Wednesday, July 14, 2010

الفصل السابع

أشياء كثيرة يمكن أن تشتهيها، وتكون الأيام كفيلة بتحقيقها لك، ولكن ما أكثر الأشياء التي لا يستطيع حتى القدر تحقيقها.. أن تكون لك قدرة طائر على فرد جناحيه والمرور أمام قرص الشمس لحظة غروب، أن تكون نقيا كالبلور.. وكما النجوم البعيدة، التي تعلم أنك مهما حاولت أن تفعل فلن تصل إلى مكانها، أو يكون لك وميضها كانت “حياة الكاتب”.
تقف السيارة أمام السرايا ينزل “عبده” السائق مسرعا يفتح الباب، تنزل بزهو طاووس، وكبرياء حصان. وباعتياد وأريحية تمد يدها لتستند على يد ابن عمها فؤاد بك. هادئة، واثقة، لا تبالي بالعيون التي ترمقها من بعيد. عشرات البنات المجتمعات أسفل الجسر يغسلن ملابسهن، وتتكدس أمانيهن على باب السماء، ولما طال الانتظار أدركن أن السماء لديها من المشاغل ما هو أهم بكثير من أمنياتهن المستحيلة.
كذلك أدركت البنت التي أعرفها أن القدر سيكون عاجزا حتى عن تحقيق هذه الأمنية لأية منا، فاكتفت فقط أن تكون لها ابنة تعلمها كيف تبتسم دون أن تكشف عن أسنانها، وأن تتحرك بمثل هذه الرقة، وهذا السحر، ويكون مرورها رهيفا كفراشة، شفافا كطيف.
أي روائح كانت تحملها “حياة الكاتب”؟! فتسكر البنات بالأحلام والرغبة، فيجتمعن مع أول فجر لمجيئها، تدق الواحدة على حائط الأخرى. في المقابل، تكون هناك حركة أخرى، موازية، خفية، لكنها معروفة لكل الشباب. ولا يخلو الأمر من عجوز متصابي، ضعف بصره فلا يراهن، لكن الحماسة والإثارة تستدعي الأطياف التي تملأ ذاكرته، وتساعده حركة الماء، ووشوشات البنات على استحلاب ذكرياته، واسترداد بعضا من الدفء إلى عظامه اليابسة.
ومن فوق الدور القريبة من البحر ومن خلف الشيش تكون الفرصة ليتأكد من يريد خطبة أية فتاة من تقسيمات جسدها الذي تلفه الجلابية الكستور دائما.
مع الليفة والصابونة يطول وقت الاستحمام، تتحسس كل واحدة أعضاءها. عادة ما أبدأ بثديًيً أكورهما فيفيضان عن كفي، أضغطهما، أدور حولهما بالليفة، يتغطيان بفقاقيع الصابون، وتبرز حلمتهما القادرتان على اختراق السائل الحليبي، أنزل إلى بطني، بحركات متوازية أدعكه، تستدير الحركات عند منطقة السوة.
الماء لديه قدرة على تكبير الأشياء.. تتسابق البنات، لكن واحدة كانت تنأى عن الحلبة فهي الأجمل دائما بين البنات، وهي مقياس الجمال، فهذه صدرها أصغر من “صفية”، وتلك مربربة، لكن فخدها ليس مدورا كما “صفية”. لم تكن “صفية” تخجل من جسدها ويبدو أنه كان الأقرب إليها. تنزلق قطرات الماء على جلدها كحبات العنب غنية وبلورية تغري اللسان بلحسها، ورغم دخول الماء إلى بيتها كانت تصر على حمامها النهري.
- ما يصحش، بناتك كبرت وعندك حمام في بيتك.
- النهر حنين، بيفهمني ويحن علىَّ. مية الحنفيات عطنة، ما أتحملهاش.

“صفية” قطعة سكر، زاد تركيزها فلم يتذوقها أحد إلا وشهق من حلاوتها، أحلى مما يمكن لأهالينا أن يقدروا، وهم الذين لا يرون للشيء فائدة إذا لم تكن له وظيفة، والمهمة الوحيدة لجمال “صفية” أن تتزوج رجلا غنيا أو على الأقل مستورا، لكن جمالها كان في الوقت نفسه نقمتها وذنبها، يخبرها “رزق”:
- عمرك ما حبتيني في يوم يا صفية.
- وليه ما طلقتنيش ؟
- مقدرتش. تصدقي بالله. أهل البلد بيحسدوني عليك، وعينيهم بتقول إنهم عارفين.

و”حياة الكاتب” ؟ دائما تراوغين عند ذكرها..
أراوغ! بل هي التي تراوغني..
ما إن ينتصف الليل حتى يصل إلى سمعي صوت موسيقي ناعم، هادئ، منتظم، كأنه تنهيدات لأصوات مكتومة، النور مقطوع أو مُطفأ، أحمل شمعدانا في يدي، من الدور العلوي المطل على الصالة أرى شبحا يرقص في الظلام دون أن تزل قدمه أو تتعثر في قطعة من الأثاث.. يدور حول نفسه.. يلف.. حركاته لولوبية، متماوجة، مذبوحة، تتحرر روحه من جسد منهك، معذب، يخنقها وتضيق به. هذا الأداء لا يمكن أن يكون لرجل، الرجال لا يعرفون رفرفات الطير الذبيح.
كانت كل حركات جسدها تتماوج مع اللحن، تنثني معه، تستدير، وهي تكاد تذوب. أخذني رقصها، وعندما انتبهت لنفسي، خمنت أنها ليست “راوية”.. “راوية” أطول وأعرض من الشابة التي ترقص أمامي الآن، ولا تكاد قدماها تلامس الأرض. ابنتي شعرها متوسط الطول ولا تنزل الصالة الكبيرة دون أن تغطيه بإيشارب، والتي أمامي شعرها مقصوص “آلاجرسون”.
الأهم ابنتي لا تملك خفة الروح التي تمتلكها من ترقص الآن، وتدور حولها كل أزهار الستائر وتتبعها أينما تمايلت، وترسم حولها هالة من الزهور كعصفور صغير يفرد جناحيه للمرة الأولى فتتجاوب معه كل المخلوقات المحبة للوجود. وبالخفة نفسها تفتح غرفة المكتب وتدلف إليها، فتتكوم الأزهار حول قدميها وهي تنظر إلى صورة “فِؤاد”. وقفت خلفها تماما، رأيت دموعها في وجه “فؤاد”، عكسها زجاج الصورة المجللة بشريط أسود، على الزجاج نفسه انعكست صورتي والشمعة في يدي، التفتت إلىَّ والتقت عينانا.

سنوات طويلة ظلت هناك، فهل ملت وحدتها؟ خرجت الفراشة من الشرنقة، رشيقة، قوية، جائعة للحياة.. تعزف لحنها الخاص وتسمعني قصائدها
يجتمع على صوتها الرقيق كل ساكني السرايا. هي موهوبة جدا. يصفقون، أمد لها يدي بورقة من جريدة.. إلى هواة التأليف القصصي يمكنك الاشتراك في مسابقة القصة التي تنظمها المؤسسة المصرية للطبع والنشر لطبع قصتك على نفقتها، اطلب الشروط من دار المؤسسة 21 ش الألفي، عمارة الطويل، ت 915150.

هل يمكن أن تكتب عني قصة؟
ينتظر ساكنو البيت قصتها لكنها تعود وفي يدها عدة سطور. اجتاز الليل حد المنتصف ولازلت أمسك بقلمي، أحاول أن أكتب شيئا، ولكن القلم ساكن سكون الموت، والحق أن له العذر فيما أصابه، فرأسي بيضاء خالية من أية فكرة يمكن أن تكتب، تبخرت الأفكار منها كما تتبخر المياه في الصحراء، وقد بدأت أشعر بالقلق، فالوقت يمر وأخشى أن تضيع الليلة هباء، كما ضاعت سابقتها، لذلك أنظر إلى قلمي أستعطفه أن يتحرك من مكانه، وكأنه المسئول عن هذا الجمود لا أنا.
الليالي لدينا طويلة ماذا نمتلك غيرها؟ لكن الليلة لا تمر دون مفاجأة، تفتح ألبومها، أقلب صفحاته المليئة بصور زفاف المشاهير، أجدها في كل الصور مرسومه بالقلم الأحمر، وجهها مبتسم ويدها ترفع باقة زهور، أمام الأميرة “فوزية” والأمير “محمد رضا بهلوي”، وبجوار “هدى عبد الناصر” و”حاتم صادق” في صورة الزفاف الرسمية، حيث تقف العروس أمام العريس، وفي يدها باقة زهور، والعريس خلفها ينظر للكاميرا مباشرة، بينما العروس تخطف نظرة للجهة اليمنى من الكادر…
بحركة مباغتة أغلقت الألبوم قبل أن ترينا الصورة الأخيرة، ألححنا عليها، كانت صورة زفاف”جيهان” الابنة الصغرى للسادات، لكن الصورة كانت ممتلئة، الجيهانتان تحاصران الرئيس المؤمن، وتكتمل الصورة بالعريس وأمه وأبيه “عثمان أحمد عثمان”، فلا مكان لحياة أو لزهورها، فقط بعض البقع التي تكونت من تساقط دموعها .
نواسيها …
تنحني وتبدأ في رقصتها التالية، تدور على الكراسي بحثا عن من يشاركها، تقترب مني، على قدمي تجلس “حبيبة”، تمد يدها لها، تنجذب الطفلة الصغيرة لسحرها، تنزل “حياة” على ركبتيها، يصبح وجهها مواجها لحبيبة، بيدها الصغيرة تبعد البنت شعرها الناعم عن جبهتها، تطويه خلف أذنها، تقبلها، ترقصان معا، تستمر في تعليم الصغيرة كيف تكون الخطوات منتظمة ورشيقة.. يبتعد الضوء عنهما قليلا، يتركز على الحائط المواجه لحجرة المكتب، ومن خلف الستارة تخرج بنت أخرى وهي تغني وترقص..” بحلق لي، بحلق لي، وبص لي”..لا تفارقها عيناي، ويدي تضغط على يد “فؤاد” واليد الأخرى تتحسس بطني الذي يحمل زرعه الأول، تغمرني كل نقطة ضوء تتسرب منها، تغلفني، أمتصها، تظل مخزونه في رحمي إلى ساعة لست أعرف ميقاتها.
جميعنا يتمني البنات، البنت دافئة، حانية، يمكنك أن تعيد معها طفولتك.
أفهم لماذا حرصت “حبيبة” على أن يكون جنينها طفلة.
لكنك تقولين أنه لم يكن لديك اختيار الاستنساخ يعني ولداً من الرجل وبنتاً من المرأة …البنت يتم تدليلها، شرائط، ألوان زاهية، لعب..
سأشتري لابنتك كل اللعب التي أقرأ إعلاناتها مع ملاحق الجرائد الصباحية.. عروسة بيبي وورلد، تاتو، تسريحة، طاقم سفرة، طاقم مطبخ، منزل العائلة السعيدة.. هل كنا عائلة سعيدة..؟ منير.. اشرب اللبن، انزل من على الشجرة، لماذا تأخرت ؟
عاطف.. لا تذاكر بصوت عال، اخفض صوت التلفزيون، لماذا لا ترتدي البلوفر؟
راوية.. ابعدي القطة عن طبقك، نظمي سريرك، لماذا لا تلعبين مع نور وشمس؟
ستكون ابنتك موسيقية، لا يوجد في العائلة موسيقي، البيانو في السرايا لا يفتحه أحد، أقصى ما علمته أن أصابعه البيضاء عددها 52 والسوداء عددها 36. توجد في الإعلانات ألعاب موسيقية على شكل قطة، كلب، حيوانات تكون فرقة موسيقية. جيتار موسيقي، طاقم قطار موسيقي. لعب كثيرة ظهرت لم تكن على أيامك، ولعبك مازلت أحتفظ بها كلها في حجرتك التي كانت حجرة أمك من قبل.
عندما ولدت “راوية” أصرت “الداية” على الحضور رغم وجود طبيب، وضعت يدها الصغيرة في طحين دافئ قادم للتو من ماكينة الطحين حتى لا تنمو أظافرها، ودهنت جسمها بدم وطواط، واهتمت كثيرا بتحت الإبطين وبين الفخذيين. لكني لم أسأل راوية إن كان تحت إبطها أو على عانتها شعر أم لا.
تواصل “حياة” الرقص، ترتفع جيبتها الواسعة عن ساقين متماسكتين، ليس فيهما أثر السنين التي حبست نفسها في الدور العلوي، بما يخفف مخاوفها التي كتبتها بخط يدها: يتبدى لي، أحيانا، أني وثيقة الصلة بأهل الكهف، الفرق، أنهم لم يختاروا نومتهم في الكهف، وأنا اخترت نومتي في هذا السرير. خمسة وعشرون عاما وستة شهور وسبعة أيام، تركت علاماتها في جسدي وروحي. ما الذي خسرته؟ أيامي. عمري. شبابي. لقد أتاحت لي هذه الرقدة أن أراقب العالم من بعيد، وحافظت لي على محبة المحيطين بي، رغم التجاهل، لكني كنت مثل الأزهار التي نتذكرها في المناسبات.
تعودت على الكرسي، حتى نسيت أنا الأخرى، أني لست مشلولة لكني حزينة ومحبطة. كيف يكون شكل جسدي الآن؟ هل مازلت أحتفظ برشاقة سباحة في النادي الأهلي أم تضخم فخذاي، كآن الزمن لم يمض، وهذا هو المايوه، المقاس نفسه، رائحته عتيقة، لكن شيئا لم يحدث، فقط أصبحت أكثر حرية، هم تغيروا وأنا لم أتغير.

لكن الزمن تغير كثيرا، و”حبيبة” أصبحت أطول منها.
حاولت أن تخرجك من أحزانك لكنك كنت مقيمة فيها، تخرجين منها وتعودين إليها. توددت إليك كثيرا، تسألك متى ولدت حبيبة؟ يقولون: من يولد في الصباح يكون ناجحا في أموره عظيم الشأن، ومن يولد بالضحى يكون رزقه بالتعب والمشقة والضنك. ففي أي وقت أنجبت منير وعاطف وراوية؟ أحاول أن أتذكر، ربما ولدتهم عند العشاء.
“حياة” هي الأقدر على مساعدة “حبيبة”، تحتفظ بكل رسائل العشاق والمحبين التي تنشر في صفحات القلوب الحائرة، ترصها بعناية في صندوق وترد على كثير من المشاكل. يمكنها أن تفهم السبب الذي من أجله تتمنى النساء إنجاب البنات، وفي الوقت نفسه يشكرن الله عندما يرزقهن بالولد. حنونة وطيبة، همست لي ذات صباح ونحن في الحديقة تحيط بنا أشجار النخيل المحملة بالبلح الأحمر والأصفر:
- نفسي أركب الحصان.
وعندما ركبت حصانها وجرت به على الطريق اعترضها ميكروباص، جفل الحصان، أو ربما هي التي خافت، حرن الحصان، جرح حافره، وسقطت في أرض مزروعة بالأرز.
عندما عادت قلت لها: احمدي ربنا إنك لم تصابي.
فنظرت إلى بدلتها التي لوثتها لطخ الطين ولم ترد، فقط دخلت غرفتها ولم تغادرها .
وبدأ الحصان يعاني من الجرح الذي أصاب حافره ولم تنتبهي له، فتصلبت عضلاته وفكاه، انتصبت أذناه وصار حساسا لأي صوت، حتى خطواتك الوجلة المقتربة منه، ذعر منها، في كفك حبات شعير لا يراها وقد غطي جفنه الثاني مقلتيه، يريد أن يستنشق، تتسع طاقتا أنفه لكن عضلات قفصه الصدري لا تسعفه.لا يتحرك، لا يأكل، لا يتنفس، هل تتركينه يعاني أم تتركينهم يطلقون رصاصة الرحمة على رأسه التي طالما اهتزت غرته لمرآك؟
مذكراتها في يدي.
“سعادة الإنسان غير كاملة بل هي سعادة يشوبها شيء من الشقاء”
“علي أن أقِّدر بالضبط مقدار الحزن الذي أظهره وألا أنازع الآخرين أحزانهم حتى لا أخرج تماما من الدائرة”.
“كنت أحتاج إلي من يأخذ بيدي، أحتاج محبة الآخرين كي أسترد محبتي لنفسي مثلما كنت البنت النابهة في مادة الحساب.

