل " يقول بطل الرواية (جعفر الراوي ) : لقد اكتشفت عالم العقل ففتنت به .. مأساتي الخاصة نشأت من الصراع بين عقلي وإيماني الراسخ بالله ..تزعزعت ثقتي في الإيمان الخالص كما تزعزعت في لغة القلب ..أردت علاقة حميمة واقتناعا لا مفر منه مثل 1+1=2 ..نفس منطق (عامر وجدي) في رواية " ميرامار " : لقد تجلى الله لأنبيائه ونحن أحوج منهم إلى ذات التجلي " .
- معضلة الشر كانت لازمة متكررة في أغلب أعماله ..وكما تساءل سكان الحارة لماذا يسكت الجبلاوي عن تلك المظالم التي تحدث ولا يقيم العدل بنفسه ؟ ، فقد تساءل (عمر الحمزاوي) في رواية الشحاذ : إن كنت تريدني حقا فلم هجرتني ؟ ، وتساءل أيضا (صابر ) الذي يبحث عن أبيه الغائب" سيد الرحيمي " في رواية الطريق عن سر لا مبالاته به؟ ..والواضح أن الدين عند نجيب محفوظ كان مشكلة أبطاله الدائمة....لكن المؤكد أنه لم يسترح إطلاقا لنبذ الدين أو هدم العقيدة خصوصا أن عقليته المنظمة كانت تمنعه أن يترك ثغرة في حجم الدين وأهمية الاعتقاد .. هل كان هذا بتأثير من المبادئ الدينية التي غرستها أمه في طفولته أم لفطرته السليمة التي كانت تقوده إلى الخالق عز وجل ؟ قال جعفر الراوي وهو يتأمل مئذنة الحسين : أنا عاجز عن الكفر بالله . فطرته السليمة جعلت عودته الحميمة للدين مسألة وقت ..بالضبط نفس مشاعر الرحالة في رواية " رحلات بن فطومة " حينما عاد لديار الإسلام بعد غربة طويلة في بلاد الكفر وفرحته الطاغية بسماع نداء الصلاة " الآذان " واحتضانه للإمام في لهفة وتقبيل رأسه .
- لذلك أقول أن رواية أولاد حارتنا لم تقصد إهانة رموز الدين ولكنها كانت أشبه بصرخة تعبر عن معاناة مرحلة امتنع عن الكتابة فيها لعدة سنوات من فرط الشقاء..وهي معاناة تدفعنا للتعاطف معه لا كراهيته .. أعتقد أن نجيب محفوظ - وقت كتابتها - غلبه العذاب وتخلى عنه صبره وأراد أن يري الآخرين كم يتألم ..ولكننا نعرف كيف تطورت الأمور بعد عشرات السنين من لغة الحوار إلى لغة المطاوي . ولعل الله قد غفر له بما أصابه من اعتداء لم يتصور وقوعه من أبناء بلده ..لقد عاش حياته متصلا بالشعب المصري ورفض أي ترتيبات خاصة بعد جائزة نوبل تعوقه عن ذلك الاتصال ولذلك كانت محاولة اغتياله موتا معنويا أشد عليه من القتل وهزته في الصميم .