لكن ما بال خطوطنا متشابهة بهذا الشكل، ما بالنا كلما مرت الأيام وجدت أن ما نتنازع عليه قليل، وأن ما يربطنا ببعض كثير، أكثر مما تخيلت. فهل يمكن لها أن تكتب قصتي؟ أين هي الآن؟ بالطبع في الدور العلوي مع دادة وهيبة، هل أنت واثقة؟ لا.
لعلها تكون البنت التي ظللت أنتظر أن تدق بابي قبل الفجر، وأحيانا أفتح الباب الكبير في الصباح الباكر، أفتش في الحديقة، وعلى الطريق، علها تطلب حمايتي.
لكنها تنقذني من كوابيسي، فتأتيني مرتدية ملابس بيضاء، ترفرف بجناحيها الملائكيين، وحولها أطفال خضر منشرحين، وهي تبتسم لي راضية..
لو أني أتذكر من هي؟ لكن الأيام والشخوص تتداخل..
ماذا أفعل غير الانتظار؟
“حبيبة” تأخرت..و”راوية” تصر على إغلاق التلفزيون؟! أقف لها بالمرصاد، ماذا أفعل بدونه؟ كيف أضبط إيقاع البيت ومتابعة الخدم وإنجازهم لأعمالهم؟ أعمال البيت يجب أن تنتهي قبل موعد نشرة الثانية عشر ظهرا، والإفطار يوضع قبل أن تظهر عبارة الحلقة السادسة من مسلسل الظهيرة، والعشاء يكون مع مسلسل السابعة، أما الغداء فموعده ثابت لا يتغير في الخامسة. تتغير خريطة التلفزيون، وتتعدد القنوات، لكني لا أفطر أو أتعشى إلا عند عرض المسلسل.
- يا ماما لازم تفطري علشان تاخدي الدواء.
- لا. هصوم النهاردة.
- طول عمرك عنيده.

أنا؟ أي شخص أنا؟
سؤال متأخر.
حكى لي الموت في مسامراتنا الطويلة عن رحلاته مع العجائز والمسنين:
هناك “المسن القنوع”: الذي يرضى عن حياته، ويقتنع بما حقق ولا يخاف الموت، وعلي أقل تقدير لا يسبب له اقتراب الموت أزمة نفسية.
و”المسن الجلد”: الذي يعتقد أن الموت شيء لا يخيفه، إنما هو عدو يجب أن يقابله بجرأة وإقدام، فيعتمد على نفسه ويواجه مصاعبه النفسية والبدنية وكأنها تحدي شخصي له.
“المسن الغاضب”: هو العاجز عن تخطي المتاعب التي يواجهها، ويواجه هذه المشقات بالحديث الغاضب، والصراخ الدائم مع من حوله ومع نفسه.
“المسن البائس”: هو الذي لا يرى أملا في حياته، ويتمنى الموت حتى لا يكون عبئا على من حوله، ويفضل عدم البوح بآلامه وأحاسيسه خشية مضايقة الغير.
حتى عندما يحكي الموت عن العجائز تظل موقنا أنه يتكلم عن أحد غيرك. لكنك تصبح عجوزا حقا…
حين تدخل عليك واحدة رأيتها من قبل وتحدثك حول حاجة ابنك الثاني إلى نقود للسفر وتأسيس منزله كملحق دبلوماسي في لندن، تصغي إليها وسؤال يطن في أذنك، ما هي علاقة فاطمة الشغالة بعاطف ابني؟ تصب جامات غضبك على ابنك الذي يوسط الشغالة مهما كانت متانة علاقتك بها للتحدث عن حاجة له، وبينما السؤال يدور في مداراته اللانهائية، يخطف بصرك بياض ولمعة أسنان الجالسة أمامك، تستحلب أمومتك بتودد، تبرزه غمازتان في الخدين الممتلئين، وكما الوحي أو الإلهام وقبل أن تخطئ، أو يكتشف الآخرون حالك، واستقرار الوجوه في بحر النسيان، وضياع مخزونك، وغرقه في بحر الضباب، إذ بعود ثقاب يضيء الحقيقة ويعيد إليك ذاكرتك التي لم تشك في ضياعها.
وبدربة الذين اعتادوا المتاهات والخروج منها، أربت على كتفها:
- محلولة يا عيني.
تخرج من الباب وتدخل من البوابة الكبيرة، وهي في يد “عاطف”، والفرحة ترقق حديثه، وطبعه المحافظ الكتوم لمشاعره، وتجعله يتخلى عن حياده ودبلوماسيته لينحاز إليها، ويعلن رأيه واضحا صريحا مصادرا أية محاولة للتأثير على قراره، وناقلا لي عدوى حماسه وهو يقدمها:
- ماما “سناء” زميلتي في الكلية ووالدها كان سفيرنا في باريس. دلوقتي ترك العمل الدبلوماسي وفتح مكتب استيراد وتصدير.
- أهلا يا روحي نورتينا.
وبعد أسبوعين كنا في فيلتهم بالمهندسين نطلب يدها وبعد أقل من شهرين تسلم “عاطف” وظيفته وعروسه معا.
وبسفر “عاطف” خلا البيت إلا من “راوية” و”حبيبة” وصور “فؤاد” و”منير”.
لكنهم يحضرون فجأة.. يقطعون دروسهم، والأولاد يتندرون ويسب كل منهم الأخر: أنت يميني رجعي، وأنت يساري متهور. جاءا معا وظلا يتقاذفان بالمخدات ولم تفلح محاولاتي في الفض بينهما، لكنهما بقيا ينامان في نفس الحجرة التي كوناها معا.
الحجرة مغلقة. رحل صاحباها بعد انتظام الدراسة، وثبات نظام الحكم، وبقي على الجدران “تشي جيفارا”، “عمر الشريف”، وتراب ناعم يراوغ الخادمات، يتسرب من الشيش والزجاج، السريران المتوازيان، طوابع البريد، أعلام الدول، شرائط “الشيخ إمام”. أول سِنََّة سقطت من أسنان “عاطف”، انخلعت بالليل، فغسلتها ولففتها في منديل لأرميها في عين الشمس..” يا شمس يا شموسة خدي سِنَّة الجاموسة وهاتي لي سِنه جديده آكل بيها البسبوسه”، لكن شمس اليوم التالي عندما أشرقت كانت المساحة التي تطل فيها على أراضينا قد تقلصت، ونسيت سِنة “عاطف”.
أين “فؤاد” الآن؟ وأين “يحيى” و”صفية”؟

الفصل الثامن

أي حيرة كتبت على صفية؟
فقد كبرت بناتها الثلاث: “نور” و”شمس” و”قمر” وهذا أمر طبيعي.
أما غير الطبيعي فهو الشبه الكبير بينهن، ما إن يرى أحد من أهل البلدة إحدى البنات حتى يسألها: أنت أخت نور؟
وما يحدث بالفعل أن الشبه بينهن تزداد كثافة تفاصيله.. الشعر الأسود الناعم، العيون اللوزية، البشرة البيضاء، الغمازات.. ما إن تبلغ الواحدة منهن حتى تتطابق ملامحها مع ملامح أختها الكبرى.
هذا التشابه بات يشغل بال صفية، أما “رزق” فكانت البنات لديه بنتا واحدة لا أكثر، ينادي عليها عندما يحتاج إلى كوب ماء على الغداء أو كوب شاي.
البنات أنفسهن انتبهن إلى هذا التشابه، وأصبح لديهن إصرار على تأكيده، عند اختيار تسريحة الشعر، القماش والأحذية، وفي مدارسهن كانت الواحدة منهن تتخرج وتأتي الأصغر، فتتعجب المدرسات من الشبه بينهن.
هذا الشبه الذي كان مسار تندر، صار مشكلة لمن يريد أن يخطب واحدة منهن، فعندما يأتي خاطب مع أهله ليقول: أريد الزواج من “نور”، تجلس البنات الثلاث أمامه ويسألنه: هل يمكنك أن تحدد أية واحدة منا “نور”؟
تنمحي السنوات التي بين كل واحدة والأخرى، ولم يكن العمر قد رسم أيا من خطوطه على الوجوه الغضة وحتى عندما يقوم بعمله فإنه هو الآخر سوف يشارك في اللعبة ذاتها، ويتواطأ معهن، ويرسم على وجوههن خطوطا رهيفة رقيقة لا تصل أبدا إلى حد التجعيدات.
نادرا ما استطاع أحد أن يميز بين البنات الثلاث، وإذا حدث لا يتعدى الأمر أن يكون مجرد تخمين.
لكن “صفية” كانت تعرفهن، وتوضح لحسنة كيف لا يختلط عليها أمرهن.. من رائحة الليمون التي تهفهف بمجرد مرور “شمس”، كنت وحدي في البيت يوم مولدها، ذهبت “نور” تنادي “رزق” من المقهى، وأنا نائمة على الكنبة في الصالة تحت النافذة المطلة على المشتل، ومع وجع الطلق تزداد كثافة رائحة أشجار الليمون، تنعشني قبل أن يغمى على.. من الليونة في حركة “قمر”، كم كانت ولادتها سهلة حتى أنها انزلقت قبل أن تصل “أم خليل” الداية. بمجرد أن أفكر فيها أجدها أمامي، دافئة، حانية، لم يكن عالمي ليكتمل دون هذه البنت التي لا تغيب ابتسامتها.
أما “نور” فهي رائحة الماء، وندى الفجر الذي كنت أتلقفه وأنا شاردة أيام حملها، وإحساس مثقل بالذنب والرجاء والخوف يغمرني، وجاءت نور، شربة ماء في ساعات القيظ والسلام الذي منحني العالم إياه، ولكن صراحتها مثل السهم تخيفني.
لا تخشى “صفية” على البنات إذا كن بصحبة “نور”، فهي التي تستطيع أن تتحمل الحقيقة التي لن تقولها “صفية” لهن، وكان الأمر واضحا بالنسبة لصفية مهما اصطدمت بالسؤال في لمعة عين “نور”، أو ارتسمت الإجابة متكدرة على وجهها فلن تقول، وكان الاتفاق الصامت ألا سؤال وألا إجابة.
وهى تتعجب كيف لا يفرقون بين بناتها الثلاث، ربما يكون في الأمر سحر أو “عمل”، ربما يكون “رزق” هو الذي ربط “العمل” كي ينتقم مني.
لا تريحها كلمات حُسنة: ولماذا يفعل ذلك لبناته؟ لا تدري صفية إن كانت تتخابث عليها أم أنها فعلا خرفت بعد وفاة ابنها، وقد يكون صحيحا ما ترويه راوية :”أصبحت أمي تستخدم العادات كما شالها الصيفي المشغول من الدانتيلا البيضاء بوروده المشمسة الواسعة، تضعه على كتفيها وقتما تريد وترميه على أقرب كرسي حين تمله، فتفتح الراديو على إذاعة الشرق الأوسط ومازال جسد قريب لم يبرد في قبره، وتقف في الشرفة بشعرها الأبيض المعصوب بشريط زاه دون طرحتها وتدندن “عدينا يا شوق عدينا على بر الهوى رسّينا” بينما النسوة يعبرن بسوادهن أمام البيت الكبير في اتجاه السرادق المقام وصوت المقرئ يلعلع في السماء “يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية”
وأحيانا تذهب لزيارة بنت من بنات العائلة لتهنئها بسلامة الولادة، فما أن ترى المولود حتى تقول:
– ماله وحش كده، يا اختي ده زي القرد.
تربت على رأس النفساء، تقبلها وتعطيها عشرة جنيهات
– متزعليش يا حبيبتي.
وتغالب دموعها وسط زغاريد السبوع
- يا ماما كسفتينا.
تضغط على يدي وتقول: هيزوره قريب، الولد ده ولد موت.
لم يكن من مفر لحيرة “صفية”، وإن كنت لا أوافقها على شكها في زوجها، وأرى من واجبي أن أتدخل لتوضيح بعد الأمور:
فلا يعني كوني ملك الموت أن أكون حياديا مع جميع الأشخاص، لكني صدقا أضمن حيادي مع هذا الرزق، الذي يبدو باهتا كما ظل، ليس له من وجود سوى في جلساته مع أصدقائه لتدخين الحشيش والأفيون. ولا يزيد عن كونه رجلا أصلعا، عندما يضحك تتجمع حبات العرق على جلد رأسه المحمر، وتتناثر بقع بنية على جلد يده وعلى ذقنه يداريها بلحية خفيفة بيضاء.
يحيرني هذا الرجل، فهل كان يعلم أن “يحيي” هو أبو بناته، أشك، وما أدراك ماذا يعني الشك بالنسبة لي أنا ملك الموت، لكني أتصور – وأنا لا أملك يقينا- أنه غافلني في هذه النقطة.
ليس أمامي غير أن أختلق لكم رواية.. عدة روايات…
الرواية الأولى: أنه كان متزوجا من امرأة أخرى في بلدة بعيدة.. وبعد عام لم ينجبا، ذهبا إلى الطبيب، أخبره أنه لا يمكنه الإنجاب، وبعد هذا التقرير طلق زوجته لأي سبب، وطلب نقله إلى مكان لا يعرفه أحد فيه، وتزوج “صفية”، ولما وجد البنات حوله حمد لها وللبنات أنهن أعطينه شهادة رجولته وكماله، ولم يفضحهن كي لا يفضح نفسه.
الرواية الثانية: أن الشكوك كانت تساوره فلم يكن على يقين قاطع بشيء، ونفسر بهذا علاقته المتذبذبة بالبنات بين الحب والنفور، حتى أنه يتصرف في كثير من المواقف وكأنه ليس أكثر من زوج أم.
الرواية الثالثة: أنه مثل كل الرجال الذين لا يشكون، كان على يقين أنهن بناته ومن أجلهن كان يتقاضى الرشاوى من جمعية “تقاوي البطاطس”، كي يحافظ لهن على مستوى معيشة معين، ويضحي بسمعته من أجل مستقبل البنات. وهذا ما سيجعل “نور” ممتنة له وتصر على إحياء مشتل الزهور الذي أهمله.
فعلي “صفية” أن تمحو فكرة “العمل” من رأسها، وتنتبه لبناتها أكثر، وتبحث معهن عما يفتقدن، فالأميرات الثلاث يضعن شرطا لمن يريدهن.. فقط أن يعرفهن، أن يميزهن، أن يقول: هذه “نور”، هذه “شمس”، هذه “قمر”. لكن الفتيات الثلاث كن متشابهات وزمن الحواديت قد انتهى، وفي حياة الناس ما هو أهم من البحث عن توأم الروح، أو الفلقة الثانية من حبة الفول، المهم أن تكون العروس مؤدبة،وبنت ناس.
والحقيقة أن كل من يتقدم لهن كان معذورا..
لكن البنات كن خياليات، ويطمحن إلى المستحيل، لذا تراني أتعاطف معهن، وأُحمل “يوسف إدريس” مسئولية مصيرهن، وعدم زواجهن، فهن لم يتمسكن بهذا الشرط إلا بعد قراءتهن لقصة “بيت من لحم”، أرعبتهن فكرة التواطؤ، وكان في حياتهن من الغموض ما يكفي، ومن التساؤلات الخرساء ما يثقل كاهلهن.
وعندما أصرت البنات على موقفهن وزادت حيرتها، أطلعنها على القصة، لكن صفية فهمتها بطريقتها، فزاد رفضها لكل محاولات “يحيى” الزواج منها.
إلا أنها ككل الأمهات لا تكف عن الشكوى.
تشتكي إلى “يحيى” في زيارة له في مستشفاه، وهي تجري الفحوص الطبية بعد شعورها بالألم في الجهة اليسرى من ثديها وإحساسها بوجود “كلكوعة” تحت إبطها الأيسر.
– البنات بقوا عوانس.
لكن “يحيى” كان يرى أن بناته مازلن شابات، وكان يمني نفسه بيوم تلين فيه رأسها ، ويعيش مع البنات، وهذا ما لم يحدث، فلم يكن أمامه سوى أن يجذب بناته إلى العالم الذي بناه لنفسه وأن يحتفظ بجزء منهن، فاشترى جهاز “ريكوردر” لكي يستمع إلى تسجيلاتهن، ويحتفظ منهن بذبذات الصوت التي لا تفنى ولا تضيع ويسمعهن في أي وقت يريد. وأصر على إكمال تعليمهن في جامعة القاهرة.
- إنت البنات معاك طول الوقت، نفسي أقرب منهم.
تمنى أن يستقطبهن، وعندما تخرجت “نور” وفر لها وظيفة “مديرة الحسابات” في مستشفاه لكنها صدمته، عندما علم من “حُسنة” برغبتها في تأجير جزء من الفدادين الأربعة المحيطة بالسرايا لتوسع مشتل الزهور الذي أهمله رزق وأسمته “رزق البنات”
زارها في المشتل، وجده متفتحا بكل الزهور…القرنفل، الورد البلدي، الياسمين برقته وبياضه الناصع، البلاك روز السوداء النادرة بملمسها القطيفي، البنفسج، الليليم بألوانه الفوشيا والأبيض والبرتقالي، عصفور الجنة، الأوركيد، الجلاديولوس بساقه الشامخة، الماري جولد بلونيها الأصفر والبرتقالي.
وفي خلفية الزهور توزعت نباتات الزينة. هناك نباتات يعرفها: الفيكس ديكورا، البوتس، الأناناس، الأروكاريا، الأسبرجس الناعم، الصبارات: البلدي والشمعدان وجلد النمر. وأنواع أخرى يجهل أسماءها، فعرفته عليها: القشطة أوراقه تشبه مذراة القمح، الكلاديم: ورقته خضراء قلبية مبرقشة باللون الأحمر أو الأصفر أو الكريمي وساقه ضعيفة، الرويو يشبه النخل ورقته مستقيمة وضعيفة، الدراسينا مانسنجيانا ورقته طويلة رخوة، الدارسينا مارجيناتا ورقته شريطية رفيعة.
- إزاي بتميزي بينها؟
- زي ما إنت بتميز بيني وبين “شمس” و”قمر”.
- أحيانا بحس إنك بتكرهينني؟
- أكرهك!! ليه؟
- نظراتك.
- مش كره، ده وجع. كل مبشوفك بتوجعني، في أحيان كتيره، ببقى عايزه أحضنك، وكلمة بابا على لساني، لكني أكتمها فتوجعني.
- أنا أبوك، قوليها..
- اللي بيوجعني أكتر إن عمري ما كان لي الحق أتباهى بابويا، بابا رزق، عارفه انه مدمن، وإيده طويلة على فلوس الجمعية التعاونية. وإنت! عمري ما تكلمت عنك، أخاف يسألوني هو يبقى لك إيه؟
- ممكن نعيش مع بعض، ونسيب هنا خالص. أنا..
- لازم تفهم، مهما كانت عيوب بابا، عمره ما جرحنا، مفيش مره شخط في واحدة مننا، المشتل ده كان نفسه فيه، ومش ممكن أسيبه.
- وأنا؟
- مش هنديك أكتر من المساحة اللي إديتها إنت لنفسك.
- ممكن أحضنك؟
- لا. بابا معودناش إننا نحضنه.
لذا لم يصر على ذهاب “شمس” و”قمر” إلى القاهرة ما دمن سيعدن في النهاية إلى “رزق”. واكتفى منهن بما يختلسه من أوقات متعة صغيرة، مثل ذهابهن معه إلى الأوبرا. اخترن يوم الاثنين لحضور العرض الختامي لأوبرا “كارمينا بورانا” للموسيقار الألماني ” كارل أورف”، التي كان مقدرا أن تكون خاتمة العروض الشتوية لحفلات دار الأوبرا، كانت شيئا مختلفا وجديدا. في الاستراحة أتفقن على تكرار التجربة، لكن هذا لن يحدث فدار الأوبرا احترقت بعد ثلاثة أيام من تلك الليلة التي ستبقى في ذاكرتهن ويحكين عنها كلما شاهدن “عبد الحليم” يغني “نار يا حبيبي نار”، أو “فريد الأطرش” وهو ينادي على “فاتن حمامة”، ومازالت الحكايات على ألسنتهن وهن يشغلن “بلوفر” من الصوف لطفلة جديدة قادمة لهذه العائلة.
بالطبع لم تكن الزيارات القليلة أو الجلسات الصغيرة في حديقة “جروبي”، أو حتى مساعدتهن في مشتلهن تريح يحيى أو تزيح قلقه من الحرام الذي كان يشعر به تجاه علاقته بصفية التي تصر على عدم الزواج به؟ ومحاولاته المستميتة معها، سأتزوجك غصبا عنك. لكن شيئا لم يثنها عن قرارها.
ربما هي “صفية” الأخرى. هل نسيتموها؟ “صفية” التي لا تحبونها؟ ربما كانت تقود “صفية” في دروب من المتعة لم تعرفها حتي مع “يحيى الفقي”، لكن ما يمكن أن أقوله لكم إن هذا القلق وهذه التساؤلات، لم تؤثر في وسامة وجاذبية “يحيى” رغم أنه في الستين والفضل للكريمات والهرمونات، حتى أن “صفية” حين انتهى ما بينهما وعاد فقط ابن العمة وأبو البنات لم تكن تندم على شيء من علاقتها معه سوى أنها أضاعت على بناتها فرصة عريس وسيم ورشيق، على الأقل كانت تطمئن على واحدة من البنات، وظل “يحيى” في خاطرها بطلا لأفلام الأبيض والأسود، لم تصبه نغبشة الألوان.
ورغم علاقاته المتعددة التي كان يسميها احتياجات ضرورية، إلا أن “صفية” ظلت في الأماكن العصية على التفسير، في منطقة هل حدث هذا فعلا أم لا؟ وعندما يجلس أمام الفضائيات ويشاهد الجميلات اللاتي منحهن بمشرطه جمالها، يجد أن نسيانه لها أمر عليه ألا يتعب نفسه في محاولته، فهي قادرة على اقتحام حياته وفرض نفسها ولو عن طريق الأخريات.
في بداية شهرته كجراح تجميل لم يكن متعمدا تلبيس ملامحها لجميلاته لكنه اختيار أول فتاة جاءته لإجراء جراحة تجميل، فبينما هو يمعن النظر في وجهها لتحديد ما يحتاج من إزالة أو إضافة، أمسكت الفتاة بصورة صفية وقالت:
- أريد أن أكون شكل هذه.
وعندما تشاهدون الشفاه المنتفخة، والخدود المستديرة تذكروا “صفية” ورغم ذلك لم تكن واحدة منهن “صفية”.. الطبطبة على الظهر، اللمعة في العينين، حرارة شفتيها على باطن كفه، مما يجعله يهمس لها إذا التقيا في مناسبة عائلية
- إنت لازم ساحرة لي.
وإذا آمنا بالسحر فإننا لن نحتار أو نتساءل لماذا يصدقها؟! وهي التي ترفض الزواج منه، وكيف يوقن أن البنات فعلا بناته؟!. وإذا كنتم لا تؤمنون مثلي بالسحر فهناك إجابة من ثلاث احتمالات:
إن قلبه يصدق صفية.
إنها رغبة في أن يكون له ظل على الأرض.
إنه ككل الرجال مغفل كبير.
لكنها ظلت محتفظة بصلابة رأسها حتى النهاية. لم يكن أحد بقادر على إثنائها عن قرار اتخذته، حتى أنها رفضت بعد أن تأكدت إصابتها بالسرطان أن يتم استئصال صدرها الأيسر:
- يمكن أن ينتشر الورم في جسمك كله.
- كله مكتوب.
تحملت ألمها، رفضت العلاج الكيمائي، وليلة موتها استندت على كتف واحدة من بناتها. استحمت في النهر، هذه الليلة كان الهواء لطيفا والقمر منيرا، لكن أحدا لم يتلصص عليها وهي تستحم، فقد كانت فروع شجرة الصفصاف تنوح أكثر من المعتاد، كما كان الشباب مشغولين بالسهر في دار إبراهيم أبو مسلم، يشاهدون فيلم حمام “الملاطيلي” لشمس البارودي من جهاز الفيديو الذي عاد به من العراق.
ارتدت كفنها وضفرت شعرها ونامت في الحجرة المغطاة بورق الحائط المليء بعصافير الجنة، وعندما اقتربت منها ونظرت في عينيها البلوريتين، توقعت أن أرى الصورة التي أوصف بها، وتتردد على الشفاه حتى صدقتها وصرت أخاف النظر في عين من ألقاه، بحثت عن وجهي الصخري الكالح، عن العين المطموسة في وجهي، والعين الحية في قفاي، عن رأسي التي لو صبت عليها جميع البحار والأنهار ما وقعت منها قطرة على الأرض، عن أجنحتي الأربعة آلاف، عن العيون والألسن التي تملأ جسدي وتجعلني أتخفى في آلاف الأشكال حتى لا أرى حقيقتي التي أخشاها وأهرب منها. في عينيها انمحت هذه الصور، ورأيتني طائرا أخضر مستكينا، منكمشا على نفسه، ولا أبالغ إذا قلت مكسور الجناح، فأدركت أنها تتوق لي، وأنها لا تهابني بل تشفق على.
دفنت “صفية” في حديقة المسجد الذي بناه “يحيى” على النيل مباشرة، ومازال قبرها مجاورا لمكتبة الجامع.
وربما يكون هذا حدث لواحد من الأسباب الثلاثة:
أن عين النساء المخصصة لعائلتها كانت قد استقبلت زائرة منذ أقل من أسبوعين بما يمنع فتحها قبل ستة أشهر.
أن “يحيي” أراد أن تدفن في أرضه، وهي التي رفضت أن تعيش في بيته.
أن “صفية” من أولياء الله الصالحين.
ويبدو أن أهالي البلدة وخاصة النساء يرجحون الاحتمال الأخير، ويتهامسون بأن أمنيتها تحققت وهي التي كانت تكره الذهاب للمقابر وتقول إنها مزدحمة وخانقة.. يا سلام لو الواحدة تدفن في الوسع والبراح.
ورغم دعوة أعضاء جماعة “أنصار السنة” أهالي البلدة إلى مقاطعة هذا الجامع، فإن البلدة هجرته قليلا، وعادت إليه لمشاهدة موكيته الأخضر، والحصول على جوائز مسابقات حفظ القرآن الكريم، ولا يخلو الأمر من امرأة أو شابة توقد شمعة وتضعها على القبر الذي نمت على شاهده شجيرات “الجهنمية” بألوانها البيضاء والحمراء والبنفسجية. وعلي عكس ما تتوقعون وما توقع أهل البلدة لم يظهر عفريت لصفية أو حتى شبح يجذب الرجال إلى قاع النهر الذي تحب، فصفية لم تكن بحاجة إلى الطواف ليلا فبعد تسعة أشهر من وفاتها، استقبلت البلدة عددا كبيرا من الصفيات واللاتي ولدتهن أمهاتهن بعد أن استحممن بماء غسلها.