وهنا كتب مسعد خيري الإبـداع المحظور

Tuesday, January 23, 2007

«إضاءات» في كتاب


إبراهيم بادي الحياة - 21/01/07//
هل «يُدمّر» التلفزيون الكتاب؟ في البداية نشاهد مسلسلات وأفلاماً (سينمائية). نقرأ قصةً وحبكةً وعمقاً. يُكتب كل ذلك، بلغة الصورة التي تختزل كثيراً من ثرثرة الكتب. أحياناً تثرثر الصورة أكثر من الكتب. وأحياناً تكون أكثر عمقاً.
كل شيء موجود في التلفزيون: الشعر، القصة، الحوار، الوثائقيات، التأريخ، حتى المسرح لكن ربما بوجه آخر... مكتبة أدب وفن على موقع الإنترنت لا تبيع الكتب فقط. تبيع أقراصاً مدمجة تحوي أفلاماً وثائقية أنتجتها قنوات. تبيع مسرحيات صُورت للتلفزيون. تبيع كليبات صُورت للتلفزيون، أيضاً.
لا يُزعم، هنا، أن التلفزيون أعمق، لكن كما كانت هناك هجمة شرسة على إنتاج الكتب «ممن هب ودب»، كانت هناك هجمة شرسة على إنتاج صورة «ممن هب ودب». هكذا يقولون. ربما يأتي يوم تصبح فيه الصورة أكثر عمقاً. اليوم، سواء كانت «عميقة» أم «سطحية»، لا يزال هناك من يفضلها، أو يستسهلها. هي - الصورة - الأوسع انتشاراً مقارنة بالكتب (هل نحتاج إلى إحصاء دقيق لإثبات ذلك؟) على الأقل في عالمنا العربي.
رواية «عطر» لباتريك سوسكند تحولت إلى فيلم سينمائي أخيراً. قبض سوسكند، مقابل التنازل، 10 ملايين يورو! قبلها، تحولت «شيفرة دافينشي»، لدان براون، إلى صورة سينمائية. على المستوى العربي، تحولت «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني، إلى فيلم، مقابل مبلغ لم يتجاوز 10 آلاف دولار. وقريباً ستكون مسلسلاً في رمضان. ولا تزال السعودية رجاء الصانع تفاوض وتشترط مبلغاً يتجاوز نصف مليون دولار مقابل تحويل «بنات الرياض» إلى مسلسل. بينما صرح الروائي السعودي تركي الحمد أن «ريح الجنة» ستكون فيلماً قريباً، و «جروح الذاكرة» ستتحول إلى مسلسل.
هذه أمثلة حديثة، وقليلة، وإلا فمكتبة التلفزيون والسينما العالمية والعربية، تعج بصور كثيرة جاءت من روايات.
ماذا عن العملية العكسية - نقل الصورة إلى كتاب؟ هل هي مخاطرة؟ هل يجني الكتاب من القراء مقدار ما تجني الصورة من الإعلانات؟ ربما كان النقل ضرورة للتوثيق (أليست الصورة توثيقاً في حد ذاته؟).
سيُفاجئ (لم تعد مفاجأة، بعد نشرها) الإعلامي السعودي المعروف تركي الدخيل، جمهوره ومتابعي برنامجه الأسبوعي «إضاءات»، بكتاب يحوي حلقات «إضاءات». ليس كتاباً واحداً، بل كتب (مجلدات) مؤلفة من أجزاء. سيضم الكتاب عشر حلقات أو عشرين حلقة، أعيدت صياغتها ورتبت. مع الكتاب قرص مدمج يحوي الحلقات الموجودة في الجزء. يمكن شراء كل جزء على حدة.
الخطة أن يظهر الكتاب في معرض الرياض المقبل. سيكون إلى جانبه كتاب جديد للدخيل - بعد ذكريات سمين سابق – يحمل عنوان «سعوديون في أميركا».
ماذا بعد نقل حوارات الدخيل في «إضاءات» إلى كتب وأقراص مدمجة؟ هل يتبعه آخرون أنتجوا برامج حوارية؟ هل يتحول، مثلاً، برنامج «خليك في البيت» إلى كتاب، خصوصاً أنه اختتم سنواته العشر قبل أسبوع؟ من سيجازف ومن سيدفع؟ ربما المهم أن يكون البرنامج ناجحاً. هناك صحافيون كثر جمعوا حواراتهم في كتب. كم مقدم برنامج سيجمع حلقاته في كتاب بعد تجربة «إضاءات»؟ هل افتتح الدخيل ظاهرة سنشهدها في الأعوام المقبلة؟ إذا بدأت متى تنتهي؟
حسناً... ماذا عن الأفلام والمسلسلات؟ هل يفكر أحد، يوماً ما، في تحويل فيلم أو مسلسل إلى رواية؟ هل يُجدي ذلك؟ ربما، لو كان الفيلم أو المسلسل، ناجحاً؟ تخيلوا، رواية تحمل عنوان «الأصدقاء»، مقتبسة من المسلسل. كم ستبيع هذه الرواية في كل اللغات؟
من سيبدأ؟