الفصل التاسع

يأتيني في مساءاتي بعد أن تسكن الأحياء، ألتقط خشخشة أقدامه، أشم رائحته، ليست رائحة الولد الصغير الذي كنت ألقمه صدري، وتختلط رائحتنا، ولا الولد الذي يستحي من عرقه، أو رغبته في ملابسه الداخلية وأنا أبتسم: ابنك كبر.
كانت تلك الرائحة التي صفعت وجهي، وهم يفتحون الصندوق، ويحاولون إبعادي عنه، يخرس لساني بينما تصرخ خلاياي، وتجثم الحسرة على روحي فلا أستطيع حراكا، يتسرب دمي قطرة.. قطرة، ويحتل الحزن أوردتي.. جسده ممدد بملابسه، ورائحة الدم الصدئة تنبعث من رقبته التي يتخثر عليها الدم ويمنع مزيدا منه، وبجوار ذراعه الأيمن رأسه وحيدا، وعيناه مسدلتان لا تريدان أن ترى حاله، والغدر الذي أطار رأسه، وأبقى له وجها اختلطت تفاصيله، فلا تتبين منه غير الوجع والأنين.
سأظل أنا أسأل: لماذا؟ وهل كان يمكنني منعه من السفر؟
– فرصة يا ماما إني أغطي حدث مهم بالشكل ده. المنطقة بتتغير، وكنا فاكرين أكتوبر آخر الحروب، صدام بيحمي العرب من المد الثوري الإسلامي.
تتدخل راوية – المد الإسلامي مش هيوقفه شيء.
– يا ماما أنا مش رايح للحرب، المراسلين مكانهم في الصفوف الخلفية.
لم أسأله ساعتها :ما علاقتك أنت بالحروب ؟ وأنت الذي تكتب عن الرحلات والسياحة وتسافر لتكتب عن عجائب البلاد.. جزر المالديف المرجانية، هاواي بلاد الرمال البيضاء، جزر سنتوسافي، سيشل، جالابجوس.. ومن كل بلد ترسل لي صورا ..أسماك الببغاء، الدرافيل.
– متقلقيش، هأعود.

وتعود….
تأتيني خطواته، أشعر بها، ومن بابي الموارب، يدخل هيكله حاملا رأسه على يده، فلا أفزع، وهل تخاف أم من ابنها؟!.. آخذه من يده، وأربت على عظامه الشاحبة يمد لي يده برأسه، أضعها في حجري، وأقبل أنامله الباردة، ينهمر حزني، يتساقط وجعي، فتنبت أصابعك، يداك، ذراعاك، كتفك، وتعود يا صغيري لي، كما كنت أجففك قبل أن تذهب إلى المدرسة، قبل أن تستحي مني وترفض أن أحممك، لكن دمك المتخثر يعود على رقبتك، وتشير إلى رأسك المقطوع، فأربت عليها وأحكي لها حكاياتي القديمة.. هل تذكر الفأر الذي قال لصاحبه:
“إن من الحيلة أن تذهب أنت أيها الظبي، حتى تكون في طريق القانص، فتربض كأنك جريح مثبت، ويقع الغراب عليك كأنه يأكل منك وأتبعه فأكون قريبا منه؛ فإني أرجو، لو نظر إليك، أن يضع ما معه من قوسه ونشابه ويترك السلحفاة ويسعى إليك؛ فإذا هو دنا منك ففر منه متظالعا حتى لا ينقطع طمعه فيك، وأمكنه مرارا حتى يدنو إليك، ثم امدد به على هذا النحو ما استطعت؛ فإني أرجو ألا ينصرف إلا وقد قطعت الحبل عن السلحفاة وخلصتها. ففعل الظبي ذلك هو والغراب، فأتبعه القانص طويلا ثم انصرف وقد قطع الجرذ وثاق السلحفاة، ونجون جميعا. فلما رأى ذلك القانص ورأى حباله مقطوعة، وفكر في أمر الظبي المتظالع، والغراب الواقع عليه كأنه يأكل منه وليس يأكل، وتقريض حباله قبل ذلك عن الظبي. فاستوحش وقال: إن هذه إلا أرض سحرة أو جن. فانصرف مذعورا موليا لا يلتمس شيئا ولا يلتفت إليه. واجتمع الغراب والظبي والجرذ والسلحفاة إلى عرائشهن آمنات.
وأقرأ عليك قول الفيلسوف للملك:
فإذا كان هذا الخلق على صغره، وضعفه قد قدر على التخلص من مرابط التهلكة، مرة بعد أخرى بمودته، وخلوصها وثبات قلبه عليها، واستمتاعه مع أصحابه، فالإنسان الذي قد أعطي العقل والفهم وأُلهم الخير والشر، ومنح التمييز والمعرفة أولى وأحرى بالتواصل والتعاضد.
فيعود شعرك الجعد وفتحات رأسك الواضحة، وتفتح عينيك وأضع رأسك على جسدك، تقبل يدي، وأضمك إلى صدري الجاف، فأشعر بدبيب اللبن يسري في عروقي، تحيطك عيناي، ترقصان حولك. تحكي لي عما لم تكتب في خطاباتك، وأظل أستمع إليك، ويمتد الليل بيننا، أعوض أيام غربتك، وقبل أن ينتشر ضوء الفجر، تنبهني لموعدك، لا أريدك أن ترحل، لكنك ستعود، وعلى ضوء شمعتي أراك، ومع ازدياد الضوء تتلاشى حيويتك، وتتيبس أطرافك فأبكي، لكنك تربت على كتفي، وأشعر بك تشفق على أم عجوز شاب شعرها، تفتح باب الشرفة وتخرج، فأسرع خلفك، ألمحك على الطريق، نفس الطريق وقد اختفت رأسك وانثنى ذراعك، وأينما تحط قدمك، تشيع في الأرض الخضرة، وتنبت بين الشقوق ورود شقائق النعمان الحمراء. وعندما تأتي أختك لتوقظني تسألني أمي ما هذه الرائحة؟
كنت أحتاج إليه ولم يخذلني.. جاء، ربما متأخرا شهرا أو اثنين، لكن في حدود الأمان وقبل أن أقلق وأتربص بنفسي، وتسألني الشغالات عن حالي، وهل انقطعت الدورة الشهرية أم لا؟ وإن كان التساؤل في العيون لم تنطق به الشفاه. جاء والأوفق أنه جاء ولدا. طوال حياتي كنت أتمنى أن تكون لي بنت أعلمها ما لم أتعلمه، وترتدي ما فصلته في أحلامي من فساتين.. لكني دعوت في أعماقي وأنا أتوحم ولا يثبت في معدتي شيء، أو ربما أمنت على دعاء “فاطمة”:
- يا رب ولد.
وعندما بشرتني “رحيل” وهي تنظر إلى بطني المستطيل المرتفع، فرحت. هل كان ذلك حقيقيا أم أن أمنياتي منذ دخلت السرايا أصبحت مصاغة بطابعها الرصين، الحامي لكل ما يتبقى في الذاكرة من ماض. وربما أصبحت أستكين لأرواح أصحابها، أصواتهم، خطواتهم. في الليل تزداد حركتهم، يشغلون كل الغرف في الدور الأرضي، أسمع هسيسهم، أتفاعل معهم، يزعجني نحيب أحزانهم، ويهدهد روحي فرحهم.
في أيامي الأخيرة يغيب عن موعده، أشتاق لقدومه أخرج إلى شرفتي، أراه على الطريق، يلف حول السرايا، لكنه لا يدخلها، يذهب ويجيء مهموما.
أناديه فلا يسمعني ويظل يدور حتى تشرق الشمس، فيعود من حيث أتى ما الذي يفزعه، سأذهب إليه، أفتح سحارتي، أخرج وريقاتي الصغيرة، أعد قائمة الطعام الذي يحب، ولا أنسى “فؤاد” ربما كان غاضبا مني وأوصى “منير” أن يبلغني، أجهز بيدي كل الأطعمة.. ماكرونة بالباشمل، شوربة لسان العصفور، صينية رقاق، دجاج بالصلصة، مسقعة…