Sunday, January 21, 2007

شيكاغو وما يطلبه المستمعون



د.أيمن محمد الجندي : المصـريـون بتاريخ 14 - 1 - 2007

هذه الرواية صدرت حديثا للكاتب البارع علاء الأسواني تحت اسم "شيكاغو" وتدور حول مجتمع المصريين المبعوثين هناك ..الرواية مشوقة جدا ولكني لا أعرف سر مشكلة أبطالها مع الدين .. تقول ببساطة أن ما ينتشر في مصر ليس تدينا حقيقيا ولكنه اكتئاب نفسي مصحوب بأعراض دينية . هذا قول يشاركه الكثيرون في الاعتقاد بصحته ، فالمظاهر الدينية في مصر لم يقابلها تحسن مماثل في سلوكيات الشارع المصري ، ولكن هذا لا يبرر سقوط كل المتدينين في الرواية على هذا النحو الصارخ الملفت للنظر فكل المتدينين هنا إما عملاء وصوليون أو سلبيون أو متفسخون نفسيا تسيطر عليهم باستمرار هواجس الجنس ..خذ عندك مثلا المبعوثة المصرية إلى شيكاجو لنيل الدكتوراه شيماء محمدي الفتاة المتدينة شبه الريفية التي لا تضع مساحيق وترتدي الثوب الفضفاض والخمار الذي يغطي صدرها تمارس العادة السرية ولا يمنعها الندم بعدها من المعاودة.. ثم هي ترتبط بعلاقة حب مع طارق حسيب وتمنحه جسدها على أمل الزواج به ..ولقد جعلته يردد صيغة اخترعتها بنفسها " تزوجتك يا شيماء على سنة الله ورسوله وسوف اعقد عليك فور وصولنا مصر " وبذلك اطمأنت نفسها ، تلك الطمأنينة التي لم تدم طويلا حينما اكتشفت أنها حامل ليتخلى طارق عنها فتضطر للإجهاض . وهناك تحاول الطبيبة التي تقوم بالإجهاض إقناعها بالمنطق التالي " هل من العدل أن تحرم المرأة من ممارسة مشاعرها مع من تحب ؟ وهل من العدل أن تتحمل المرأة وحدها مسئولية الحمل غير المرغوب فيه ؟ وهل من العدل أن تأتي إلى العالم بطفل لا يرغب فيه احد فنقضي عليه بحياة بائسة قبل أن تبدأ ؟ " أما طارق حسيب شريكها في الفراش فهو يشاهد الأفلام الإباحية وبعد أن يفرغ لذته يصلي بعدها ويستلقي على الفراش على جانبه الأيمن ( !! ) مرددا الدعاء الذي حرص المؤلف على ذكره كاملا " اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ..آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ."....................أما أحمد دنانة ابن قرية الشهدا فحكايته حكاية .. اعتاد مضاجعة الفلاحات الأجيرات ثم إرهاقهن بالفصال بعد أن يقضي وطره ، وهو أيضا طالب فاشل لكنه عميل لمباحث أمن الدولة التي مارست ضغوطا عنيفة على أساتذته لمنحه درجات مرتفعة حتى تم تعيينه معيدا وإرساله للبعثة في أمريكا ليصبح بعدها رئيسا لاتحاد الدارسين المصريين في أمريكا ..يهين زملاءه ويضغط عليهم مستغلا خوفهم منه إذ يكفي تقرير واحد منه لإنهاء بعثة أي طالب.. هذا الوغد دائم الاستشهاد بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية .. يبدأ حديثه بذكر الله والصلاة على الرسول ويبرر كل أفعاله المشينة بالإسلام . وحينما يبتز زوجته الغنية فلأن الادخار فضيلة كبيرة حضنا عليها اشرف الخلق المصطفى عليه الصلاة والسلام ( هكذا يقول) . وحينما يضربها فلأن الشرع أباح ذلك..منافق من رأسه حتى قدميه وحجته طبعا أن الفقهاء أجمعوا على وجوب طاعة المسلمين للحاكم حتى لو ظلمهم ما دام ينطق بالشهادتين ويؤدي الصلاة في أوقاتها لان الفتنة المترتبة على مقاومة الحاكم اضر على الأمة بكثير من تحمل الظلم .يزور نتائج البحث العلمي وحينما يكتشف أستاذه ذلك ويحيله لمجلس تأديب يتهمه بالتعصب ضد الإسلام ..ويلجأ متوسلا لمسئول المخابرات لينقذه ولا يتردد في مقابل ذلك أن يسلم زوجته إليه .وأخيرا وليس آخرا الدكتور عبد الفتاح بلبع رئيس قسم الجراحة في عين شمس الرجل المتدين الملتحي الذي لا تفارق السبحة الكهرمان يده يضطهد تلميذه كرم دوس ويتسبب في رسوبه لأنه قبطي ويحرمه من أمله المشروع في أن يكون جراحا حتى يضطره إلى الهجرة من البلاد والسفر لأمريكا حيث يصبح هناك جراح قلب مشهور ...........................وفي المقابل فكل الشخصيات الإيجابية في الرواية غير متدينة ولا تمارس أي شعائر للدين الإسلامي ( وكأنها معجزة أن تجد رجلا شريفا يصلي !!) .. ناجي الشاعر اليساري صاحب المواقف الشجاعة الذي لا يكف عن الدفاع عن سماحة الإسلام وهو يشرب الخمر ( بحجه أنه غير متزمت ولأن فقهاء الدولة العباسية أباحوا الخمر !! ) أو يضاجع يهودية (لأن الصراع العربي الإسرائيلي سياسي وليس دينيا !!) ..