قاربت الشمس على الغروب، وعليَّ أن أعد هذه الأصناف، في أي يوم نحن ؟ لماذا لا تنتبه “راوية” لشئوني؟ أين “النتيجة”؟ أشعر أنه يوم الخميس، لقد تأخرت.
هل اشترت”فاطمة” الخضروات؟ لم تعد تزرعها، الشراء أوفر، لن تكف عن ترديد ذلك، لكنهم لن يتحملوا الطعم الماسخ للخضار الذي نشتريه من السوق، فأين ذهبت “فاطمة”؟
أستعد قبل “العزومة” بليلة، أجهز عجين الخبز البيتي، هاهو رغيف الخميرة
يجعل خميرتك سكّرك وكل من داقك يشكرك.
ياعجين لوف لوف زي مالا فت النعجه ع الخروف
ياعجين لوف لوف زي مالافت الحنه ع الكفوف
ياعالم ما فيه.. إظهر ما فيه
من عفيشه ومن نفيشه وبركتِك تظهر فيه ياست نفيسه
واحدة من البنات تكمل العجن، لا تنسي فص الثوم في العجين لامتصاص الحموضة، استريه برشة دقيق على وجهه، غطيه بهذه القماشة البيضاء حتى الصباح.
الدقة الموجودة لدينا لا تكفي، أحمص السمسم، الكمون، الكسبرة، الفول السوداني، أطحنهم، أضيف الزعتر والنعناع مع قليل من الملح.
تتابعين الجديد من الوصفات:
“تقطع الدجاجة الواحدة أربع قطع، نحتاج إلى خمس دجاجات، تجهز التتبيلة، يخلط زيت الزيتون، وملعقتان عصير ليمون ويقطع قرني فلفل أحمر حار، بصلة مفرومة، ملعقة من الأعشاب العطرية النعناع، الريحان، الملح، البهار، الملح، الفلفل الكمون. ينقع الدجاج ليلة كاملة، في الصباح تكون قد تشربت الخلطة، يلف كل جزء في ورقة الفويل وترص في صينية، وتدخل الفرن.”
تضيفين أصنافا جديدة للقائمة:
“البط المنقوع في عصير العنب والمطهي بالبرتقال والزنجبيل والعسل، اللحم المتبل بالزبادي والمضاف له حبات الزيتون وصلصة الطماطم قبل تمام النضج.”
“الكسكي المغربي المطهي بالبخار والمسقي بالمرق والزبدة ومزين بالزبيب وجوز الهند والكوسة والجزر والفلفل الأخضر وقطع اللحم المطهية بالكاري.”
أرسل “فاطمة” لتشتري علبة مشكل كبيرة جوزية، لديدة، بسبوسة، كنافة، ملبن أحمر بالمكسرات، وكل أنواع الفاكهة الموجودة لدى الفاكهانية. وأوصيها
- يا فاطمة متتأخريش عن الضهر، الصواني محتاجه رص.
وبعد أن أنتهي من تجهيز الطعام بمعاونة البنات الصغيرات اللاتي توافدن بعد أن أخبرتهن “فاطمة” أن العزومة اليوم، أقود الموكب والبنات يحملن الطعام على صوان، يتجمع الأولاد حولنا، وأمام قبره وكعادتي أوزع عليهم الأكل، يتجمع الشحاذون وأولياء الله، يمضي الوقت ولا تظهر الذبابة الخضراء التي تبلغني سلامه ورضاه عما أحضرت، تتجمع سحب المساء في عيني، أطلب من فاطمة أن تحمل الأواني وتعود، أستحلفها بالله إن كانت ردت سائلا اليوم
– أبدا يا ستي.
أطلب أن تتركني وحدي
- ياستي الليل هجم وأخاف عليك.
- ما تخافيش أنا معاهم في أمان.
وأعود من نفس الطريق كاسفة البال.
أسابيع، شهور، حتى رأيته للمرة الأولى على شاشة التلفزيون، في نشرة الأخبار وجنود يسحلونه على الأرض، ويشدونه من قدميه، والرعب يأكل وجهه، وأنا أصرخ فيهم: اتركوه، فيمضون بعيدا دون اكتراث، أتابع كل النشرات ولا يمر يوم دون أن أراه، منكفئا على آلامه وحيدا، معزولا، لا يريد أن يقترب من السرايا.
ما أراه على الشاشة ليس حلما، أنا أعرف أحلامي التي لا أتوقف فيها عن النزف والولادة، أنتظر أجنتي الشهور التسعة، فتأتي مسدودة الفتحات، كتلة صماء دامية، كوز من اللحم المعجون بالدماء، تتدلي منه أطراف أربعة. أكره البولبييف واللانشون والبسطرمة، وأهرب من أية مائدة توضع عليها هذه الأطباق.
حبيبة: لم تعرفي هذا المعنى إلا عندما جذبتني ورويت لي:
يا جدتي تسحبني أمي إلى غرفتي، الغرفة إضاءتها صفراء لا أدري مصدرها، هواء الغرفة ثقيل به رائحة عفن، عطن مكتوم. تشير أمي لأدراج أربعة، متوجسة أفتح أحدها، تصدمني أجزاء آدمية ملفوفة بشاش أبيض، تأمرني عيناها بفتح الدرج الثاني، نفس اللفة، والرائحة العفنة تتزايد، تحضر أمي صينية، وتبدأ في تخريط البصل وتقطيع الطماطم، ترمي لي بالبطاطس، أقشرها، أصرخ طوال الوقت، وأمي لا شيء يوقفها، أسرعي كي نجهز الغداء، يمتلئ فمي بما في معدتي، تمسكني من ياقتي تمنعني من التخلص من عفني، تنهرني، تفتح الدرج الثالث، دجاجة مذبوحة ومنتوفة الريش، تأخذ في تقطيعها، أتوسل إليها أن تتركني أخرج من الغرفة، ترفض، وتشير إلى سلكين ممتدين، أحدهما أبيض مغبر والآخر أحمر، تقيد يدي بالسلك، وتجلس إلى جواري ورائحة العفن تزداد، تمتد بساطورها اللامع إلى رقبتي، وتنفسها المنتظم يتصاعد…
فسري لي يا جدتي.
يا حبيبتي حلم واحد جاء إليك، جعلك لا تأكلين الدجاج، فأي حلم جعلك تهربين؟ وأنا التي أقعدتني أحلامي ومحاولات تفسيرها عن التحرك للأمام أو الانتباه لما حولي.
تتجمع أجنتي على النهر، تلتف حول فتاة أعرفها ولا أذكرها، أحس حركتها أكثر مما أراها، كالراقصات اللاتي ترسمينهن، تسير على الماء، وهم يتبعونها، تصيح بي، أراني غير منتبهة، أحاول إيقاظي من غفلتي داخل حلمي فلا أستيقظ، بصرها يمتد بعيدا ولا تشعر بما حولها، هي لن تستيقظ أعرف هذا. يزداد هدوء الماء، ويتحول إلى سطح لوح زجاج هش يمتد إلى الأبد، يتشقق اللوح الزجاجي تحت خطوات الصغار، يتكسر، يلتهم الماء أقدامهم البضة.
تلتفت السيدة التي تجلس في الشرفة، يقترب وجهها مني، لماذا تتطابق ملامحنا؟ من منا في الحلم ومن يشاهده؟ يستغيث الأطفال، تشير البنت التي أعرفها ولا أذكرها إلى ضفيرتي، التفتت واحدة منا ومدت ضفيرتها.
يتسلق الصغار الضفيرة الممتدة من رأسك إلى الأرض، يقفون في طابور لا ترينه، يحجبه عنك أرض شرفتك المنبسطة في العراء، تشعرين بتسلقهم من الثقل الماثل في ضفيرتك. وفي الأجواء يتردد زئير أسد ليس من هذه الأنحاء. وتظلين تنتظرين عاما خلف عام لكنهم لا يصعدون، بينما يخف ثقل ضفيرتك، وتستطيعين جذب طرفها الآخر المشبع بالدم. فهل تملكين جرأة أن تلفيها حول عنقك؟ أو حتى على الأقل تتسلقينها، وتعرفي ما الذي يحدث في الأسفل حيث لا ترين؟ وأنت التي سعيت للمعرفة بضوء شمعة من شحم يدها، واكتفيت بالتساؤل وشجرة صفصاف جديدة تنمو أمام شرفتك وتلملم أطرافها كلما استطالت.. أي سر تخفيه أشجار الصفصاف فتلملم شعورها الدقيقة وورقاتها اللينة الطرية المنمنمة والصغيرة، وتنكفئ دائما منحنية على الماء أي حنين يجذبها للماء ؟! هل كانت يوما عروسا من النهر، وأغراها البر ثم صدمتها حماقاته، فجلست على الشاطئ تبكي مآلها، وتحن إلى أصلها، وتستكين إلى حواف الماء، أم أنها مثقلة بحكايات الذين يسندون ظهرهم إليها، ولم يتحمل طبعها الرقيق وأوراقها اللدنة عذاباتهم. الإجابة التي أراوغ في معرفتها، لا تتطلب مني أكثر من نظرة إلى حيث تمتد جذور الصفصاف داخل بيتي.
من منا ينقذ من؟
هل يجب عليَّ أن أعترف بأن ما ظللت أجمعه لك، هو الذي جعلك تهربين.
سنوات وأنا أجمع لك أشياء خاصة حميمة، فنجان قهوة، سوار، زجاجة عطر، منديل مشغول عليه اسمي بخط الثلث، صورة لي، مسبحة حباتها من الكهرمان الأحمر و رؤوسها محاطة بنقوش من الفضة، مفارش من الدانتيلا، الجرائد والمجلات التي تركتها لي “الياصابات”، أشياء اختمرت برائحتي، أشياء تصحبك في رحلتك وتسندك، وتحكين عنها لصديقاتك، تسند ظهرك وتقوي جذورك بالأرض، ويمكنك أن تضيفي إليها وتهدينها إلى ابنتك وحفيدتك.
فإذا بك في خطابك الأخير تقولين: انظري حولك يا جدتي تعرفين لماذا سافرت، وانتويت ما فعلت، أعيدي الحكاية يا جدة، وتأملي فيها الممالك التي تهدم، والقلاع التي تسقط، والسجون والوحشة والوحدة كلها عناصر لقصة ختامها ما فعلت.

أحاول تذكر الحكاية.. لا أجد غير صوت أبي يناديني: ابن بيتا.
أسرع إليه، أجري بين أعواد الذرة، الظلمة الغامقة الخضرة تحاصرني، لزوجة طحلب استقر على بركة آسنة، وامتص ماءها، ويقاوم فناءه بالتفتت إلى آلاف القطع الصغيرة المترامية الأطراف التي تلتصق بوجهي، أنزعها، تجرحني أرميها بعيدا، فإذا هى ترتد أذرعا مستطيلة من أعواد الذرة الوبرية ذات الأطراف الحادة، وريقات الذرة طويلة ملتوية كحية تطاردني طوال الوقت، ولا ترضى بأقل من موتي، فيفرز الخط الأصفر الوميض الفاصل بين نصفيها سائلا مُرا، ينفذ من مسامي، يقبض شراييني، فأكاد أسقط والأوراق الخضراء تزداد كثافة وبرها، أجري ويطاردني صوت حريق يلهث خلفي، ويشعله احتكاكات الهواء بعيدان الذرة، وطائر لا أراه يصيح: قاق، قاق، والأرض الممتلئة بالبصل والمغطاة بالقش تنتظرني بعيدا، حيث يجرب أبي حظه في التجارة وتخزين البصل للمرة الأخيرة. مكدودة ومجروحة أصل إليه، رغم أن الطريق الأساسي لم يكن به ما يعوق مسيري.
لماذا عبرت من حقل الذرة ؟هل خفت الشمس الحارقة؟ أو ربما أبعدني عن الطريق خوفي من العجوز التي انقلب دقيقها، وتطلب من أية فتاة تمر بها أن تجمع لها الدقيق الواقع على الأرض، وبعد أن تجمعه الفتاة حفنة، حفنة، وتمتلئ “القفه”، تصرخ العجوز في وجهها: هذا ليس دقيقي، دقيقي أبيض كالفل، وهذا دقيق مترب. ولا تسمح لها بالعبور بل تظل تصيح في وجهها: أريد دقيقي، والعابرة الشابة حائرة حتى يشيب كل شعرها وتسقط مغشيا عليها. وفي كل صباح يجد العابرون عجوزا جديدة تنتظر من تجمع لها دقيقها المسكوب.
بعد عمر أخرج من الأرض إلى الطريق الموازي للنهر. أجده في انتظاري، يمسك أبي بيدي ويشير للجزيرة الممتدة في عمق النهر، يردد:
ابني بيتا. ابني بيتا.
يتمدد الرجل العجوز على الأرض، جلده رقيق، لونه الأبيض صار غامقا، وعروق رأسه الزرقاء نافرة، وشعيرات بيضاء تتناثر في رأسه الذي أحمر جلده من السخونة.
يحتضنه الطمي فيغوص جسده النحيل فيه، وأنا أصرخ: أبي أبي لكني لا أسمع صوتي، فقط صدى صوت أبي يردد.. ابني بيتا.
أتلفت حولي، أضغط بقدمي، الجزيرة طينية هل يمكنها أن تتحمل ضغط البيت؟ أخرج من الجزيرة، وعلى حافتها أشرع في البناء، أكوم التراب من الطرقات، أعجنه، أرفع الجدران، وعندما أنتهي لا أجد لبيتي بابا، فأجلس على عتبته وظهري للداخل، أسند رأسي لحائط، وفي منامي أجلس على كنبتنا المغطاة بالكليم الأحمر، أتطلع للشمس التي تغيب، تفوتني صلاة العصر، تغيب الشمس أكثر، فتفوتني صلاة المغرب يؤذن لصلاة العشاء فأنوي تعويض ما فاتني، أتهيأ للصلاة، وجهي للقبلة ويدي اليمنى تعلو يدي اليسرى على صدري وبالضبط على “كورنيش” سفرة جلبابي اللبني، أبدأ في قراءة الفاتحة، ينشق الحائط ويقف على يميني عملاق يرتدي سروالا أسود عليه بلوفر صوفي من نفس اللون، ترتفع بداية البلوفر فوق رأسي بكثير، أستعيذ في صلاتي بالله من الشيطان الرجيم، يصعد المارد لأعلى، وتتهاوى الجدران تحت ثقل نور غامر يغشى كل الجهات الأربع، ويمتلئ الكون بسكون، تضطرب له نفسي، وعندما جاء الصباح كانت يد أبي في يد “البيه” يقرآن الفاتحة.
أستيقظ فزعة، تدغدني الأرواح الساكنة في تراب البيت، تتشاجر، تتصايح وتدفع بعضها البعض، يضغط صياحهم على الجدران اللبنية، التي لم تر الشمس بعد، يهتز بيتي ويتردد في نواحيه صدى الأصوات المجتمعة، يهرم بيتي الطفل، يتشقق، يتهاوى، ينصحني أحد السائرين، فأجمع تراب الطرقات، التراب الناعم، أخلطه بالماء، أدعكه تسير فيه حرارتي، يتجانس، أسد الشقوق، أملأ الفراغات، أساوي جدرانه، أرجوهم ألا يستيقظوا، يتلألأ عرقي، أمسحه بكفي وأمسح كفي في الحائط فتنغلق المسام الطينية، وتهدأ الروح في موضع كفي، وكلما عرقت مسدت جدراني بعرقي، حتى بذلت له كل العرق، لكن بيتي المبني من الطوب النيئ المعجون بخطوات السائرين الأبديين، الذين لا يعودون حين تغرب الشمس إلا لأحزانهم فيغلقون باب القلب، وينسون مفتاحه خوفا من حزن جديد، لا تسكن جدرانه، وتعود دوما تلفظ ما مسدت، والشمس المعلقة أمام واجهته الخلفية تراوغني، لا تريد أن تنزل للنهر، فيطول صيامي، والراديو لا يثبت مؤشره عند أذان المغرب، وتظل المائدة مبسوطة أمامي، لا أقرب طعامها، تمر الساعات، لا ليست ساعات، فالشمس مازالت معلقة، لكن رفة رموشي تخبرني أن شيئا يمر، وإن لم اسمه، أنشغل بانتظاري حتى يغلبني النوم، ربما؟ أقل من رمشتين لكنهما كافيتان لتنزلق الشمس في إحداهما إلى النهر وتعبره للشاطئ الأخر، وفي النصف الثاني من الرمشة الثانية، ينبلج الخيط الأبيض من الأسود، فأستيقظ على صوت الأذان، أصرخ لم أفطر حتى أصوم، فيرد على الشيخ “عبد الجواد”: الله أكبر.
وتفتقدين رمضان، كما تفتقدين في الأسابيع الفائتة يوم السبت، وتنزلق عقارب ساعتك عن الساعة الثامنة، ويغيب عنك الشيخ “عبد الباسط عبد الصمد”، ويضيع منك صوته القوي كصهيل حصان بري يأخذك إلى مريم البتول ومحرابها ورزقها الذي يأتيها بين يدها طيبا مباركا، فلا يبدأ أسبوعك أبدا، ويأخذ وقتك خطا مستقيما لا ينتهي، وتفقد الأيام دائريتها، وتنهار عقارب ساعتك، فيؤذيك سمها.
بينما صوت أبي يردد ابني بيتا.