وحينما يعلم بزيارة الرئيس أمريكا والتقاؤه بالمبعوثين المصريين يصمم على إصدار بيان يدين الاستبداد ويطالب بإلغاء حالة الطوارئ واستقالة الرئيس وإغلاق ملف التوريث . يرفض المبعوثين المتدينين ( لا بد من الإشارة لذلك) التوقيع على البيان ويهدده مسئول المخابرات باغتصاب أخته لكنه لا يتراجع . أسطورة بقى !!.دكتور كرم دوس القبطي المضطهد يتفاجئ بأستاذه الدكتور بلبع يتوسل إليه لإجراء عملية تغيير شرايين القلب ، هذا الرجل الذي قال له يوما أنت لا تصلح للجراحة يلجأ إليه .. يهم بالرفض ويكتب خطاب الاعتذار لولا أنه نهض فجأة وكأنه تذكر شيئا وركع أمام الصليب مرتلا " أبانا الذي في السموات ، ليس كمشيئتي بل كمشيئتك " وغير الخطاب مرحبا بقدومه بل ومتنازلا عن أجره تقديرا لأستاذه ( نحن نصدق هذا النبل في جيراننا أقباط مصر ولكن أليست لدينا بطولات مماثلة ؟ ) .كرم دوس برغم نجاحه غير المحدود وشهرته العالمية يعرض على جامعة عين شمس إجراء عمليات القلب مجانا شهرا كل عام لمساعدة المرضى الفقراء ونقل التقنيات الحديثة لأطباء مصر ، بل وإنشاء وحدة جراحة حديثة مجانا بالمساعدات الدولية ( عن طريق علاقاته الواسعة ) ولكنهم رفضوا وقالوا أن الفكرة غير قابلة للتنفيذ في الوقت الحالي !!..وبرغم إحباطه فإنه يتبنى مع ناجي فكرة إصدار بيان يحرج الرئيس أثناء زيارته لأمريكا ويبذل في سبيل ذلك قصارى جهده رغم انشغاله الدائم .زينب المناضلة الوطنية التي دفعها حبها للوطن إلى ترك حبيبها المهاجر لأمريكا يسارية النزعة بامتياز تردد أغاني الشيخ إمام ..وفخورة بأنها الوحيدة غير المحجبة وسط خمسين موظفة في وزارة التخطيط كلهن محجبات!!.. وما دامت حاسرة الرأس فهي بالضرورة متنورة ، أليس كذلك؟ أما أفضل شخصية في الرواية بلا منازع فهو جراهام اليساري الأمريكي الذي يرفض العنصرية ويكره الرأسمالية الأمريكية ويقنع بحياة الكفاف من أجل مبادئه ..يحب الأطفال ويعطف على الآخرين ولا يؤمن بالدين الذي هو في - رأيه -اختراع إنساني صنعه الخوف من الطبيعة !!..........................والسؤال المحير هو ألم يشاهد المؤلف أبدا رجلا مسلما متدينا وشريفا أم أن اجتماعهما معجزة ؟ . أنا لا أنكر موهبته وعنايته بالتفاصيل الدقيقة التي هي سمة أدبه ( أنوي كتابة مقال منفصل عن خصائص أسلوبه) ..وأعرف أنه رجل لا يبيع قلمه وغالبا ما تنسجم مواقفه السياسية مع شرفاء هذا الوطن ..ولكن هذا شيء وتلك الصورة غير العادلة التي يقدمها للمتدينين شيء آخر ..هذه السلبيات موجودة ولا ننكر حقه – بل واجبه - في انتقادها ..ولكن أين باقي الصورة ؟ ..أين شرفاء المحروسة ؟ أين الشعب الطيب المتدين بالفطرة من هذه الدراما ؟ .ما أخشاه هو أن الأسواني يقدم للغرب ( الذي احتفى بعمارة يعقوبيان ) ما يريد أن يقرؤه عن الإسلام بالضبط ..لا أتكلم هنا عن مؤامرة أو عمالة ولكن عن شيء آخر دقيق كل الدقة يمكن أن ينساق إليه أي إنسان بدون وعي ..باختصار ما يطلبه المستمعون ..هذا ليس تفتيشا على الضمائر ( وهو أكثر شيء أكرهه ) ولكنه نصيحة محب لا يرضى للكاتب الكبير خسارة مجتمعه العريض من أجل مثقفين جالسين في الحديقة الخلفية لأتيلييه القاهرة يحملون نفس عقلية بعض المتطرفين الإسلاميين ويمارسون نفس الفعل : الاهتمام بالشكل دون الجوهر فكما أن التدين ليس شكلا فالفكر المستنير ليس بدوره الشكل المضاد ، والوسيلة لتنوير المجتمع ليست في نزع الحجاب وإنما ملء الرؤوس بكل ما هو مفيد .وفي كل الأحوال إذا لم تكن ظروفه قد أتاحت له رؤية هؤلاء الشرفاء المتدينين الذين أتكلم عنه فالأمر بسيط وها أنا ذا أقدم له دعوة مفتوحة لتقديم الكثيرين إليه ( هممت أن أكتب أسماءهم علنا !!) لا يفوتون فرضا ولكنهم – ويا للعجب – شرفاء في الوقت نفسه.. أساتذة جامعة في السبعين من عمرهم يعودون من معاملهم في التاسعة مساء لأن وراءهم عملا يجب القيام به ، وقضاة من أولياء الله الصالحين وأطباء يتبرعون بدمائهم ويتنازلون عن أجورهم للفقراء ويعطونهم أيضا من جيبهم الخاص ، وممرضات يستيقظن في السادسة صباحا لإعداد الإفطار لأطفالهن واللحاق بعملهن في مقابل أجر زهيد ، وآباء يقنعون بالكفاف من أجل سلامة أسرهم ..هؤلاء كلهم لم يمنعهم إقامة شعائر الدين من التعامل بوضوح وشرف . صحيح أنهم يخطئون ولكنهم يصححون أخطاءهم باستمرار ويطمحون إلى الأفضل دائما ..تلك هي مصر الحقيقية التي نتمنى أن يكتب عنها كاتبنا الكبير دكتور علاء الأسواني عمله القادم...............................