الفصل العاشر

ليست “حُسنة” وحدها التي تنتظر.
فكل أوقاتي انتظار، أجلس في مكاني المختار، في يدي اللوح المكتوب، وعن شمالي شجرة أوراقها أعمار كل البشر، فإذا قَرُبَ أجل بني آدم يبست ورقته، نزلتُ أقبض روحه وأشطب اسمه من اللوح. الشجرة أوراقها خضراء زاهية، لكن ليست خضرة كل الأوراق واحدة، بعضها تبدو ذابلة صفراء عليلة، وأخرى يانعة، تسري فيها خضرة الحياة. أما الورقة التي شدت انتباهي دونا عن كل الأوراق فكانت ورقة يابسة بلا روح، أعوام وأنا أراقبها وأحدث نفسي: غدا ستسقط، الآن ستسقط، لكنها في مكانها، بحثت عن صاحبها فوجدتها “لعوض” زوج “راوية”..
لفت انتباهي ذبذبات صوته العالية، السريعة، كأنما يتخلص من عبء دون أن يهتم إن كانت رسالته وصلت أم لا، وبمرور الوقت تصبح ذبذباته رسالة لامبالاة من رجل يستخسر بذل جزء من طاقته للآخرين. طريقة لا تبعث الثقة في صاحبها، هي في الحقيقة تدل على الاستغناء، وعدم الحاجة إلى الناس. وإن كانت تجعل النساء بما فيهن راوية تسألن: لماذا يُعطي العالمَ وجهه الذي لا يحب؟
فتتهامس المسنات: “أصيب أبوه “محمود النحال” بمرض غريب جعل وزنه يتناقص بسرعة كبيرة حتى مات ووزنه لا يزيد عن أربعين كيلو، ولم يكن مر على زواجه ثلاثة شهور، كانت زوجته “سميرة” في أول الحمل، حاولت إجهاضه أخبرت الداية حماتها، اشتعلت الحرائق في بيت النحال، وبعد ها بيومين مات محمود. اتهمها أهله أنها السبب في موته، فكرهوها ومنعوها من الخروج حتى وضعت، وجدته زوجة “النحال” الكبير، أسمت المولود “عوض”، وطردت أمه دون ميراث ومنعتها من رؤيته”.
أما الحكاية التي لن تسمعها “راوية” من أية امرأة فهي: أن الولد اليتيم مرض ذات مساء، بمرض يطلق عليه الأطباء “الجفاف”، وعلاجه يحتاج رعاية وتناول محاليل ملحية، خافت عليه جدته أن يلحق بأبيه، نصحت إحداهن الجدة فوضعوه في قبر، وقالت لها إن الجان قد استبدلوه بابن لهم طمعا في جمال ولدها ويمكن استرداد الوليد الريان بتركه في قبر مهجور ثلاث ساعات قبل وأثناء صلاة الجمعة ومعه ثلاثة أرغفة من خبز القمح الفاخر. ولما عادت النسوة إليه كانت صفرته ورجفته قد اختفتا، وحلَّ محلهما لون أحمر محتقن، سيتحول هذا اللون إلى سمرة ليست من عائلته، ولكنها من سديم روحه التي تاهت بين السماء والأرض، لم تهتم الجدة بهذه الملاحظات كل ما يهمها أن الولد كان جائعا، وبدأ في التهام الطعام الذي قدمته له واعتبرت هذا من علامات تمام الشفاء، ومن فرحتها لم تلحظ حركة عينيه السريعة وما تخفي من خواء مريع.
وسينمو الولد ويكبر دون أن يعرف أحد أن روحه فارقته من سنوات، ولن تكتشف ذلك سوى إحدى عشيقاته، التي ستحاول أن تفديه، وتشاطره روحها، لكن ذلك كان متأخرا جدا، فالولد كان قد تعود أن يعيش بلا روح، حتى أنه ضربها حينما أقامت زارا كبيرا ترضية لملك الجن الذي سرق روحه من أجل ولده، ومع دقات الزار رضي الملك أن يخاوي ابنه.
ولكن العجيب أن “عوض” لم يتحمل وجود روحه في بدنه دقائق، فانتفض وقذف عشيقته براكية النار، ولطف الله فلم تصبها النار بل جُرح كعبها، فلم تكررها ثانية.
أما الحكاية التي لا يعرفها أحد أبدا، ولا يمكن أن أحكيها فهي أن “عوض” كان يأكل نفسه، وأن أعضاءه كانت تنسلخ منها رقائق تنزل مع برازه وبوله، وحتى مع زفير تنفسه، وسوف يفاجأ الطبيب الذي سيرتاب في سبب موته، عندما يشرحه بتقلص أعضائه الداخلية وتحولها إلى حبات ليمون متناثرة منحوتة كما الجبال التي بردتها عوامل التعرية، وكأن سكينا ظلت تكشط من طبقاتها بانتظام على مدار خمسين عاما، وربما يكون عضوه هو الشيء الوحيد الذي نجا من هذا النحت. وليس أمامنا غير احتمالات ثلاثة لتفسير هذا.
الاحتمال الأول: أن عضوه لم يتأثر لوقوعه خارج جوفه.
الاحتمال الثاني: أن عضوه يعوض ما يفقده من أنسجة النسوة اللاتي يعاشرهن.
وهناك شائعة تقول إن النساء اللاتي عاشرهن على كثرتهن أصيبن بقرحة في أرحامهن، ويؤيد هذا الاحتمال عدم استمرار علاقته الجنسية مع أي واحدة أكثر من شهور قليلة.
الاحتمال الثالث: أن “عوض” كان يدرك تماما أهمية عضوه فبادله سرا بروحه.
وأرجح أنا هذا الاحتمال.. فهو كرجل يمكنه أن يتنازل عن روحه ويبيعها حتى للشيطان، ولكن لا يمكن مهما كان كارها لنفسه وللآخرين أن يتنازل عن عضوه الذي يحدد وضعه وترتيبه الفحولي وتسيده.
وحتما فإن “عوض” كان ابنا بارا لثقافته العضوية.
ولأن “عوض” رغم كل صفاته كان لديه شيء من الحظ بالمفاهيم الدارجة التي تعتبر الخير “خيري أنا”، والشر “مصيبتي أنا”، فقد كانت حيواناته المنوية هي الأخرى منحوتة، مقروضة، ولذا لم ينجب سوى “حبيبة” وإلا لكانت لديه قبيلة من الأبناء غير الشرعيين يقاسمون حبيبة ميراثها. ونتيجة لذلك كان على حبيبة أن تتحمل وحدها إرثه ووزره وخطاياه. ورغم أهمية “حبيبة” لنفي أي شائعة تتعلق بقدرته الجنسية، رغم هذا كان يعتبر حبيبة خطيئته وهو الذي كان يستخسر أن يلقي ظله على الأرض ولا يريد أن يترك للعالم شيئا.
ولو كان الأمر بيده لما أدخل شيئا في جوفه، لكنه كان نهما لشرب السوائل فلا يمكنك أن تراه دون أن يكون بيده كوب ماء أو شاي أو عصير فاكهة، وكان يضع إلى جوار سريره دورقا كبيرا مليئا بشراب الليمون، ليروي عطشه الدائم حتى أثناء نومه، وكلما وقع ما يوتره شرب أكثر، وكان هناك الكثير الذي يوتره.
لكن شيئا لم يوتره مثلما حدث حين حضر افتتاح معرضها الأول، فوجئ بأن جميع اللوحات المعلقة في قاعة العرض لرجال عراة في أوضاع مختلفة. لم يكن منبع الصدمة الأجساد العارية، لكنها المرة الأولى التي يرى فيها رجالا عراة يستعرضون عريهم وطبقة رقراقة من الخجل تكسو وجوههم، حتى العري في التماثيل القديمة كان عريا لاستعراض جمال الجسد وتنسيق عضلاته، ولكن عراة ابنته أجسادهم مريضة كالحة مترهلة. وما أزعجه أكثر نظرة الخواء التي تملأ عيونهم والتي ذكرته بنظرة يراها في المرآة وهو يحلق ذقنه كل صباح. لم يجرؤ أن يسألها، لكنه انتبه لوجودها وكيف تنظر إليه، أجهدته في الأيام القليلة التي تقيمها في السرايا يشعر أنه مراقب تحت عدسة ميكروسكوب .لا يمكن لابنة أن تفعل ذلك بأبيها، كان آخر ما يتمنى أن يترك على الأرض لوحة لجسده عاريا، عريه فضيحة، أكبر حتى من فضيحة أن تعود إليهم وعلى يدها طفلة مستنسخة منها.
يخاف “عوض” من عريه وعري الآخرين، حتى الجنس لم يكن بالنسبة له أكثر من طبق مشمش فارغ، وامرأة تخرج من فمها النواة الأخيرة وتمضغ سؤالها مختلطا بلحم المشمش:
– خلصَّت..؟
وصار هذا هو الوضع الأنسب له، فمع اندماج السيدة في إدخال حبات المشمش في فتحتها العلوية يكون هو مخترقا فتحتها السفلية.
لكن ماذا يحدث في الأيام التي لا يوجد فيها مشمش وهي كثيرة؟ أحيانا يفي البلح الرطب بالغرض، ولكن لا شيء يعدل المشمش. يركز مع نفسه فلا يعطي ولا يأخذ، وتهرع المرأة لتغتسل ويسقط بين فخديها سائله، تتخلص منه، ولا يغادر الغرفة المعتمة دون أن يتأكد من ذلك، كالشبح لا يبقى له أثر.
وقد قلق بعد زواجه من “راوية” ومحاولتها التقرب منه، وتلقائية استجابتها له. أخافته حرارة جسدها، وأطلقت توتره وأفقدته سكونه الداخلي وقدرته على التحكم في نفسه، فأصبح يتجنبها.
التباعد الجنسي لعوض لاقى قبولا من “راوية” التي كانت جزيرتها هي الأخرى تزداد عزلة بقدر ما تنمو أعمالها في الخارج، ففي لقاءاتهم الأخيرة كان عوض سريع القذف ولم يكن يلتقي معها أبدا، وهي تتألم من أقل احتكاك، صارت معاناتها واستحمامها في الشتاء للصلاة لا تستحق حتى أنها كانت تتساءل أي متعة حصلت عليها كي تتطهر منها. وفاجأها في آخر لقاء لهما بخروج بعض الديدان البيضاء الصغيرة من فرجها، مما أرعبها منه ومن نفسها، ولم تجرؤ على محاولة تكرار التجربة لمعرفة من منهما يتعفن من الداخل أكثر. لكن الشيوخ الذين تتبعهم كانوا يهددونها بالرب والقانون. فماذا تريد المرأة من الرجل؟ وكانت تحفظ مقولات الشيخ كشك في آداب الجماع وترددها حين يوسوس لها الشيطان: ” لقد بنيت العلاقة بين الرجل والمرأة على خمس:
- الجماع ابتغاء الولد وليس المتعة.
– عدم التعري لأن معكم من يستحونكم من الملائكة.
- يبيح الإسلام الرفث وهو الكلام الذي يزيد الرغبة الجنسية”.
ورغم إيمان “راوية” التام وغير المنقوص فإن الرفث هو ما لم تستطع أن تنطق به أبدا وما لم تشعر بالرغبة فيه.
وعندما قرأت فيما بعد في مجلة “طبيبك الخاص” عن طريقة لعلاج القذف تسمي “ماسترز وجونسون” وتتلخص كما وصفتها المجلة في القبض على العضو الذكري بأصابع اليد والضغط لفترة حتى يزول الإحساس باقتراب القذف. جعلتها هذه الطريقة تضحك من قلبها حتى دمعت عيناها وتشكر الله أن العمر قد مر وعفاها من مثل هذه التجربة.
نادرا ما أشفق على أحد لكن راوية التي لا يمكنها أن تسمعني أو أن أحدثها تذوي ورقتها هذه الأيام سريعا، وتنتشر على سطحها بقع صفراء تأكل خضارها.
ترغب في أن تنام، كأنها مكتئبة، لكنها تعاني ما هو أبعد من الاكتئاب، إنها تتجاهل ما تشعر به، رغم دراستها لعلم النفس إلا أنها تعتقد أن كل هذه المقولات عن الشك والحيرة والسلبية وقلة السيطرة والإرهاق هي دراسات أجراها علماء ملحدون كي تبعد الإنسان عن ربه.
تتمنى أن تتلاشى، تختفي بعيدا هناك حيث لا يعرفها أحد، بعيدا عن “عوض” وانكماشه وانكفائه على ذاته، هذا إن كان قد بقى له ذات، بعيدا عن عيني أمها التي تمتلك ما يبدو أنه حكمة أبدية، بعيدا حتى عن عيون الله التي يعذبها مراقبته لها.
ولكن وبأسرع ما يمكن ترتدي وجه التسليم، وتخاصم نفسها حين تهمس لها: “أيتها الحمقاء هل الرب ليس لديه سواك فلا ترف عينه عنك، أم أنك اتخذت من خشيته الدائمة، وإحساسك الدائم بالمراقبة منه ستارا، توهمين نفسك بأهميتك المفقودة، حيث لا أحد يشعر بك في هذا البيت الكبير، فالله يراقبك دائما وأنت على اتصال دائم به، تصلين، ترتدين خمارا… لكن لماذا كل هذا الخواء. أين دراستك؟ كنت تأخذين الدواء من يد أبيك وترفضينه من يد أمك. ما الذي وتر العلاقة بينكما؟ لماذا لم تكن مثلك الأعلى ورحت بعيدا إلى الحاجة “زينب الغزالي” والأخوات، وافقت على الزواج من عوض لمجرد أنها أبدت اعتراضا. عباءتها واسعة، تخنقك وكنت تريدين عالمك. فأصبحت جزءا من قطيع أكبر، تسخرين من صفية وبناتها، ومن رحيل وتدعين رغبتك في هدايتهن، وأنت تتمنين أن يظلوا في الفئة الضالة.
افتحي الدرج السفلي في دولابك هل ما زلت تقرأين روايات عبير؟ متى اكتشفتها؟ هل مازال الكونت فارسك؟ ماذا أعجبك في “عوض”؟ صمت الكونتات الذين قرأت عنهم، الجليد الذي يواري بركانا صاخبا، وانتظرت الحمم حتى خمدت.
ما تنفكين ترددين في مجالس الأخوات أنك تحديت أهلك، وأعرضت عن جاهليتهم وصبرت، وكنت أول من ارتدت الخمار في الناحية، وبفضل الله لا توجد فتاة إلا وترتدي الخمار وأول خمار ترتديه يكون هدية من محلاتي، تشتريه وتأخذ معه خمار هديه. فكيف ستواجهين ما تسميه الفضيحة؟ وأنت هناك بعيدا بعيدا في أعماقك تغبطين ابنتك. وتحملقين في أشرعتها المفرودة وتتمنين استعارتها ولو دقائق…”
تتغاضى عن هذا الصوت، تخنقه.. وتخلق صوتها الخاص الذي يردد قصة نسجتها من الحقيقة والخيال، عبر سنوات طويلة عاشت بها ومعها:
ولدت في اليوم الثامن، بعد أن تم كل شيء، أصبحت أمي سيدة البيت، وأكد مكانتها الداخلية ولدان، قرت بهما عينا أبي، ربما يقول قائل ليس لك حق فيما تقولين، وكفاك عقوقا لأمك حتى في خاطرك، ومن أدراك أنك لم تكوني الريحانة التي ينتظرها أبوك؟
يبدو هذا للبعض حقيقيا ولكن مولدي في ذلك الوقت، هو الذي هز اكتمال العالم وجعل أمي ترجئ غزوها الخارجي، وهي التي جربت قبل شهر من مولدي استقبال السيدات لها في المنصورة بعين الحسد، وشهدت لها الخالة “الياصابات” بالنجاح، وكأنها ربيبة السرايات بكمال زينتها وحلو حديثها. وكانت الست حُسنة تهيئ نفسها لجلسات الخميس بالفساتين الجديدة، والجلوس إلى جوار أبي وهو يقرأ لها بصوت عال أبياتا من الشعر القديم، أو تتصفح المجلات لتكون أول من يحدثهن عن الجديد.
وتصبح حكاية اكتشاف حملها بي إحدى نوادرها التي تحكيها:”بينما السيارة بسائقها تستعد لنقلي لزيارة أمينة هانم المليجي، وإذا بي أشعر بدوار وكدت أسقط على الأرض، لكن فؤاد بك حملني بين ذراعيه، وطلب الدكتور ناجي وكانت المفاجأة التي لم انتظرها أني حامل، وطبعا اعتذر فؤاد لأمينة هانم، وطلب مني الدكتور ناجي عدم الحركة طوال فترة الحمل، فتغيبت مدة عن الجلسات والصحبة الحلوة” .
لا تمل أمي ترديد هذه الحكاية، وتعدل وتبدل فيها كما تشاء. و للإخبارية بقية، لا تسمعها الهوانم بل تكتفي بترديدها أمام صفية والياصابات ورحيل.
- طبعا كنت أنا موضوع الحديث في بيت بنت المليجي، والحسد والعين، الأرنبة، طبعا فلاحة، لكن أنا عرفتهم مقامي.
لا تمل حُسنة ترديد الحكاية.
ولا تمل راوية من نسج قصتها والقذف بها ككرة الثلج.. لا يكفي أن تقدم لي تفاحة، أو تنصحني بشرب كوب من الماء صباحا على الريق للتخلص من غثيان الحمل. ماذا عن الماء الفاتر وملعقتي الخل الأبيض للتخلص من الحيوانات المنوية، وبقايا رجل لا يعطيك نفسه. بل يتهمك بأنك قليلة الأدب، ويشك في تربية بنت الأصول.
كيف أهملتني وتركتني لهذا الموقف المحرج؟ امرأة قليلة الأدب مع زوجها.
وبعد ولادة “حبيبة” وقص الزائد من جسدي، أصبح العالم هادئا مستكينا إلا من ألم الاحتكاك، ويبدو أن الآخر كان مستريحا وراضيا، وفي ماذا تطمع المرأة أكثر من رضا زوجها..؟
في هذه اللحظة وهي جالسة تراقب غروب الشمس التي تختفي رويدا رويدا خلف الأشجار الكثيفة البعيدة، التي تتبدى كما حصن يخفي خلفه كل الأسرار، والشمس تتماوج ألوانها بين الأحمر والبرتقالي والأصفر، ويلهب وجهها سياط الوقت وعقارب الساعة، وكلما غاب جزء من قرصها، وتطاولت قمم الأشجار لتصل إلى حافته المتوهجة، انتشرت على الأرض عتمة خفيفة تغطي الزراعات الممتدة، تتكاثف العتمة لتجمع ندف الليل.
في هذه اللحظة تمنت “راوية” أن تكون زوجة صياد تفرش معه الشبكة أو تجدف بالمجداف بينما يرمي الشبكة ويفردها.
يكمل الصياد دورته في خط بيضاوي وفي أصابعه يلمع وميض سيجارة وصوت رميته للشبكة يشق سكون النهر ويحفز إيقاع موجاته، يدق بقدميه على باطن القارب، فتنتقل دقاته وأحاسيسه إلى الماء ومنها إلى السمك فيتجمع في شبكته استجابة لغواية النقرات المنبعثة من طبلته وقدميه.
يمر به قارب مسرع يجمع صيادوه السمك على أنغام أغاني سريعة ولا يمكن أن نجزم إذا كان هذا هو السبب فيما تردده حُسنة، وهي تنزع الشوك من لحم السمك البلطي، وتضعه في فمها بدون مزاج
– طعم السمك تغير.

الفصل الحادي عشر

تعطيني ريشتها، تفتح علبة الألوان، تفرد اللوحة البيضاء، تعلقها على مسند وتمد يدها بالفرشاة – ارسمي يا جدتي.
استنكر طلبها، لم يكن لي أية كراسة رسم، هذه الأشياء لم تكن في الكتاب، كان لنا لوح ولكن لتسميع وكتابة آيات القرآن الكريم. كراسات الرسم ظهرت بعدي بسنوات.
– ارسمي لوحتك الخاصة، ارسمي ما تحلمين به.
ليس هذا بالأمر اليسير. في أيامي هذه تختلط الذكريات بالأحلام بالمخاوف ويحتاج فض الاشتباك بينهم إلى مهارة وحذق لم يعودا لي.
منذ ليلتي الأولى تخايلني تموجات ألوانه.. تغير كل شيء، لكنه بقي مزهوا، لامعا يملأ السجادة المعلقة في منتصف الجدار القبلي في الصالة الكبيرة، أتحسس ملمسها الحريري، أتعجب للون أرضيتها الأبيض الثلجي الذي يتوارى ليترك للطاووس كل المكان. تجذبني ألوانه أغرق في أزرقها وأحمرها وأصفرها، تختلط الألوان فلا أفصلها عن بعض، يبرق الأخضر والبرتقالي والبنفسجي، تومض آلاف العيون المنتشرة على ذيله، قدرا مسلطا، لا يغفو أبدا ويطلع على كل شيء، كلما نظرت إليه من زاوية جديدة تغيرت ألوانه.
يتشاءم البعض من وجوده بالبيت؟ من صوته الذي يشبه اسطوانة قديمة مشروخة، فهل حقا كان السبب في دخول إبليس الجنة وخروج آدم منها؟ أم أنه كما قال “منير” مقدس ورمز لكبير الملائكة وإله الشمس “تموز”، لا أتذكر..غير أني تفاءلت به، حين عرفت للمرة الأولى معنى أن أنام قريبة من شخص إلى هذه الدرجة، أضع يدي على العرق النابض في رقبته، أجده هادئا مطمئنا، وأنا لا أصدق نفسي، متى تستيقظ الشمس؟ لكنه حين استيقظ مبكرا كما هي عادته دائما قبلني في شفتي وقال: ابقي نائمة، لم تنامي جيدا بالليل وغطاني.
لكنها تصر
- ارسمي ما تشعرين به.
تترك اللوحة البيضاء في غرفتي وتسافر …
بأي الألوان أبدأ وحياتي بين عالمين، الأسود والأخضر طَبَعا في الروح صفاتهما، والأزرق جاء متأخرا ليهدئ من روعي، ألجأ إليه بعيدا عن الصخب الذي يستشعره كل من يدخل عالما جديدا.. اللون الأسود قوي، صريح، أشتاق إلى حدته وصرامته، أرتديه في أيامي الأخيرة تعويضا عن سيولة الروح وهشاشتها، أرسمه خطوطا، خطا مستقيما يربط بين نقطتين، بين ميلاد وموت، ربما كان طريقا. أي الطرق التي مشيت عليها؟! أي درب يؤدي بنا إلى النهايات المحتومة؟! ربما النظرة المستقيمة لأبعد من بيت فقير يقوم بعيدا وحيدا في غربة أبدية عن الآخرين، مستكفيا بنفسه.
لم يعد بيتك صار مجرد بيت.. البيت المكون من ثلاث غرف، غرفة للضيوف بها ثلاث كنبات، كل كنبة لها مسندان وبينهما تكاية، ويغطي الكنب كيريتون مطرز: كنبة يغطيها لون “نبيتي” سادة والأخريان مطرزتان بأزهار حمراء، رسمها يشبه لوزات القطن. الحوائط صارت كالحة، ومن أثر اللمبة الوناسة يتصاعد هباب مخروطي الشكل، تتزايد مساحة الغابات المرسومة بفعل الرطوبة، تتآكل القلوب التي حفرها “يحيى”، والحرف الأول من اسم “صفية”.
كل شيء في البيت يبدو أصغر مما كان، أضيق، لكن “الوسعاية” التي أمامه مازالت كما هي تحدها المصطبة وتظللها تكعيبة العنب.
الأسود قرين الأرض والظلمة، الليل كافر، تشكلات الجان، الأسود الجامع لكل الألوان القادر على امتصاص كل ما يقترب منه، حجر المغناطيس الذي أريتني إياه وأنت في المدرسة، تلتقطين به مسامير ودبابيس البيت، البيت الذي كان متماسكا وفجأة تخلخلت روابطه، أم إن هذا حاله منذ زمن؟ فقط كنا ننتظر مغناطيسك، حجرك الأسود، كي نرى التفكك والصدأ الذي يأكل روحنا، ويرتفع صياح أبيك وأمك
- أنتِ السبب ؟
- ايه كان بإيدي؟! ليه ربنا يفضحنا كده ؟
- بنتك هي اللي هتفضحنا.
- سافر وارجع بها، امنعها، أنت أبوها.
- أنت أمها.
حلقة مفرغة واسطوانة تتردد حشرجتها كل مساء، كل صباح.
لكن أحدا لم يسافر إليك ولم يسأل عنك في بعدك النائي، الذي لا أستطيع اتخاذ موقفا منه، فلعل لونك الأسود يجذبني إلى ضفة ما، وأيا كانت ضفة النهر فأنا معك، هاهو أسودك يحفزني لكي أسألك لماذا لم تأخذيني معك كي أكون بجانبك واكتفيت بالرسائل المتبادلة دون عنوان سوى طابع بريد لمدينة غريبة.
تزداد الفجوة بيني وبين أمك، وبينها وبين أبيك، تزداد الفجوات ويسود اللون الأصفر، الفجوة لا أعرف كيف أرسمها، فجوة لا تعني دائرة، ربما تكون جفوة .. صحراء جرداء واسعة تصرخ فيها فلا يرتد صداك أبعد من أذنك.
الأصفر مقبض، الخنجر الذي ينتظر من يغمده ليجهز على علاقتي بأمك، لماذا تبدو مترامية الأطراف ولا سبيل لجمعها؟
كانت تشبهني عيناها، شعرها، وجهها، عدا أنها أكثر بياضا، لم يكن لها هذا الجمال الخاطف، الساحر.
عندما تراها امرأة معي تقول:
– بنتك شبهك خالص.
وأكمل أنا في سري ما لم تقله: فلاحة مثلك.
لم تحقق توقعاتي، درجاتها متوسطة، تحب ما أكره وتكره ما أحب.
الأصفر الشقاق الدائم بيننا وقد تعبت منه، الأصفر مرارة، وعتاب مصلوب على الشفاه، توتر، انتظار لشيء لا أتوقعه، الموافقة على الزواج من رجل لا أستطيع إصدار حكم عليه بعد كل هذه السنوات.. أذكره تماما حين دخل بصحبة أحد أعمامه، استقبله “فؤاد” في حجرة المكتب، ثم نادى:
- فاطمة! خدي عوض يلعب مع الأولاد.
نفر الولد من يد فاطمة وكأنه فهم أن المطلوب عدم وجوده في الغرفة، أو كأنه تعود على هذا السلوك من الآخرين، لكنه لم يبرح المقعد الذي جلس عليه في الصالة الكبيرة.
عند سقوط الورقة تستخلص منها الشجرة كل المادة المفيدة، ولا يبقى في الورقة إلا الفضلات ذات اللون الأصفر، وعندما يعجز الجذر عن امتصاص الماء وتستمر عملية النتح يفقد النبات الكثير من حرارته، مما يعرضه للتجمد، لذا تتساقط الأوراق تدريجيا، أوراق خطية مدورة، إبرية، بيضاوية، حوافها ملساء، مسننة، متموجة، منشارية. و يبقى مكانها أثر في الساق يسمي “الندبة”، كما الندوب التي تبقى في الروح.. الأصفر جوع، هزال، لون مريض عليل، لون الذهب، فأر يبحث عن كنزه الذي ضيع كنزه، قرص الشمس، ذبول الذؤابة الأخيرة لشمعة موقدة في حجرة ساكنة إلا من سريان دموع امرأة على جسد مسجى، الوشوشة، الهمسات، الشائعات، رنين الصاجات، لمعة “غوايش” لا أشتريها من الموالد، وغيرة لا أريد لك أن تختبريها.
من قال إن إمساك العصا على الدوام ترهق اليد التي تضرب؟.
قرأت يوما: إننا نحتاج إلى أربعة أحضان حب وتعاطف في اليوم من أجل أن نبقى أحياء، ونحتاج إلى ثمان من أجل أن نستمر، ونحتاج إلى اثني عشر حضنا كي ننمو ونتطور، فهل اتسع حضني لأولادي؟
من شرفتي أراهم، يسيرون أكتافهم مثقلة بعذابات أيامهم الطويلة، أتطلع في وجه ابنتي يوجعني وجعها الذي تعيشه، ولا تمسكه بيديها، وتدير وجهها عنه، عاجزة لكنها لا تسند نفسها… تفتحين دفتر محاضراتها، تفاجئك وردة مجففة، ويقفز في وجهك قلب مرسوم يخترقه سهم، تميزين من الحرفين الحرف الأول من اسم “راوية”، تفركين الوردة بين أصابعك وتشطبين القلب والحرفين، تتركين رسالتك في دفترها دون أن تسأليها. وعلي مائدة العشاء، تتحدثين بهدوء وأنت تضعين الشوربة في طبق فؤاد
- راوية هتقضي أيام المذاكرة هنا.
– وأيام الامتحان؟
- تروح وترجع في نفس اليوم؟
فعن أي شيء تبحثين الآن؟ عن دموع في عينيك؟ تستدعينها فيصعد إليك خادم البئر بدلو فارغ. هل تلجئين لوضع نقطة واحدة من العسل في عينيك، وتستمتعين باللهيب لثوانٍ؟ لم تعد عيناك تستجيبان للغسيل الطبيعي، عليك بالقطرة، ترطب عينيك، لكن حزنك سيبقى جافا حارقا.
مساكين الرجال الذين لا يبكون، تمتص أجسادهم سمومهم، وأحيانا، ترتد إلينا، ليس صحيحا أنهم بلا دموع. ما الذي جعل فؤاد يبكي؟ في المرة التي رأيت فيها دموعه أيقنت أنه يحبني وأن لي مكانا في قلبه، لكن الأمر لم يستمر طويلا فقد مات فؤاد، قبل أن يختبر طعم الدموع على ابنه البكر.
حبيبة هل صحيح أن ابنتك ستكون شبهك تماما؟
ستكون جميلة جدا، أنت فُقت جمال “نور” و”شمس” و”قمر”، هل ستكون جميلة مثلهن أم ستكون جميلة مثل “صفية”؟ أم مثل “حياة”؟ كلهن كنا الأجمل، وأنت جئت لترفعي رأسي، وأتباهى بجمالك، وأتقبل المجاملات
– طالعة لجدتها.
أول ما تبادر لذهني وعيناي ترى عبارتك: “أحتاج إليك يا جدتي” اللون الأحمر. قطرات حمراء تفصل بين عالمين، هو دائما اللون الأحمر يطاردنا، اللون الأحمر حياة وموت. الأحمر شره، صرخات، حريق، لهب، شرارة انطلقت من فرن لم تنته صاحبته من الخبيز، طارت الشرارة إلى برج الحمام، وطار الحمام المشتعل وأخذ يتساقط على سطح المنازل الأخرى المغطاة بالقش والحطب فاشتعلت المنازل الواحد بعد الأخر، يوم بأكمله احتاجه الحريق كي يخمد، لكن الشرارة التي أصابت “يحيى” و”صفية” احتاجت كل عمرهما ولم تخمد. ينظر لهما الموت ويقول: لا شيء يشبه الكائن الحي أكثر من النار، هي كائن متنوع تستطيع أن تكتسي بكل الأشكال سواء منها المفزعة إلى أبعد حدود الفزع، والأليفة إلى أبعد حدود الألفة، وهي وحدها القادرة على كشف معدن الأشياء وروحها.
اللون الأحمر أحلامك وكوابيسي.
لكن ما تكتبينه لي ليس له علاقة بألواني، أو حتى الألوان التي تركتيها لي، ربما هناك خلطة معينة بنسب لا أعرفها، ومن أين لي أن أعرف؟
ترسلين خطابات مليئة بأشياء أجهلها: دي إن ايه، واطسون…
يبدو أنني سأحتاج إلى نظارتي التي أتجاهلها، وأنزل إلى المكتبة، هل ما تقولينه موجود فوق الأرفف الخشبية في المكتبة، في كتب الطب كانوا يقولون: “إن الماء الذي يقدر منه الولد السوي، إذا وقع في رحم المرأة، اختلط بمائها ودمها، فخثر وغلظ، فمخضته الريح حتى يصير كماء الجبن، ثم يصير كاللبن الرائب، ثم تنقسم أعضاؤه لإبان أجله. فإن كان ذكرا فوجهه قبل ظهر أمه، وإن كانت أنثي فوجهها قبالة بطنها، ويداه على وجهه، وذقنه على ركبتيه، مقبض على المشيمة كأنه مصرور في صرة. وهو يتنفس من متنفس شاق عليه. وليس منه عضو إلا كأنه في وثاق؛ فوقه حر البطن وثقله، وتحته ما تحته. منوط قمع سرته إلى مريء بأمعائها، يمص به من طعامها وشرابها. وبذلك يعيش ويحيا. فهو بهذه المنزلة وعلي هذا الحال إلي يوم مولده”.
لا يبدو لي هذا الكلام مثل الوصف والصور التي ترسلينها لي. مكتبتنا قديمة، لا جديد فيها، ربما أسأل “يحيى”، سيحب طفلتك، هو يحب كل البنات.
سيكون لك طفلة، غلطة تحتاجين إلى حمايتي لإصلاحها. لا تحملي هما، سوف أجبر أباك على الموافقة على زواجكما، وإذا لم يوافق فليذهب إلى الجحيم سوف نعقد قرانكما، وبعد فترة تعود المياه إلى مجاريها ومهما كان “عوض” طيب ما أن يرى حفيدته حتى يرق قلبه، فقط عرفيني عليه. لكن الأمر لا يستدعي سفرا للخارج، لا أشجعك على الخطأ، سأحتفظ لنفسي بقرصة أذن كبيرة .
مهما عنفتك “راوية” أو “عوض” تحمليهما فأنت مخطئة.
لا يوافق على الزواج بك!! من هذا المجنون؟ ألا يعرف من أنت وعائلتك وما تمتلكين. لا تحزني يا حبيبتي سوف أذهب إليه، اطمئني لن أخذلك أبدا،على الأقل نعقد القرآن ويطلقك. ما هذا يا “حبيبة”؟ هذا يحتاج إلى صفعة، لكني سأحميك من يدي ومن يد “عوض”، ما الذي أعجبك في هذا النذل الذي يهرب بفعلته؟
“حبيبة” هل أنت متأكدة ربما يُهيأ إليك. وهذه الكروت التي تبعثينها لي، تؤكد ما فعلت في لحظة طيش وطفلتك لا تكف عن النمو والحياة تتمدد فيها.
هل مات؟ هل صدمته سيارة، قطار، طائرة ؟
لا أفهم ابنتك. ابنتك ليس لها أب، ابنتك لوحدك، مريم أخرى ومسيحة جديدة.
يا حبيبتي الأمر أهون من أن تختلقي هذه القصة، تجارب وهندسة وراثية، من سيصدقك، هناك قصص أسهل، نمنح الطفلة اسما لأي أب، لكن لا تقولي هذا الكلام، عليك أن تعودي كي نتفاهم ونتخذ ترتيبات، حبيبة لا تعودي للسرايا، عودي إلى شقة “الزمالك”، الشوارع المزدحمة تستوعب ما تقولين.
ولكن حبيبة اعذريني، لا تحلفي، وهذه الأوراق؟ النعجة “دولِّي”، النعاج لا أحد يسألها عن شرفها وعرضها وكل ما ادخرته عائلتك لك. لماذا تحكمين على نفسك بهذه القسوة؟ “راوية” لا يمكن أن تتحمل هذه الصدمة، لا تقولي لها ، ابنتي لن تتحمل.
ابنتك!! ماذا ستسمينها؟ لدينا أسماء كثيرة، وشموع عديدة يمكن أن نضيئها، والشمعة الأطول عمرا تكون ابنتك التي لا أدري بأي لون يمكن أن ترسم صورها وهي مازالت مغروسة في رحمك، تستمد وجودها منك، وتتغير أحوالها بين دقيقة وأخرى، كتلة لحمية تشبه ذكر البط، ربما يكون “دارون” مخطئا، فأصل الإنسان قد يكون ذكر البط، ونحن نأكل أسلافنا.
في أسبوعها السادس، أطرافها الصغيرة لم تكتمل لكنها تبدو انسيابية، لم تظهر كل أصابعها، لكن عمودها الفقري مكتمل، فقراته واضحة كم عددها؟ ورأسها كبيرة جدا، أكبر من بقية الجسد، وضلوعها التي لن تجد من يكسرها لها ظاهرة، لم يتخلق لحمها بعد وفمها مضموم وعيناها دائرية، مجرد نتوء، وأنفها صغير.
ما الذي استغربه وأنا أمسك صورها؟ سبق لي أن شاهدت هذا. في كتاب؟.. في السينما؟.. في جريدة ؟
سمح لنا الرجل الميكانيكي بمشاهدة جَنِينُه، نعم جنينه، نزفته الأم مع دمائها المنسابة،على فخديها في شهره الرابع، والرحم الذي ينمو فيه الآن من صنعه، صنعه في خمسة أيام. لم تكن أعضاؤه واضحة، احتاجت إلى منظار مكبر، كي يحدد الأب مكان فتحة الفم، ويقطر له بالقطارة نقط من محلول سكر النبات.
رأيت طفلتك ملفوفة بفوطة خفيفة، كل جسدها عدا الرأس الذي ظهر عليه الشعر كما ظهرت الحواجب والرموش، وبانت تقاطيع وجهها بوضوح، والأصابع في يديها وقدميها، كانت أطرافها الأربعة عبارة عن خيط رفيع جدا أحمر اللون. بدأت تستجيب لأصوات الأم والأب.
الطفلة تنمو أسرع مما تنمو داخل رحم الأم، استخدم الأب مركبات البنسلين ومضادات الفطريات والكراوية وسكر النبات ولبن الأم في تغذيتها بالقطارة، ومركبات أخرى لم يفصح عنها الأب للأطباء ومازال يرفض رأيهم في نقلها للمستشفى.
لابد وأن يكون الجنين بنتا، كنت أخاف على جنينك، لكنك أحسنت، البنات يحملن سر البقاء.
ماذا أريد أن أفعل الآن وأنا أتكئ بين مخدتين، تحتي ملاءة بنفسجية، وفوقي لحافي القديم.أن أجلس على الأرض، على النجيلة وأعشاب مجهولة الاسم، لا تميزها سوى خضرتها، أستند على الأرض الخصبة التي تتخلق الحياة في باطنها، وتتفجر لونا أخضر وأوراقا صغيرة مستطيلة وبيضاوية، رقيقة، غضة، بسيقان وردية، يشتد عودها اللدن فتصير بنية، والنمل يتسابق ويحفر أنفاقه، تتداخل الخضرة الحية مع الأعشاب الجافة الميتة، تتمايل زهرة الأقحوان بألوانها المبهجة وأصفرها الذهبي، أستنشق عبيرها، فيغمرني دفء، وتتولد في داخلي وداعة وينفتح العالم أمامي وتسقط كل الحوائط بيني وبين الآخرين.
يمكنني الآن أن أعتذر لراوية، أستمع لكل لومها، لن أدافع عن نفسي، تحتاج هي لحضني الآن، لن تكون هناك فضيحة، فقط صفحة جديدة نفتحها.
يتماوج النسيم فوق الأرض الخضراء المنبسطة أمامي، تتمايل أطراف النباتات تعطي زخما وغنى وملمسا قطيفيا تتحسسه عيني وتتابع تموجات الأخضر المتناهية، الياقوتة الخضراء التي نظر الله إليها بعين الهيبة فذابت وصارت ماء، ثم خلق العرش وجعله على متن الماء، منتهى الأشياء وحدودها القصوى.
والبنت التي تهز شجرة التوت فلا تقدر عليها، ولا تطول أقرب فرع منها، يأتي أحدهم يهز لها الشجرة، يسقط التوت، تجمع ما يسقط على الأرض وتجرى به لأمها المريضة التي تنام على السرير الوحيد في البيت، تتوقع أن تفرح أمها، تشتكي من ألم في رأسها، تناولها إيشارب لونه أزرق وبه ورود كبيرة حمراء، تعصب رأسها:
– عطشانة.
أحضر القلة، أهز يدها، لكنها مضت بعيدا.
لماذا لا أذهب وأرش قبرها بالماء.. تسقط دمعة من عيني تتمدد جدولا، بحرا أزرق اللون رصينا، هادئا، واثقا.أخطو على شاطئه تتوقف موجاته عند قدمي فأكتسب غرورا وثقة ،عند قدمي يقف العالم.أبحر مع “فؤاد” على مركب من رأس البر حتى أسوان، يمكن للرحلة أن تمتد ونطوف العالم، لكننا عدنا، كنا سنعود لأي سبب.
فتستقبلني هدهدات حمامات بيضاء تطير وتحط على نافذتي، ينساب أمان في الروح، يجعلني أسهر في شرفتي ليال طويلة، أجلس في انتظار أن أراها بعد صلاة العشاء وحتى السحور وصلاة الفجر. عين على السماء وعين على النهر. تقول “رحيل” إنها رأتها في السماء أولا وبخط واضح من النور الأبيض “لا اله إلا الله محمد رسول الله” وظلت العبارة تسير بجوار النجوم ثم سقطت كشهاب نحو صفحة الماء، ليلة القدر للموعودين.
يملؤني حنين دائم إلى اللحظة التي لمست فيها أصابعك وجهي وأنا أعمل في ستارة من الدانتيلا، كان الهدف أن تكون لأمك لكنها لم تكتمل أبدا لها
– مش هغير في الأثاث، الموضه هي الستاير المنقوشه.
وعندما اكتملت كنت بعيدة ودون نوافذ تعلق عليها ستائر للفرح، أرأيت لا يوجد أبيض خالص، اللحظات المختلسة من الأسى والمرارة والملل، حبات ندى أجمعها في الصباح عن زهرات البرسيم من أجل قريب التهبت عيناه.
مازالت على ورقة “الفيكس” نقطة بنية لامعة، نقطة الشيكولاته التي سقطت من حبيبة على الورقة الخضراء البضة، مازالت موجودة، خطا لامعا بنيا لزجا يعترض مسارات الخطوط المتوازية، يتقاطع معها.
هل هي شيكولاتة تغذي الورقة أم هي مرض ظهر على سطحها؟
ياللحفيدة التي تسافر وترسل لي بصور لمراحل تطور جنينها دون أن تتزوج .
ما الذي تحتويه شقة “الزمالك”؟ ما الذي جعل أمك تعود، بعد دراسة علم النفس، سيدة أعمال ومديرة لمدارس؟ ما الذي جعل خالك منير يرحل، ويسافر خالك عاطف، وأنت و”حياة” .. اللعنة. هل كان عليّ أن أتخلص منها؟
الجو شديد البرودة هل أغلق نافذتي؟ لا يمكن فماذا عن الموت القادم هناك من بعيد؟
رأيته يدور حول البيت، مضى عهد لم أره، تغير شكله، بدت عليه خطوط الأيام، ما الذي فقده؟ لمعة العينين؟ أسنانه؟ هل يركب طاقم أسنان، ربما روح المرح. استقبلته، بعد أسبوع مات أبي، كنت أعرف أنه قادم، قادم، فحاولت أن أفادي، وأخفف الواقعة، مات أبي في الوقت المناسب، الوقت الذي جعل نعيه في جريدة الأهرام يليق بالحاج حسين الفقي، والد الأستاذ الدكتور يحيى الفقي أستاذ جراحة التجميل، والسيدة حسنة الفقي وصهر فؤاد بك الكاتب وجد…،..،…، وقريب ونسيب عائلات..
كنت تنتظرين موته.
كتبت هذا الإعلان أكثر من مرة.
فقط كنت مستعدة….
تحاولين رد الاعتبار لأبيك؟
هل كنت أطمع لأبي في ميتة أفضل من هذه؟
وتصبحين أنت في وسط الدائرة.
لا. كان على” فؤاد” أن يموت، كي أصبح في المركز تماما.
غسّلتيه بيديك؟!
امتنانا لما فعل بموته لا ما فعل بحياته.
والنسوة في انتظار خروجه، كان حزني حقيقيا، لكننا عندما عدنا من المقابر كان الهواء مختلفا، نقصت من أجزائه عبارة: “إنت عبيطة”.
الشاهد على سذاجتك مضى، أديت دورك بإتقان كل المخلصات، وبمرور الوقت ستتغير هذه الجدران، الجدران التي سمعت الكلمة، المفروشات التي سقطت عليها، وتصبح السرايا سرايتك، والبيت بيتك، لم يحزنك الموت قدر ما أدهشتك قراراتك العميقة التي لم تصلي أنت إلى قرارها. أي منكما لم يعرف الآخر؟ رغم أنك لا تعرفين لعبة الشطرنج. مسكين فؤاد.