Sunday, January 14, 2007

الأدب ... وقلة الأدب


الموضوع ـ إصصــراااااااحـــــــة ــ شاااائــك جدًا ، و شـــائق ( معــًا ) ، و خطير ، لا سيمـا إن فتح تدوينة تالثة ليس بالأمر اليسير ، وإني مش محضر الكلام اللي ( الذي ) بكتبه الآن . . . . . . ، ولكن يبدو لي مهمًا ، أن ( أستفتح) المدونة ...و أذكـر أنني وجدتني محتاجًا لأن أخصص جزءًا من ( الحياة الافتراضية ) لذلك الذي أظهر شيب رأسي مبكرًا ، و زعموا ( قاتلهم الله) أنهم فضلوه عن/ على العلم !!


طبعًا أنا عارف أن الذي فضلوه عن العلم ليس الأدب الذي أقصـده ، و لا هو الأدب الذي أعنيه ، ولكن ، على رأي المثل ( ما يضرش يا عُمَر ) لنقل إنني أتخذ المثل الشعبي وسيلة ( جـيـدة ) للترويج لسلعتي البااااااااائــــــرة . . .. وهي الأدب ,.... الأدب التااااني خاااالــــص ، الذي يعرفه الآخرون بأنه ( ويبدو أن تلك أبرز خصائصه ) ما بيأكلش عيـــش ، لا سيمـا إن الناس حريصة دلوقتي على إنها تاااكـــله !!! ، الأدب الذي يتخد من الورقة و القلم أدواتٍ لظهوره ( بالمناسبة ممكن أدوات أخرى ، إنتا و شطارتك ) ، ومن " الكلمات" التي ينطقها البشر أساسًا لقيامه ، وومن نظمها عنونانًا للتحدي ، ومجلاً للمبارزة و النبوغ !!! الأدب ، أيضًا الذي يتخذ من الخيال أساسـه ، و عموده ، وذروة سنـــامه ( على اعتبار إنها حاجة مهمة قوووووووووي ) ، الأدب الذي يتفرع ، و من الممكن يتشعب ، وقد يتقسم إلى فروع عـدة أبرزها ، شئنـا أم أبينـا الشـعـر

والبشعر هنــــــا من الشعور ، ومن الكــلاااام الموزون المقفى ، ومن الكلام الموزون بـس ، ومن الكلام الحلو ، الجميل


الأدب ... يعني مش قلة الأدب ، ولا السفالة ، ولا قلة القيمـة :) . . . . . . . . . .


الأدب ، اللي إن شاااااااء الله هيفضلوه عن العلم


ولهذا الموضوع تفصيلٌ آخـر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* حد ييجي يقول لي إيه التمثال اللي انتا رازعه ف أول الصفحـة ده ، أقول له ده تمثال الكاتب المصري ، رمز للكتـابة ، و الكتـابة أدب ... مش هز أقلام :)
أما نشوفكم