حبيبة! بأي لون يمكن أن تلوني حياتي؟!
الألوان التي تعطيني إياها ألوان قديمة، واثقة، نقية، فيها سكون ورضا، ورغبة في الكمال. أريد ألوانا حقيقية، أريد ألوانك. سأنتظرك.

الفصل الثاني عشر

حُسنة معها بعض الحق، فقد تغير طعم السمك.
وراوية معها بعضه الآخر، فقد تغيرت حُسنة…
لم تعد ترضى أن تستضيفني في بيتها، أو أن أجلس معها في صالونها المذهب، وعندما يأتي ذكري أمامها تقول وهي تضم ابنها البكر:
– بعد الشر.
هل صرت شرا وغريبا تطردني من حجرتها؟
لم أدرك عمق رغبتها في عدم رؤيتي إلا عندما رأيت دموعها، ورأيتني في بؤبؤها المتلألئ بالدمع طائرا أسود وجناحيه ظلام.
تهمس ودموعها معلقة على رموشها الطويلة:
– بعد جوازي ما أقدرش أستضيف غريب.
لا تدرك أن الأسوار لا تُبعد الموت، لكنها تجعل زيارتي لها محدودة ومحددة، الأسوار تُنَظِّم دخول الأشياء وخروجها، لكنها لا تمنع شيئا. لو أنها تأملت قليلا لرأت أن أحدا لا يمكنه أن يهرب مني.
سأخرج من بيتها غاضبا، لكني سأجثو على ركبتي أمام دموعها، وأنا أبرئ ساحتي من غياب ابنها “منير”، ولم يكن ذلك هو الوقت المناسب كي أذكرها بنظرتها القديمة للموت: الإنسان في هذه الحياة له مهمة معينة، وبعد أن يؤديها، على المحيطين به أن يتركوه يذهب إلى هناك، إلى الضفة الأخرى، ويرعى شئونه بعيدا عما يجب واللازم والمفروض، وعن أثقال الرموش المشرعة له دوما.
بالقطع لا يمكن لأم ثكلى أن تتذكر هذا الكلام.
خاصة وأنها تغيرت كثيرا ..فلم تعد تمشي معي كما كنا، اكتفت بمشاهدة التلفزيون. عندما بدأ إرسال التلفزيون كان “فؤاد الكاتب” من أوائل الأثرياء الذين اقتنوا هذا الجهاز، ولو كانت “حُسنة” كما كانت لامتلأ الدور الأرضي بأولاد يتراصون في صفوف منتظمة، الأقصر فالأطول، وفي يد كل واحد منهم قرطاس لب مستقيم، أو قرطاس فول سوداني منبعج في بعض جوانبه بما يتناسب مع حجم حبة الفول. وتأمرهم “حُسنة”
- كل واحد بمحاذاة الصف.
كما كانت تفعل في “كُتَّاب” سيدنا الشيخ، والذي كان يمتدح مهارتها في ضبط “الكُتَّاب”، ولا يجعلها ترأس البنات فقط بل و الصبيان، مما يسبب لها مضايقات منهم بعد انتهاء الدرس، وبنفس المهارة كانت تصدهم، وإن استدعى الأمر في بعض الأحيان الشكوى لآبائهم.
كان ذكاؤها يوجهها لشكوى الولد الذي يضايقها إلى أبيه وليس لأمه، فالأمهات كن يجدن أنه من العادي أن يضرب ابنها أية بنت، فهذه علامة رجولة مبكرة، وتكتفي بتطييب خاطرها والوعد بكسر رقبته، عندما تراه، يا حبيبتي أنت الغالية بنت الغالية، أو تمد يدها بنصف رغيف “رحالي” وفوقه قطعة جبن قريش.
هذا الكلام لم يكن ليرضي “حُسنة”، فتقف قرب انتهاء صلاة العصر أو المغرب في الشارع المؤدي إلى المسجد وتوقف الأب
- يرضيك يا عم حسن إن ابنك يضربني بعد الكُتَّاب؟
يفاجأ الأب بشجاعتها، يأخذها من يدها إلى بيته، ولا يهدأ حتى يرن ابنه العلقة المحترمة، يا كلب لا تقدر إلا على البنت الغلبانة، عامل نفسك راجل؟ بس أنت بطل تعملها على نفسك، وتهد حيل أمك، وكل يوم تنشر المرتبة في الشمس.
فمن يمكنه أن يحب بنتا كانت رئيسة عليه؟ وهي كيف لها أن تحب ولدا كان أبوه يناديه أمامها:
– يا أبو شخه.
كانت هذه أيام ومضت، وفيما بعد، فإن أحدا من البلد لم يعرف أن الصندوق الذي دخل البيت الكبير وعليه علامة شركة “فيليبس” هو جهاز تلفزيون، لكن الخبر تسرب من ألسنة البنات اللاتي كن يساعدن في تنظيف السرايا، ويلمحن الست حسنة وهي جالسة تبحلق في الصندوق الذي يقبل فيه الأزواج زوجاتهم، وفي يدها طبق بسيمة، وبجانب كرسيها تجلس “فاطمة” التي تؤثرها بمعاملة خاصة، ويمكن لها أن تتساهل مع باقي الشغالين، وتسمح لهم بمتابعة المسلسل اليومي وهم واقفين أمام الطرقة المؤدية إلى المطبخ، دون أن تعكر مزاجهم بطلب فنجان قهوة مضبوطة.
وأحيانا تتساهل أكثر فتغض بصرها عن تصنتهم على جلساتها الأسبوعية مع بنات الأعيان وزوجاتهم..في معظم الجلسات، تطلعهن سنية هانم الألفي على صورها، وهي في كلية البنات الثانوية، وبطقوس احتفالية خاصة تعرض عليهن صورة التخرج:
- دي مس آنجيل، وده مسيو ميشيل، أنا، ودي الزعيمة، تصورت معانا علشان بنات خالها حواء وحورية إدريس
ظلت حُسنة لفترة طويلة لا تعرف من هي الزعيمة حتى قرأت في مجلة حواء مقالا عن تحرير المرأة المصرية، ورأت صورة السيدة التي تحيط وجهها بطرحة سوداء، وعرفت أنها هدى هانم شعراوي.
وفي يوم آخر أحضرت زوجة المأمور جريدة بها مقال، عنوانه: المفكر الفلسطيني الكبير ادوارد سعيد يكتب ذكرياته عن تحية كاريوكا، وفي وسط المقال صورة للراقصة الأشهر بطرحتها البيضاء وجسدها المحملي الذي فقد رشاقته، لكن ليونته تراوغ الملابس الفضفاضة وتشي بما كان.
تتنهد منيرة هانم وهي تنظر إلي الصورة وتقول:
- كان جارنا في الزمالك، كان خجول جدا زي البنات، ويحمر وجهه لو حد غريب كلمه، ولا يخرجشي إلا مع إخواته الكبار، فجأة هاجر لأمريكا مع أهله.
ولم تصمت حُسنة طويلا:
- في يوم النحاس باشا زعيم الأمة كان في زيارة للمنصورة، وكان هيتغدى عند محمد بيه الشناوي، والمنصورة كلها بقت فرحانة، فراشة، وأنوار وميكرفونات وأعلام، الحكمدار كان ضد الوفد، فأصدر أوامره لرجال البوليس بإزالة كل مظاهر الاحتفال والعساكر انتشروا يهدموا الزينات، وفتحوا جميع الكباري لمنع الناس من الترحيب بالباشا، لكن والدي الحاج حسين صمم على رؤيته، العسكر كانوا شايلين بنادق فيها سكاكين ، ولما ظهر الموكب ووالدي فيه، حاول عسكري قتل النحاس باشا لكن الطعنة جت في سينوت حنا بيه، والدي شاف اللي حصل، جري ورا العسكري ومسكه، لكن العسكري طعنه في رقبته.
- وبعدين؟
- النحاس باشا عجبته شجاعة والدي وقال له: يا حج حسين إنت من الوطنيين.
- واتصور معاه؟
- طبعا اتصور، لكن الصورة مابتفارقش محفظته، وإن كان على الصور مفيش أكتر منها.
وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال، ومستعدة له بحكاية جديدة، ففتحت مجلة “المصور” وأشارت:
- السفينة سعد كانت ملك لجدي وفي يوم اصطدمت مع السفينة الباسل عند رأس البر وغرق جدي ومعاه كل تجارة العيلة من الحرير.
تماهت حُسنة مع الجلسات الأسبوعية، وشيئا فشيء أصبحت أهم أركان هذه الجلسة، وموطن استشارة السيدات المتباهيات بجدودهن، وأراضيهن الشاسعة، بل وبمرور الوقت أصبح لها جلستها الأسبوعية الخاصة في سرايتها، التي لم تمتنع عن إقامتها إلا شهري فبراير ومارس بعد وفاة أم كلثوم.
وكل هذا لا يعني إلا أن حسنة تغيرت كثيرا كثيرا
عند منتصف الليل، تشعر بوقع أقدام رهيفة خفيفة، وبحركة في غرفة المكتب التي كان “فؤاد” يقضي فيها معظم وقته، وفي أحيان أخرى تلتقط أذناها موسيقى ناعمة وحركات راقصة. بل ولاحظت عندما تنهض لصلاة الفجر، أن ورود وأزهار الستائر المنقوشة تختفي، ويبقى لونها السادة بدون نقوش، لكنها وللمفاجأة تجدها مكومة تحت صورة “فؤاد” في غرفة المكتب. فأصبح عليها أن تجمع هذه الزهور الهاربة، وتعيدها إلى مكانها، إلى قماش الستائر. وبالقطع لم تكن تعيدها بنفس الدقة القديمة، الاختلافات الطفيفة بين توزيعات زهور القرنفل والجهنمية والورود، ووضعية كل زهرة على الستائر غيرت كثيرا من شكل الستائر الأصلي. بما جعلها عرضة للقيل والقال، وللمز في مدى حزنها على زوجها الراحل الذي لم يمر أربعون يوما على وفاته، وإذا بها تفاجئ الجميع بصفو بالها، وتغيير الستائر وتعليق أخرى بألوان وأزهار زاهية.
لاحظت “فاطمة” وهي تقدم القهوة السادة للمعزيات هذه اللمزات، ولكن شدة حزنها على سيدها لم يجعلها تطرح على نفسها سؤالا بديهيا: متى خرجت سيدتها لشراء الستائر؟ متى تم تعليقها؟ وتركيبها؟ ولم تلاحظ أن البياضات مازالت تغطي أطقم الصالون والأنتريه في الصالة الكبيرة. وعندما حكت ما تسمع من لوم المعزيات لزوجها، كانت هذه هي الفرصة التي انتظرها “مسعود” الجنايني ليحلق ذقنه، ويستحم، ويسبسب شعره بالفازلين، يعطر نفسه بكولونيا “خمس خمسات” التي اشتراها من “شربين” بعشرة قروش. وكلها مقدمات تحفظها فاطمة، وأثناءها تستعد نفسيا لكنها لا تبدي فهما إلا بعد أن يبتسم وهو يفرك يديه ويقول لها كلمة السر:
- ليليتنا فل إن شاء الله.
فتبعد يده عن كتفها بدلال، بينما تخلع جلبابها الأسود وهي تقول:
– يا راجل ما يصحش، البيه مكملش أربعين يوم.
وبينما هما يتناوشان في البدروم، كانت حسنة تعيش في عالمها الجديد.. تهيم في الحدائق والمزارع، تجذبها رائحة الشيح البلدي.
تردد: البابونج يطرد الحيات والأرواح الشريرة.
تحذر: لا تتركوا المنخل فارغا.
وبحسرة تتذكر: هذا البيت لا يسلف ولا يستلف.
وعلي طريقتها الخاصة التي لا ترضي “راوية” أو غيرها، تحج كل عام.. قبل خمسة أيام من نهاية شهر ذي القعدة، تجهز عدتها، تدخل المكتبة وبمساعدة “نور” تفرز الكتب التي تحتاجها:
سنة لابن كثير..
سنة لرياض الصالحين..
سنة للجغرافيا..
سنة للتاريخ..
وهذه السنة وقبل موعد الموسم، دخلت غرفة حبيبة، وجمعت كل المجلدات التي تضم رسوما لكبار الفنانين التشكيليين وعندما قالت لها نور
- يا عمتي الكتب دي بالإنجليزية وإنت ..
نظرت لها بضيق: هشوف اللوحات اللي رسموها، أحس ألوانها، أفهمها.
هاتفت أخاها يحيي
– عايزاك تشتري لي كل الكتب اللي تتكلم عن الرسامين وتكون باللغة العربية. متتأخرش. آه متنساش فيلم زوربا اليوناني.
وفي موعدها تودع أهل البيت، وترتدي ثوبها الأبيض، وخاتمها ذا الفص العقيق وهي تردد قول الرسول “من تختم بالعقيق لم يزل في بركة”.
تنسق شرائط الشيخ “عبد الصمد”، و”الحصري”، و” النقشبندي”، تملأ ثلاجتها بالفاكهة، وتطلب من فاطمة تشغيل المروحة
- يا ست التكييف شغال.
- لما أشوف ريش المروحة بيتحرك يبرد الجو، أما التكييف ده إزاي أثق فيه؟
تغلق الباب على نفسها وتبدأ مناسكها.
وبعد صلاة العيد، تخرج وتوزع أنصبة الأضاحي، وفي المساء تحضر زفاف البنات اللاتي تكفلت هذا العام بتجهيزهن، وقبل أن تبدأ الراقصات في تقديم فقراتهن تتسلل إلى حجرتهن تمعن النظر في وجوهن، تسألها واحدة:
– بتشبهي؟
– اسمك إيه؟
– سهام.
– وإنت؟
– أميره.
– يا خساره..
– تحبي يبقى اسمي إيه؟
– مش فاكره..
وتخرج تشيعها ضحكات ترطب قلبها، وتستدعي في روحها رائحة كيزان الذرة المشوي، وصورة بنتين إحداهما شعرها قصير، والأخرى يملأ وجهها نمش، تتلصصان من قماش الخيمة على الراقصة.
وبعد كل حجة كانت هناك عبارات جديدة تلتصق بلسانها.
بعد حجتها الأخيرة أمكنها أن تصيغ هذه العبارة:
– أحلامي مثل أحلام سيلفادور دالي..
أو تخرج بالمظلة في الشمس الحارقة، والسماء الزرقاء تتوزع بها قليل من السحب البيضاء حافية القدمين. ثم تعود لتقول:
– كان على مونيه أن يراني قبل أن يرسم السيدة والمظلة، فظلي على شجيرات اللانتانا كمارا سيكون أوضح.
وتسأل بصوت عال هل وصلت حبيبة؟
تغيرت حُسنة كثيرا كثيرا كثيرا.
لكنها ليست وحدها التي تغيرت: الزمن نفسه تغير ومضت الأيام التي كنت فيها إلها مهيبا، يمكن لي أن أصيح في وجه كبير الآلهة مهددا:
“… الآن وقد قتلت لوتان
الآن وقد سحقت رأس التنين
الآن وقد قضيت على الحية الملتوية
الحية الملعونة ذات الرؤوس السبعة
الآن وقد اكتنفتك السماء بهالة من المجد
تذكر أيها الظافر البعل أني إله الموت
أبقيت عليك لم أدخلك شدقي
لم أبتلعك كجدي
لم أنزلك إلى حفرتي…”
هذا زمن مضى. ما أنا الآن إلا موظف يؤدي مهمته.
من كان يظن أن شجرة المعرفة وثمرتها المحرمة التي اختارها الإنسان، وأخرجته مؤقتا من النعيم إلى الموت والفناء ستؤدي به إلي الخلود، و لو كان خلودا مؤقتا يجدد خلاياه، يبطئ عقارب زمنه، يزيد في عمره.
وحده الإنسان القادر على استخدام أسرار العلوم التي علمتها له الآلهة في منازعتها الخلد، وكشف السر والوصول إلى المنبع حيث تجلس الحية حامية للسر الأبدي في جلدها المتجدد كل عام، تنسلخ عنها أيامها لتعيد دورة حياتها، الدورة والدائرة الشكل الأكثر انسيابية وحركة وإحداثا للحيرة، الدائرة رباط القيد الكامل، تنقلب كلها وتنغلق على نفسها، ولا أول لها ولا آخر ولا مقدمة لها ولا مؤخرة، تتحرك في آن واحد في هذا الاتجاه وفي الاتجاه المضاد.
الدائرة وحدها تستطيع قلب الخطيئة إلى نعيم إلى ثواب النعيم لمن تمرد، لمن اختار وتحمل تبعة الاختيار.
ألم أقل لكم في البداية إن الإنسان يحيرني كثيرا، ويتضح لي في النهاية أن الرب يكافئ البشر على تجاربهم وخطاياهم، وأن حل لغز الحياة في عيشها ونسيان الموت؟!
علي حُسنة ألا تستعجل ابنتها وأن تطمئن لزيارتي، فموتي يقترب مني، وستنهي فنجانا آخر من الشاي، قبل أن يُسمح لي بلمس فنجان الشاي الذي تعده راوية، حفيدتها لم تظهر بعد لكن خطواتها على الطريق قريبة.. وموتي يقترب مني.. يقترب.. كيف يمكن لي أن أعتذر لها؟ وهي لا تدري سر اضطرابي، تحاول أن تبدي تفهمها لمهمتي التي تعتقد أني أتيت من أجلها.
- عارفه ده عملك، كل ميسر لما خلق له.
لكني لم أخلق لموتها، موت آخر أكثر شبابا سيتولى مسألتها، فأنا أنسحب، أنمحي.. ربما يمكن لموت آخر أن يستطيع التعامل معها، وهي يمكنها أن تستمر في تغيرها وتتآلف مع موت آخر، بل وتضمه إلى صفها حتى أنه حين يأتي موعده سيخجل من جلسته أمامها مترددا، حائرا، يروي لها عنها وعن الذين أحبت، يحكي ويحكي ومن بعيد يرى موته يقترب منه، يقترب.. يقترب.. يقت.. أنا أزول.. أزو.. لكن ذلك لن يمنعني “كجنتلموت” أن أمد يدي وأرقص Slow مع السيدة التي عرفتها عمرا طويلا.. بينما حفيدتها تنزل من سيارتها وعلى ذراعها مولودة جديدة، وبالذراع الأخرى تدفع بوابة السرايا الكبيرة.

::. صفاء النجار


تمت الرواية ....... نقلاً عن موقع دروب


Monday, December 1, 2008

في رثــاء المكتبة

في رثاء المكتبة

عبده وازن الحياة - 01/12/08//

باتت معارض الكتب في العالم العربي ظاهرة لا يمكن تجاهلها ولا التغاضي عن موقعها المتقدّم في الساحة الثقافية العربية. هذه المعارض ينتظرها الناشرون مثلما ينتظرها الكتّاب والقراء بحثاً عن ضالتهم، الناشرون ليسوّقوا كتبهم والكتّاب ليلتقوا جمهورهم والقراء ليطلعوا على العناوين المتوالية سنة تلو أخرى. وبدت المعارض في الآونة الأخيرة كأنها تتنافس على «تلميع» صورها وتوسيع مساحاتها واستقطاب ما أمكن استقطابه من ندوات ولقاءات، وإن كانت بلا جمهور في أحيان كثيرة. أصبح معرض الكتاب في حسبان القراء موعداً سنوياً لشراء الكتب و «التموين» ولمواكبة حركة النشر العربية. فالمعرض يمثل الواجهة الأدبية التي طالما مثلتها المكتبات في الحياة الأدبية العامة.

إلا أن ازدهار هذه المعارض لم يعنِ يوماً ازدهاراً للكتاب ولا للقراءة. فالإحصاءات التي تُعلن مرحلة تلو أخرى، لا تُطمئن كثيراً بل هي تدفع الى حال من اليأس إزاء مستقبل الكتاب والقراءة. وقد تُمثّل ذروة هذا اليأس، ظاهرة إغلاق المكتبات التي تشهدها أخيراً عواصم طالما عرفت بكونها مدناً للمكتبات. قد يكون ازدهار المعارض السنوية المتكاثرة أثّر سلباً في واقع هذه المكتبات بعد أن سحب «البساط» من تحتها، بحسب التعبير الشعبي، وأوقعها في ما يشبه العزلة أو الهامش. لكنّ أفول نجم هذه المكتبات يدل أيضاً على فداحة التراجع الذي أصاب الكتاب وقراءه. واللافت أن كل مكتبة تغلق أبوابها يحل مكانها مطعم أو مقهى أو محل تجاري، ما يجعل «الإغلاق» هذا فعلاً لا عودة عنه أو قدراً مأسوياً.

مكتبات لا تُحصى عمدت أخيراً الى إغلاق أبوابها، واحدة تلو الأخرى، في عواصم عربية لا يمكن تصوّرها بلا مكتبات. مكتبات في الكويت وعمّان ودمشق وبيروت وفلسطين والعراق... لم تبق قادرة على الاستمرار تبعاً لمعاناتها «المادية» البالغة. وآخر هذه المكتبات «مكتبة رأس بيروت» العريقة التي تحتل إحدى زوايا شارع بلس في الحمراء. ستقفل هذه المكتبة أبوابها خلال شهر مودّعة الشارع الذي يمثل ذاكرة بيروت الستينات، بيروت المدينة – المختبر، بيروت مجلة «شعر»، بيروت «الآداب»، بيروت الحداثة... هذه المكتبة مثلها مثل الكثير من المكتبات العريقة لم تكن يوماً «دكاناً» لبيع الكتب، بل كانت أشبه بالملتقى الأدبي اليومي الذي يقصده الكتّاب والقراء ليتناقشوا ويتبادلوا الآراء. شعراء مجلة «شعر» كانوا يلتقون هناك، ورواد الحداثة العربية أيضاً شعراء وروائيين ومسرحيين... سيكون إغلاق هذه المكتبة صدمة ليس لأصدقائها فقط بل لكل من عرفها ودخلها ولو مرة واحدة. قبل أشهر أغلقت مكتبة «الربيعان» في الكويت أبوابها بعدما بلغت خسائرها المادية مبلغها، وكانت من أعرق المكتبات في الكويت والخليج على السواء، يقصدها الزائرون العرب بحثاً عن الجديد والنادر من الكتب. لكنّ الدولة التي لم يهن لها أن ترى المكتبة العريقة مغلقة مدّت لها يد العون وأنقذتها من كبوتها.

تغيب المكتبات في العالم العربي وتحتضر ويتراجع جمهورها متجهاً نحو إغراءات أخرى يحملها العصر الحديث. والظاهرة هذه لا تقتصر على العالم العربي بل تشمل العالم أيضاً. فكم من مكتبات أُغلقت في باريس على سبيل المثل. شارع سان جيرمان الباريسي العريق يفقد مكتباته واحدة تلو الأخرى، والمكتبات «الصامدة» مهددة بالإغلاق تحت سيل الإغراءات المالية. وقد تمثل «المخازن» الكبيرة للكتب التي تجذب أعداداً هائلة من الزائرين يومياً، أبلغ تهديد تتعرّض له المكتبات الصغيرة المنتشرة هنا وهناك. وتفتقر هذه «المخازن» التجارية الكبيرة الى الطابع الثقافي الحميم الذي طالما اتسمت به المكتبات تلك.

وإن كانت المكتبات العامة في أوروبا والغرب عموماً تعوّض انحسار المكتبات الصغيرة فإن المدن العربية لم ترسّخ ظاهرة المكتبات العامة، ولا عرف القراء بدورهم كيف يجعلونها من أماكنهم الأثيرة وكيف يعتادون عليها ويصبحون أعضاء في نواديها. بيروت التي طالما سمّيت مدينة الكتاب لا تزال بلا مكتبة عامة منذ العام 1975 عندما أتت نار الحرب على مكتبتها الشهيرة. هل يمكن تخيل باريس بلا مكتبتها الوطنية؟ هل يمكن تخيل لندن بلا مكتبتها البريطانية الشهيرة؟ وموسكو بلا مكتبة لينين؟ كم من مدن ارتبط اسمها بمكتباتها العامة، القمينة على الإرث الوطني وعلى الحوار والتواصل بين الكتاب والقارئ. أما المكتبات العامة القليلة أصلاً في العالم العربي، فتكاد تكون مجهولة أو شبه مجهولة، وزائروها ليسوا إلا من القلة القليلة التي ما برحت تدمن فعل القراءة.

تزدهر معارض الكتب في العالم العربي وتتنافس وكأنها في سباق محموم على «الأمجاد»، لكنّ المكتبات تنحسر مثل القراء أو تستحيل في أحسن الظروف الى محال لبيع القرطاسية والصحف والمجلات. ما أصعب أن تصبح المكتبة العربية الراهنة «دكاناً» لبيع القرطاسية.